الرأي

لمَ نستحضر أفكار مالك بن نبي الآن؟

بقلم : مراد عجابي
  • 88
  • 0

أودّ أن أستهل مقالتي بسؤال ليس من قبيل البلاغة الخطابية الفارغة: أيّ مفكر من مفكري القرن العشرين استشرف، بأعلى درجة ممكنة من الدقة، الأزمة العميقة التي نحيا في قلبها اليوم؟

لم يكن ذلك فرانسيس فوكوياما الذي وعدنا بـ”نهاية التاريخ”، ثم اضطر هو نفسه- بعد ثلاثة عقود من إعلانه انتصار الديمقراطية اللبرالية- إلى الاعتراف بأنه لم يشهد قطّ حقبةً تسود فيها هذه الدرجة من الغموض حول الشكل السياسي الذي سيتخذه عالم الغد.

ولم يكن صامويل هنتنغتون الذي ظلّت نظريته في “صراع الحضارات” أسيرةً رؤية تصادمية ضيّقة للعالم.

المفكر الذي استشرف ذلك كلّه- في رأيي- هو مالك بن نبي: جزائري وُلد في قسنطينة عام 1905، وتوفي عام 1973، ولا يزال فكره- للأسف الشديد- مهمَلاً في أروقة الأكاديميات والمحافل الدبلوماسية الدولية.

ما خلص إليه فوكوياما عام 2022، كتبه ابن نبي عام 1954. فلا عجب إذاً أن نلتقي اليوم لمناقشة هذه المسائل، في احتفاء بمناسبة عيد العلم.

القسم الأول: قاموس ابن نبي ثلاثة مفاهيم مؤسِّسة

المفهوم الأول: القابلية للاستعمار

يطرح ابن نبي سؤالاً لا يتجرأ كثيرون على طرحه: لم استُعمرت بعض الشعوب؟

ويجيب بشجاعة فكرية نادرة: ليس لأن المستعمِر كان أشدّ قوة،ً فلا قوة خارجية يمكنها أن تترسّخ في مجتمع لا يهيئ لها أسبابها.

إن القابلية للاستعمار- وهي حالة داخلية من التفسّخ الاجتماعي والفكري والأخلاقي- هي العلة الأولى، إذ تسبق الاستعمارَ وتستدعيه.

وفي هذا الصدد يقول : “الاستعمار ليس قوةً خارجية فحسب؛ بل هو قبل كل شيء ضعفٌ داخلي يجب أن نعترف به قبل أن نحاربه”، هذه الجملة كالمبضع: إنها تسدّ باب التذرع بالضحوية، وتفرض المسؤولية الحضارية فرضاً.

المفهوم الثاني: العالمية (Le mondialisme)

لا بدّ من التمييز فوراً: ابن نبي لا يقول “العولمة”، بل يقول “العالَمية”- مفهوم يُرجَّح أنه كان أول من صاغه في مطلع خمسينيات القرن الماضي.

والفرق بين المفهومين جوهري. العولمة مسار اقتصادي. أما العالَمية بمفهوم ابن نبي فمشروع سياسي بامتياز: إنها المشروع الذي تفرض بموجبه قوة مهيمنة قيمَها ومعاييرَها ومؤسساتِها على أنها إنسانية كونية- في حين إنها ليست سوى خصوصية متنكِّرة في زي الكونية.

فحين يُحكى عن “القواعد الدولية” أو “القيم العالمية”، فلنسأل دائماً: كونية لمن؟ وصادرة عمن؟

المفهوم الثالث: ثلاثية الأفكار/ الأشخاص/ الأشياء

في نظر ابن نبي، تقوم كل حضارة حيّة على ثلاثة أركان متلازمة: أفكار تُوجِّه/ أشخاص يفعلون/ أشياء تخدم.

قد يمتلك شعبٌ موارد وفيرة وعدداً كبيراً من البشر، غير أنه إن لم يُنتج أفكاراً فليس له حضارة- وإنما لديه مادة خام لحضارة الآخرين.

هذا التحليل كان صحيحاً بالأمس، وهو أصحّ اليوم مضاعَفاً في عصر اقتصاد المعرفة.

القسم الثاني: جيوسياسة عام 2026 على ضوء ابن نبي

أودّ الآن أن أقوم بتمرين غير مألوف في الخطاب الأكاديمي: تطبيق مقولات بن نبي على ثلاثة أحداث جيوسياسية راهنة- لا لـ”اختبار” صحة بن نبي، فذلك ضرب من الادعاء أو الوهم، بل لاستجلاء قدرته الإرشادية الاكتشافية: أي قدرة المفهوم والنظرية والمنهج على فتح آفاق معرفية جديدة.

وهكذا نميّز بين مؤلِّف مات ومفكّر لا يزال حيّاً.

الاختبار الأول: توسّع مجموعة بريكس (أغسطس 2023)

انضمام المملكة العربية السعودية وإيران وإثيوبيا ومصر والإمارات العربية المتحدة إلى بريكس ليس حدثاً دبلوماسياً عادياً، إنه أول تشكّل متعدد الأقطاب منذ نهاية الحرب الباردة يتأسس بمعزل عن الولايات المتحدة وخارج معاييرها.

