لن نحكم على مواقف فرانسوا المترشح حتى نرى أفعال هولاند الرئيس
لماذا صار الجزائريون يعزفون عن تاريخهم، وما هي أسباب هذا النفور؟ وهل صعود اليسار إلى سدة الحكم في فرنسا سيشكل عامل تصحيح لما كسرته يد اليمين التي أعملت السكاكين في جراح الذاكرة، لدرجة أن إيقاف النزيف عز على أهل الاختصاص من المؤرخين النزهاء على الضفتين الجزائرية والفرنسية؟ وهل احتفالنا بذكرى 8 ماي هذه السنة لن يشكل إسفينا آخر يغرس في نعش التاريخ الوطني الذي تسارع أجيال الاستقلال إلى دفنه وهو ينبض بالحياة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه الوقائع المؤلمة في حق تاريخنا المشترك؟ في هذا الحوار، يحاول الدكتور جمال يحياوي مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الإجابة عن هذه الأسئلة القلقة من موقعه كقائم على شؤون مركز يعمل أساسا على الحفاظ على ذاكرتنا الوطنية.
نستشعر أحيانا كإعلاميين نوعا من اللامبالاة لدى العامة عند الحديث عن التاريخ الوطني، برأيكم لماذا تكرس هذا الشعور لدى شرائح من الجزائريين..، ما هي العوامل التي أدت إلى هذا الشعور إزاء الاهتمام بالتاريخ ؟
هناك عدة أسباب موضوعية برأيي لعل من أهمها: أولا طريقة معالجة الأحداث التاريخية، التي تتم في الغالب بطريقة سطحية. ثانيا، الابتعاد عن أسلوب التشويق والإقناع. ثالثا، تدخل غير المختصين في المجال التاريخي. رابعا، عدم الدراية بالمخاطب، لأننا عندما نقدم معلومات تاريخية يجب أن نميز من هو المتلقي، فالفرق واضح بين أن نخاطب عامة الناس، أو أن نخاطب أكاديميين ومختصين من مستوى عال، وبين أن نخاطب الناشئة. ومن هنا، يجب أن نلاحظ أن هناك التاريخ العام الموجه لمختلف شرائح المجتمع، وهناك التاريخ الأكاديمي الذي يتناوله الدارسون في الجامعات، وهناك التاريخ الخاص بالبرامج الدراسية بمختلف مراحلها.
يضاف إلى العوامل والأسباب سالفة الذكر، سبب آخر هو التشخيص ومحاولة إبراز الذاتية على حساب الحقائق التاريخية، ناهيك عن التطورات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال، ووجود الكثير من الفاعلين خاصة في المرحلة الأخيرة من الكفاح ضد الاستعمار على قيد الحياة وفي مواقع قيادية مختلفة مما يجعل مساهماتهم تصطدم بالوظائف والمهام التي يشغلونها.
بعض القراءات حول هذا العزوف العام عن الاهتمام بالتاريخ تذهب إلى أن المجاهدين الذين شاركوا بعد الاستقلال في العمل العام بمختلف مستوياته، هم الذين أطلقوا رصاصة الرحمة على الصورة الناصعة للتاريخ التي كانت تحملها أجيال الاستقلال، خاصة وأن الكثير من ممارسات هؤلاء المجاهدين في مرحلة البناء الوطني لم تكن بمستوى تضحياتهم في دحر الاستعمار؟
لا يجب الخلط بين النضال السياسي والمساهمة بأي شكل من الأشكال في تحرير البلد، مع المساهمة في عملية البناء فيما بعد، ودون أن نحاول إسقاط ما قام به الوطنيون أثناء مرحلة الكفاح مع نشاطهم السياسي بعد الاستقلال لأن الظروف والرهانات تختلف .
