لم أرد الكلام ولكن!!
كانت عين الفوارة بمدينة سطيف خلال الأيام القليلة الماضية حديث الناس، بسبب عملية التخريب التي طالت تمثال المرأة العارية المنتصبة في وسطها، والهجوم الشعبي الذي تعرض له الرجل الذي أطلق عليه إسم “صاحب المارطو” (المارطو اسم المطرقة باللغة الفرنسية)، لأنه كان يحمل مطرقة شرع في تحطيم التمثال بها.. فرجم بالحجر والألواح والحديد…إلخ، كما يرجم الشيطان في منى.
لقد تابعت ما أثير كلام ولغط ولغو حول هذا التمثال، وما تعرض له من إيذاء..، ولاحظت أن شرائح المجتمع كلها تحركت للمساهمة في تسجيل الموقف، استحسانا وشجبا وتهديدا وتعبيرا عن التجاهل..، ووظفت فيما أثير جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، ولكن كل ذلك كان غالبه بحسابات تنبئ بأزمة ثقافية وسياسية حادة واضطراب في الهوية، بحيث لم نلاحظ -إلا القليل- ممن تناول القضية بتحليل موضوعي سواء بالبحث في المبررات الحقيقية لهذا الفعل الفجائي، أو بتفسيره بناء على خلفياته التي يرتكز عليها تبريرا له…، أو باستنكار الفعل باعتباره جريمة وما شابه ذلك…
لقد اعتبر البعض أن هذا الفعل “تخريب التمثال” فعل سياسي تنفيسي للمجتمع الذي ضاقت به الأرض بما رحبت، جراء الانسداد السياسي والاضطراب الاجتماعي والأزمة المالية والاقتصادية؛ بحيث بلغ مستوى من الاحتقان يتطلب التدخل بالتنفيس عليه بفعل ما فهو معرض للانفجار لا قدر الله، وذلك يعني أن هذا “الحدث” مصطنع لإلهاء الناس عن الحقائق التي على الأرض، حتى وإن كان الفعل معزولا، قام به شخص لا علاقة له بأصحاب القرار، لأن تناول الموضوع بهذه الصفة وتضخيمه بهذا الشكل، هو استثمار سياسي في الموضوع للتنفيس على الناس، وإشغالهم عن المهم بالأقل أهمية.
كما اعتبر آخرون أن الذي قام بالتخريب له ملامح المتدين، فهو ملتحي ويرتدي قميصا، وإذن فالباعث على التخريب دافع ديني، فاندلعت المناقشات حول مشروعية تخريب هذا التمثال من عدمه، على اعتبار أن الموقف الشرعي من التماثيل معروف في الفقه الإسلامي، والنتيجة كما هو معلوم عراك بين الموافق والمخالف، ربما ارتقي في بعض الأحيان إلى مستوى اتهام المتجادلين والمتحاورين لبعضهم بالبعض بالتسيب وعدم احترام الدين والتحلل منه، وربما انتقلوا إلى تكفير بعضهم البعض…، وإلى جانب ذلك النقاش، فرصة التغريبيين للنيل من خصومهم الطبيعيين.. المتزمتين الذين لا يعيرون للفن اهتماما!!
وفريق ثالث يرى أن هذا الفعل من ورائه جهات مشبوهة تريد زرع الفتنة والبلبلة في نفوس الناس، لما يعرفون من تعلق الأسرة السطايفية بهذه العين وتمثالها، كعادة وواقع متوارث، لاسيما أن عملية التخريب هذه قد تكررت للمرة الثالثة على التوالي: سنة 1997 و2006 و2017، والتكرار يعني التعمد والإصرار، بينما يرى آخرون أن هذا الفعل عبارة عن رد فعل اجتماعي، عبر به هذا الشخص الذي قام بالتخريب، احتجاجا على الواقع الاجتماعي الذي يتدحرج في التدني يوما بعد، فكان الفعل عبارة عن فعل اجتماعي أكثر منه تخطيطا وبرمجة وما إلى ما هناك من التوقعات المحتملة.
لا شك أن تحاليل المحللين وعرض الإعلاميين غير بعيد عن الاحتمال في بعض جوانبه، أي في علاقة هذا الفعل بكل ما ذكر، لاسيما وأن هذه الاحتمالات كلها لها ما يسندها في الواقع الذي يعيشه الناس؛ لأن بلادنا بالفعل تعاني من الكثير من الأمراض المزمنة، وواقعنا الاجتماعي لا يبشر بالخير، وواقعنا السياسي لا يبعث على التفاؤل…، ولكن المفاجئ في الموضوع هو أن الفاعل في تخريب عين الفوارة دائما مصحوبا بأمور غير طبيعية، حيث أن الفاعل هذه المرة مختل عقليا وقيل هو عسكري سابق، وفي سنة 2006 كان الفاعل شابا مزطولا من الشباب المدمن على تعاطي المخذرات، وفي سنة 1997 كانت البلاد في أزمة أمنية قتل فيها العباد، وفجرت فيها المؤسسات، ولم تخرب التماثيل فحسب..
