-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشروق‭ ‬تزور‭ ‬المعذبين‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬ورقلة‭:‬

لم‭ ‬نر‭ ‬مسؤولا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬ولولا‭ ‬‮‬«الحطب»‮‬‭ ‬لمتنا‭ ‬جوعا

الشروق أونلاين
  • 12881
  • 0
لم‭ ‬نر‭ ‬مسؤولا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬ولولا‭ ‬‮‬«الحطب»‮‬‭ ‬لمتنا‭ ‬جوعا
تصوير‮:‬‭ ‬مكتب‭ ‬بسكرة

في صحراء مقفرة خالية من الشجر والحجر، استوطنت عائلات المكان وحولته إلى إقامة دائمة وسط ظروف طبيعية قاسية جدا، يلاقون فيها العذاب على مدار العام. إنهم المعذبون في برّ خال بين تقرت وورقلة يسترزقون من الحطب يتولى الكبار جلبه من الفيافي، بينما يقوم الصغار ببيعه‭ ‬على‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق‭ ‬وتلك‭ ‬مهمتهم‭ ‬بدل‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭.‬

دقت الثامنة صباحا، إنه موعد الدخول إلى أقسام الدراسة بالنسبة للتلاميذ، لكن هو وقت العمل بالنسبة لأبناء المعذبين في ذلك المكان المهجور. انتظرنا مجيئهم لكن لا أحد حضر بسبب الرياح الرملية الهوجاء التي حجبت كل شيء، بما في ذلك ديارهم التي لم نقدر على تصويرها. لقد‭ ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬شتويا‭ ‬بأتم‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬برد‭ ‬شديد‭ ‬وجو‭ ‬مكفهر‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬يكابدها‭ ‬مستو‭ ‬طنو‮ ‬المكان‭ ‬صيفا‭ ‬وشتاء‭.‬
بعد ساعة انتظار، قدم شاب ملثم بشاش صحراوي، اقترب منّا فكان دليلنا للولوج في ثنايا حياتهم اليومية. سألته عن مسعود وسودة وآخرين من الذين كتبنا عنهم ذات صيف من عام 2007 لما كانوا صغارا يمتهنون مهنة جمع الماء من مستعملي الطريق، فأفادنا أنهم انتهوا عن مهنتهم السابقة وصاروا يمتهنون مهنة بيع الحطب. أما عن أزمة الماء ففرجت، يقول الشاب محمد، بفضل التحقيق الذي قامت به الشروق، حيث وفر لهم فاعل خير صهاريج يتولى أحدهم ملئها من حين إلى آخر على نفقة فاعل الخير. في تلك الأثناء لمحنا شاحنة تتوقف بجوار صهريج ينزل السائق ويقوم بملئه، اقتربت منه طالبا تصويره فرفض لأنه عامل في مؤسسة لم ترخص له بما قام، لكن من باب فعل الخير تصرّف بمحض إرادته وقبل أن نلتقط له صورة لا تظهر ملامح وجهه. ومن الذين سألنا عنهم أيضا العجوز عائشة التي عرفناها قبل 5 سنوات خلت بظهرها المحدودب، فعلمنا من الدليل‭ ‬إنها‭ ‬وهنت‭ ‬وخارت‭ ‬قواها‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬مقاومة‭ ‬تداعيات‭ ‬الزمن‭ ‬لإعالة‭ ‬أبنائها‭ ‬الصغار‭.‬
 
النساء‭ ‬يلدن‭ ‬خارج‭ ‬المستشفيات
بينما لاتزال عائشة تولد النساء على الطريقة التقليدية تحت الخيمة وفهمنا من الشاب محمد أن نساءهم لا يلدن في المستشفى، وآخر عملية توليد على يد العجوز عائشة كانت في الربيع الماضي. أما علاج المرضى فيكون بالأعشاب وعند الضرورة القصوى ينقل المريض على متن عربة يجرها‭ ‬بغل‭ ‬إلى‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق‭ ‬ثم‭ ‬ينقل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬سيارة‭ ‬يستجيب‭ ‬سائقها‭ ‬لطلب‭ ‬من‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬بالتوقف‮.‬‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬أحدهم‭ ‬فيتم‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬دائرة‭ ‬الطيبات،‭ ‬شرق‭ ‬تقرت‭.‬‮ ‬
لا مدخول شهري لكل سكان المكان، جميعهم يبيعون الحطب للاسترزاق منه، يقول محمد، ومن لا يملك بغلا وعربة فإنه يعيش عالة على باقي السكان، كحال أحدهم متزوج وأب لبنتين، يبيت على الطوى من حين إلى آخر وأحيانا يجمع بقايا الخبز اليابس ويسحقه ثم يغليه في الماء ويحتسيه وأحيانا يتصدق عليه الجيران. هي صورة مأساوية نقلها لنا دليلنا الذي أكد أنه ومن يجاوره لا يتذوقون اللحم إلا مرة في العام بمناسبة العيد، منهم من يذبح شاة ومنهم من يتقاسم شاة بين عائلتين. وبخصوص وجباتهم الغذائية العادية، فتتمثل في خبز المله أو الكسرة التي تطهى تحت الجمر أحيانا تكون محشوة بالخضر ووجبة أخرى تتكرر أكثر من مرة في الأسبوع وهي حساء الخضار وكسرة التي يجلبونها من حين إلى آخر من بلدة عمر القريبة منهم لطهوها على موقد تقليدي، فهم لا يعرفون غاز البوتان ولا حتى الكوكوطة أو الطابونة وغيرها من أواني الطبخ الأساسية‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭.‬
تسللنا إلى الحي الذي أنشأه الوقاديون، نسبة إلى لقبهم العائلي، من خلال سؤال آخر يتعلق بمكوناته فأجاب، هو تجمع من عدة بيوت وخيم وأكواخ. أما البيوت فتجمع جميع أفراد الأسرة معا، لا مراحيض ولا مرشات ولا أي شيئ آخر، كل شيء يقع في الخلاء، بما في ذلك قضاء الحاجة. سألته أيضا عن الصلاة فقال، نعم نصلي لكن بحسب ما تعلمناه، وما تعلمه محمد ومن معه من المصلين هو سورة الفاتحة فقط حفظها عن طريق الاستماع المتكرر، حتى الوضوء فيتم بدون ترتيب أو كما فعل أمامنا. أما معرفة المواقيت فتكون عن طريق الإذاعة الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي‭ ‬يمتلكونها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬يحتضن‭ ‬عذابهم‭ ‬اليومي‭ ‬أو‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬سيصبح‭ ‬يوما‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬حي‭ ‬المعذبين‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬ورقلة‭.‬
هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬خارج‭ ‬اهتمامات‭ ‬المسؤولين‭ ‬بحسب‭ ‬العائلات،‭ ‬الذين‭ ‬أكّدوا‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يروا‭ ‬مسؤولا‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!