ما أشبه اليوم بالبارحة، مثلما يقول المثل، الجزائر تحتفل هذه الأيام بذكرى 8 ماي 1945 كعادتها كل عام، ما هو جديد هذه السنة لئلا يصبح الاحتفال بهذه المناسبات مجرد مناسبات شكلية؟
هناك مستويان للإجابة عن هذا السؤال، جانب احتفالي الهدف منه إحياء الذكرى والتذكير بالحدث. أما الجانب العلمي فيتمثل في الدراسات الجديدة سواء في شكل مقالات أو رسائل جامعية تقدم حول الموضوع بناء على مادة أرشيفية جديدة خاصة وأن هناك بعض الوثائق بدأ الكشف عنها في الجهة الأخرى، يضاف إليها بعض الدراسات الجديدة المنشورة بناء على وثائق رسمية.
في السنوات الأخيرة تهافت الكثير من صناع الثورة على كل مستوياتها إلى كتابة مذكراتهم. ما الذي تضيفه المذكرات إليكم كمركز، وإلى حركية تسجيل التاريخ الوطني؟
المذكرات كفكرة بالنسبة لنا مهمة جدا لأنها عبارة عن شهادات حية من صانعي الحدث، تكمن أهميتها في تعويض الأرشيف المكتوب المفقود، لكن أهميتها تختلف من مذكرات لأخرى وهذا بحسب: أولا، موقع صاحب المذكرات من الحدث، إما كفاعل رئيسي أو مساهم من بعيد في الأحداث أو متلقي لمعلومات. ثانيا، حسب الموضوع المتناول في المذكرات، إما أن يكون ذو بعد وطني مؤسساتي، أو يتناول السيرة الذاتية لصاحب المذكرات، فالكثير من المذكرات عبارة عن سير ذاتية لأصحابها لا تلقي الضوء على الأحداث المحيطة، كما علينا التمييز بين مذكرات كتبها أصحابها نظرا لتكوينهم، ومذكرات تكفل بكتابتها إما صحفيون أو أساتذة أو حتى أفراد من العائلة نيابة عن صاحب المذكرات والفرق واضح هنا بين الأمرين.
البعض يقدم صعود فرانسوا هولاند ممثلا لليسار الفرنسي، وكأنه البلسم بالنسبة لبعض القضايا المترنحة بين الطرفين الجزائري والفرنسي وعلى رأسها مسائل الاعتراف، التعويض عن الجرائم الفرنسية بالجزائر، الأرشيف وغيرها، كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
لا يمكن أن نحكم على فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي الجديد، قبل أن نرى أفعاله لأننا تعودنا على سماع خطاب مطمئن في مجال تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر وتداعياته فيما تعلق باسترجاع الأرشيف، والاعتراف بالجرائم المرتبطة في حق الجزائريين، لكن الممارسة تثبت عكس ذلك. والتصريحات التي سبقت التغيير السياسي الأخير في فرنسا والصادرة عن المترشح هولاند، نتمنى أن يتحقق منها الكثير لاسترجاع الحق الضائع، كما أن الاطمئنان والحلم لا يكون بمثابة الشجرة التي تغطي الغابة، بمعنى هناك قضايا كثيرة عالقة في مجال الذاكرة يجب أن تعالج في إطار واضح يحافظ على مصلحة الجزائر وحق الأجيال في معرفة تاريخها لتمكينها من كل ما سلب من أرشيف مكتوب ومادي منذ 1830 وليس مرحلة الثورة فقط، إضافة إلى تسليم الخرائط المتعلقة بالتفجيرات النووية وأماكن ردم النفايات النووية، إضافة إلى الأسلحة الكيماوية التي استخدمت في منطقة وادي الناموس وآلاف الأطنان من الأرشيف المكتوب، دون أن ننسى الكشف عن قبور ورفات قادة المقاومة والثورة التحريرية الذين مازالت قبورهم مجهولة لحد الآن.
يلوم الكثير من الجزائريين على السلطات، ويحملونها مسؤولية تهاونها في وضع السلطات الفرنسية في الزاوية الحادة، بشأن كل القضايا التاريخية العالقة التي تخص البلدين. ما مدى صحة هذا المذهب؟
يجب أن نميز بين الملفات التي تدرس من طرف هيئات الدولة المختصة ومن طرف العارفين بالملفات المختلفة، وبين التناول السياسي المناسباتي، لأن هذه القضايا لا يمكن حلها إلا في الإطار المؤسساتي.