ولكن يبدو أن المجتمع عندما تبلغ أزماته حدا معينا من التردي والإنحدار يفقد بوصلته، فيصبح يبحث عن مواضيع للنقاش ليصل إلى مشجب يعلق عليه مصائبه ومآسيه، فيجرم زيدا، ويثني على عمرو، ويسب فلانا ويلعن علانا…، ليرتاح زمنا، كمن يتناول مخدرا ليهرب من الواقع زمنا ينسيه مآسيه، فكان الحديث عن هذا التمثال “التحفة التريخية” وعن الرجل الذي حاول تخريبه، بمثابة الحدث الذي ينتصر به الناس على أمراضهم ومشكلاتهم التي يعانون منها!!
ولكن ما يحز في النفس ولا يسر حرا في هذه البلاد، هو أن يعتبر “تمثال عين الفوارة” جزء من هوية المواطن السطايقي، أو من هوية مدينة سطيف نفسها..، إنها خدعة كبيرة وكذبة أكبر، أن يعتبر تمثال عين الفوارة جزء من شخصية سطيف؛ لسبب واحد وبسيط وهو أن هذا التمثال، الذي هو لامرأة عارية طولها متران، نصبته فرنسا في سنة 1899 في قلب مدينة سطيف وسط ثلاثة معالم دينية: المسجد العتيق، والمعبد اليهودي، والكنيسة النصرانية، نحته الفرنسي فرانسيس دو سانت فيدال، الذي اشتهر بنحت النافورة الضخمة التي نصبت تحت برج إيفل لمعرض باريس العالمي، وبطلب من رئيس البلدية يومها أوبري سنة 1896، فانتهى النحات من صنع التمثال في النصف الأول من سنة 1898، وعرضه في معرض باريس العالمي في نفس العام، قبل أن يبعثه إلى مدينة سطيف.
ووضع هذا التمثال في هذا الموقع بالذات، كأنه تحد للدين بجميع شرائعه السماوية: اليهودية والنصرانية والإسلامية، وليس مجرد تحفة فنية تزين بها المدينة في ذلك الوقت. ثم إن الموقف من هذا المعلم التاريخي الاستعماري، كان ينبغي أن يكون وفق الموقف المبدئي من الاستعمار ومخلفاته السيئة السياسية والإجتماعية والأخلاقية…، فكم من تمثال ترك بعد فرنسا واستبدل بما هو خير منه؟ تم ذلك في الكثير من المدن الجزائرية؛ لأن الثقافة الغربية عموما والثقافة الفرنسية خصوصا، ثقافة التماثيل ونجمة داوود، ويمكن لكل أحد أن يتأكد من ذلك بملاحظة مداخل العمارات التي بنتها فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، والأماكن العمومية كالساحات والجنائن العامة وغيرها…، تخليدا لرجالهم ونسائهم وقياداتهم العسكرية والسياسية والثقافية والدينية، وإلى عهد قريب جدا كانت هناك صورة لشجرة بالألوان في مدخل مسجد كتشاوة في الجانب الأيمن لباب المسجد الأيمن، وعلى يسار الداخل للمسجد، ومن يدقق النظر يكتشف بداخل الجرة “إسم القديس بول SP Saint Paul. فلماذا هذا التمثال بالذات تكون له هذه القداسة دون غيره؟ بحيث يلحق بالهوية الوطنية..!!، وإذا كانت هناك مرجحات لهذا التمثال دون غيره، فما هي هذه المرجحات؟ أهي المرأة العارية؟ أم هي العين الباردة في الصيف والدافئة في الشتاء ببركة هذه “المادام” الماثلة للأعين عارية كما خلقها نحاتها؟ ثم أي ذوق في وجود تمثال لامرأة عارية في وسط المدينة..؟ اللهم لا ذوق لهذا المشهد إلا العادة التي اعتادها الناس فاعتبروه لازمة لا محيد عنها..، كما اعتبرتها السلطة معلما ثقافيا تصرف عليه الملايير وتجلب له النحاتين العالميين ليحافظوا عليه من بداوة العرب والمسلمين !!، وبهذه المناسبة أرجو من أهل الإختصاص من الباحثين في الفنون الجميلة، أن يكشفوا لنا عن هذه المرأة من هي؟ وما مكانتها في قومها؟
ومع كل هذا لا أرى أن هذا الموضوع والكلام فيه من الأولويات لاسيما في هذا الظرف بالذات الذي لا يأمن فيه الواحد منا على نفسه ولا على بلاده ولا على مستقبلها، ولكن واقعنا البائس يجرنا أحيانا إلى الكلام في شيء قد لا يكون له معنى.. فاعذروني إذا شعرتم من كلامي أنني أخالف معتقدي
فلله الأمر من قبل ومن بعد