لمن لم يفهم!
وأنا أتأهب للعودة إلى نشاطي المهني بعد الإجازة الصيفية كغيري من أبناء الوطن المهاجرين “والمهجرين”، فان الكتابة عن الرياضة المريضة عندنا لا تستوقفني، ولا تحفزني الكتابة عن منتخب كرة القدم إلى إشعار آخر رغم خرجته الجديدة البارحة…
-
وأجد نفسي مرة أخرى أخوض في شؤون الوطن والشعب لكوني جزءا منهما، وباعتبارهما فوق الجميع، ومصدر الثروة والشرعية والسيادة، وكل شيء يهون من أجلهما، والبقاء لهما بعد الله طبعا، وإدراكا مني بأننا ظلمناهما ولا زلنا بقصد ودون وعي، ولا نعرف قدرهما، ونتفنن في إلقاء التهم واللائمة عليهما، وتبرير فشلنا بتحميل البلد والشعب مسؤولية كل مأساتنا وإخفاقاتنا، رغم أن العيب فينا وفي تفكيرنا وتصرفاتنا وأخلاقنا وأنانيتنا المفرطة..
-
لمن لم يفهم ولم يع بعد، فإن وطننا هو الأعظم والأجمل في الوجود بشهادة القريب والبعيد رغم تقصيرنا وظلمنا له، ورغم قسوتنا عليه وإجحافنا في حقه، ورغم كل السلبيات والمساوئ، ويكفي أن تتمعن وتتجول فيه شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لتدرك مكنوناته البشرية والطبيعية وما تحقق من إنجازات، وما يمكن إنجازه من مكتسبات، وتدرك القدرات والفرص التي يمنحها البلد لأبنائه من أجل الاستثمار فيه وتنميته، والرقي به إلى مصاف الأمم المتقدمة والمتحضرة خاصة بعد زوال حجج الامبريالية والإرهاب والجفاف وتدهور أسعار النفط، وكل المبررات التي كنا نختفي وراءها..
-
بلدنا شاسع وغني ومتنوع فيه الشمس والمطر والجبال والبحار والسهول والأراضي الفلاحية الخصبة والماء والغاز والبترول والكهرباء والذهب والفضة والحديد والفوسفات، وفيه الرجال الأكفاء في كل المجالات، وبلدان أخرى لا تفارقها الحرارة والجفاف أو الفيضانات والكوارث، ولا تتوفر على الثروات والكفاءات ولا الموارد التي نمتلكها، ومع ذالك معدلات التنمية والرفاهية فيها أعلى منها عندنا، والاستثمارات فيها أكبر، والسياحة فيها تدر الملايير وشعوبها تنعم بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفرص العمل والمناخ الاقتصادي والاجتماعي السليمين..
-
لا أفشي سرا ولا أضيف شيئا جديدا عندما أضم صوتي إلى أصوات الملايين من أبناء بلدي وأقول بأن بلدنا لا مثيل له ويتوفر على كل المقومات التي تجعل منه جنة في الأرض يتقاسم خيراته كل أبنائه، ويقدر على توفير العيش الكريم لمئات الملايين من البشر، ولكننا لا نملك الطموح ولا الإرادة ولا الرغبة ولا المنهج والمشروع للنهوض بالبلد، ولا نعرف من أين نبدأ وأين نريد الوصول، وكأن قوة خفية تتعمد تعطيل المشاريع والتشكيك في النيات الحسنة وتحطيم كل شيء جميل، وكل أمل وطموح في تحقيق الإصلاح والتغيير..
-
أما شعبنا فهو الطيب والعظيم أيضا رغم معاناته وسلبياته، ورغم قسوتنا عليه وظلمنا له، وعدم قدرتنا على القيام بواجباتنا تجاهه من خلال مسؤولين مهمتهم البحث عن المحاسن للشعب ودفع المساوئ عنه ولكنهم لا يفعلون! وآخرين لا يملكون الجرأة ولا القدرة على توظيف الإمكانات المتوفرة ووضع الثقة في الجيل الصاعد الذي يتوجه نحو التقاعد دون أن تتاح له الفرصة في تفجير طاقاته في ظل مناخ سياسي واجتماعي واقتصادي لا يشجع على الإبداع.
-
الوعي والتجنيد وروح المسؤولية التي يتميز بها الشعب الجزائري بكل أطيافه لا نجدها عند غيرنا، واستعداده للتضحية والصبر على كل المحن وكل الجرائم المرتكبة في حقه، عوامل تزيد من عظمته وقدرته على التحمل، وتزيد من آمالنا وطموحاتنا في رؤيته ينعم بكل أسباب الراحة والطمأنينة والعيش الكريم..
-
ولأن النفس لا تدري بأي أرض تموت، والحياة واحدة والموت أيضا، أردت أن أتقاسم مع القارئ شهادة لم أكتشفها اليوم، ولكنني أتأكد منها كل يوم مثل غيري بأن الوطن عظيم والشعب أعظم رغم أنف المتشائمين والحاقدين والجاحدين، وكل من يبرر فشله بإلقاء التهم على الشعب والبلد، ويتجنبون خوفا وطمعا وضع الأصابع على الجراح وعلى الاختلالات الموجودة !!
-
الأدهى من كل هذا أننا لا نحسن تسويق صورتنا لأبنائنا ولغيرنا، ولا نعرف كيف نحافظ على معنويات شعبنا، ولا نعرف تصحيح أخطائنا والاستثمار في مقومات وقدرات الوطن والشعب، ولم نقدر على التغيير، ولا ندري ماذا نفعل بالموارد البشرية والمادية والطبيعية التي لا تتوفر عليها الكثير من البلدان والشعوب.
-
لقد من علينا الله بنعم لا تعد ولا تحصى من الموارد البشرية والمادية والطبيعة الخصبة، وبجيل متميز من الشبان الذين يحبون وطنهم مثل أبائهم وأجدادهم، ولكن البشر بأنانيتهم وظلمهم وجهلهم سلطوا على الشعب والوطن كل أنواع العذاب والنهب والتخلف رغم العديد من الإنجازات التي تحققت في بناء المرافق والهياكل القاعدية والبنى التحتية من طرقات وسدود وجامعات ومدارس ومراكز وخدمات أخرى متنوعة تؤكد بأن الجزائر والشعب الجزائري كنز لا مثيل له، ومهما تعمدنا الإساءة إليهما والتقليل من شأنهما، إلا أن وقوف الرجال وإخلاصهم في مختلف المواقع لا يزال يمثل حصنا منيعا في وجه المغامرين والفاشلين المسلطين على رقابنا، ومهما طال الزمن أو قصر سيكون البقاء لله وحده، والوطن والشعب فوق كل اعتبار..