وقد كتب ابن نبي أن العالَمية لا يمكن أن تدوم لأنها تنكر تعددية الحضارات- ونحن اليوم نعيش اللحظة التي ينقلب فيها هذا الإنكار على نفسه.

وهي أيضاً اللحظة التي تتجسد فيها إحدى أعزّ أمنياته التي فصّلها في كتابه الفذّ “الأفرو-آسيوية” الصادر عام 1956.

الاختبار الثاني: تداعيات الحرب الإبادية في فلسطين (منذ أكتوبر 2023).

كشفت الحرب على غزة بصفة خاصة، وعلى فلسطين بصفة عامة، ما كانت المستشاريات ترفض رؤيته، المؤسسات الدولية- لاسيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية- تُصاب بالشلل التام حين تصطدم مصالح القوى الكبرى.

كان ابن نبي يسمّي هذا “العالَمية” في نسختها المؤسسية.

والسؤال الذي كان يطرحه هو السؤال الذي يتعيّن علينا طرحه بدورنا: كيف نبني نظاماً عالمياً مشروعاً لا يقوم على القوة الغاشمة، بل على وجدان أخلاقي إنساني مشترك؟

الاختبار الثالث: رهانات إزاحة الدولار واقتصاد المعرفة (مسار متواصل).

مسار إزاحة الدولار الأمريكي ليس حرب عملات.

إنه المؤشر على أن الاحتكار المعياري الغربي- بما يشمل احتكاره المالي- يبلغ حدوده التاريخية.

في خضمّ هذا التحوّل، أين يقع العالم العربي الإسلامي؟

هل هو منتج للأفكار التي تهيكل هذا التحول، أم مجرد متفرّج عليه؟

إذا طبّقنا مفاهيم ابن نبي: ما لم تُقهر القابلية للاستعمار من الداخل، فإن تبدّل الهيمنة ليس تحرراً- وإنما هو استبدال سيّد بسيّد.

وصفات ابن نبي العلاجية

مالك بن نبي لا يكتفي بالتشخيص. إنه يصف الدواء. وأودّ أن أستخلص ثلاث وصفات أعرضها على تأملكم.

الوصفة الأولى: الاستثمار المكثّف في إنتاج الأفكار

ليس في استهلاك التكنولوجيا الأجنبية، بل في بناء الفكر الذاتي

الدول التي تُنفق أقل من %0.5 من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير- وكثير منها في منطقتنا- هي على الأرجح دول تعيش حالة من القابلية للاستعمار المعرفي.

الوصفة الثانية: بناء التعددية الحقيقية

ليس بإصلاح المؤسسات القائمة- فهي مصمَّمة هيكلياً ضد المساواة- بل ببناء معماريات تداوُلية جديدة تُسهم فيها كل حضارة بعطائها في حوكمة العالم.

الوصفة الثالثة: الجرأة على النقد الذاتي

ابن نبي قسيٌّ على المجتمعات المسلمة- قسوة المحبّ الحريص.

إنه يرفض رفضاً قاطعاً جعل الإمبريالية تفسيراً شاملاً لكل شيء.

النهضة لا تأتي من الخارج. إنها تأتي من الداخل، أو لا تأتي أبداً.

حدود الفكر البنّابي

ينبغي الاعتراف بها صراحة، ابن نبي يكتب بالإسلام أفقاً حصرياً للنهضة الحضارية- وهو أفق قد يُحرج أو يُنفِّر من ينتمون إلى تقاليد أو مدارس فكرية أخرى.

غير أنني أرى أنه يمكن استيعاب أفكار ابن نبي استيعاباً كاملاً خارج سياقها المذهبي وتطبيقها على أي مجتمع يبحث عن إعادة تأسيس نفسه.

إذ إن القابلية للاستعمار تحديداً ليست داءً إسلامياً خاصاً- إنها مَرَض حضاري عالمي.

وأودّ أن أختم بعبارتين شامختين من عبارات ابن نبي.

الأولى يختتم بها كتابه المحوري “شروط النهضة” الصادر عام 1948

“لا يمكن أن يُبنى مستقبل الإنسانية على هيمنة قارة، ولا على أنانية شعب، بل على توحيد كل طاقاتها وإمكاناتها في مشروع مشترك”.

والثانية مأخوذة من كتابه “الأفرو-آسيوية” الذي لا يقل رفعةً

“الرجل الذي يريد أن يحكم الناس يجب أن يكون، أكثر من أي وقت مضى، ذا روح رسولية وحنايا أبوية”.

هاتان العبارتان تتجاوزان السبعين عاماً، ولم يأخذها الزمن شيئاً من ألقها.

لكنّهما- للأسف- لم تُطبَّقا بعد، فليكن لهما أذن تسمع وعزيمة تعمل.

إن ابن نبي ليس نبياً يُعبد. هو بوصلة تُستعمل.

وفي هذا العالم الذي فقد اتجاهه، ربما كانت البوصلة هي أشدّ ما نحتاج إليه.

مقالات ذات صلة