لن يطفئ نار الغضب في قلوبنا إلا إعدام قتلة أطفالنا
اختلف المشاركون في ندوة “الشروق” حول عقوبة الإعدام في الموقف من الموجة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام من التشريع الجزائري، فيما ذهبت عائلات الأطفال الضحايا وممثل جمعية العلماء المسلمين إلى ضرورة المسارعة إلى تنفيذ الإعدام في حق المتورطين، بينما دعا ممثل أمنيستي إلى إلغاء الحكم نهائيا.. أما ممثل الزوايا، فقد حث على تعديل قانون العقوبات قبل التفكير في تطبيق حكم الإعدام لضمان عدم تنفيذه بشكل خاطئ.
والد الطفل إبراهيم الذي تعرض للاغتصاب والقتل:
“سأقتص بنفسي من قتلة ولدي إذا لم يتم تنفيذ الإعدام”
أقسم والد الطفل إبراهيم، الذي تعرض للخطف والاغتصاب ثم القتل بوحشية بقسنطينة، أنه سيقتص شخصيا من قتلة ولده في حالة ألغت الجزائر تنفيذ الإعدام. وتساءل مراد حشيش، الذي لا يزال مُتأثرا بجريمة قتل فلذة كبده رغم مرور عامين على الحادثة: “الحقوقيون ومنظمات المجتمع المدني الذين يطالبون بإلغاء الإعدام أخذتهم رأفة بالمجرمين، وماذا عن الضحايا أليسوا بشرا؟ من ينادي بإلغاء الإعدام بالنسبة إلي ليس إنسانا… لو كان هناك قصاص وعقوبات رادعة في المجتمع لما تجرّأ قاتل ابني على جريمته، خاصة وأنه مسبوق قضائيا وارتكب جريمته أياما بعد استفادته من عفو رئاسي”.
وصعّد والد إبراهيم من لهجته الغاضبة: “من يطالب بإلغاء الإعدام هو شريك في جريمة قتل ولدي، وسأقاضيه أمام العدالة!!… لقد اعترف الجناة بكامل تفاصيل جريمتهم في جلسة المحاكمة من دون خجل، وكأنّ ابني إبراهيم لا يستحق الحياة… أريد محاكمة شعبية للمتهمين، وإذا رأى الشعب أنهم مظلومون سأعفو عنهم”. وختم حشيش: “إذا طبّق وُلاة أمرنا الشريعة الإسلامية فنحن وراءهم”.
والدة الضحية إبراهيم السيدة حشيش ياسمينة:
أرى صورة ولدي في ذهني يوميا قبل النوم
كانت المسافة طويلة بين قسنطينة والعاصمة حيث رافقناها لتبوح لنا السيدة حشيش ياسمينة بما كان يختلج نفسها وكانت دموعها المنهمرة أصدق تعبير عن حزنها وجرحها العميق الذي قالت إنه لم يندمل بعد رغم مرور 21 شهرا على حادثة كانت السبب في مأساة حلت بالعائلة ولحد الساعة نعيش فصولها، فالمجرمون أخذوا مني الفرحة والابتسامة ومن كان يزرعها بالبيت يوم اختطافه ويوم العثور عليه جثة هامدة يوم الثلاثاء 12 مارس 2013، ويزيد حزني عندما يخيم الليل وأضع رأسي على وسادتي، حينها يعود شريط الذكريات المؤلمة التي لن تمحو أبدا من مخيلتي، فوحيدي الغالي ابراهيم وقرة عيني المدلل لن أنساه أبدا، فهو ترك فراغا كبيرا بيننا وصورته لم تفارقنا يوما ما، إن الفراق صعبـ، لكن الأصعب أن يكون بالطريقة الوحشية التي اغتصب عذب وقتل بها، ومهما قلت ومهما عبرت عما يختلج في نفسي، فالكلمات لن تفي بذلك، ما أتمناه من أعماق قلبي هو أن تنصفنا العدالة الجزائرية التي نثق في قراراتها كثيرا، والقرار الذي سيتخذ بشأن تنفيذ عقوبة الإعدام، وحينئذ سنقول إننا استرجعنا حق ابننا الذي لم يتسن له أن ينعم بالحياة، وتضمن بذلك كل العائلات الجزائرية حق طفولتها في العيش في أمان وبسلام. “احنا ما نقدروش نسمحو في حق وليدنا الغالي” ، وكانت أيضا نفس أمنية شقيقات إبراهيم الستة.
والد الضحية هارون:
تنفيذ الإعدام في حق قتلة الأطفال مطلب شعبي
صرح والد الضحية هارون زكرياء بودايرة فيما يخص قرار إلغاء تنفيذ عقوبة الإعدام، إننا ضد إلغاء القرار بل نسعى لينفذ ومازلنا نناضل من أجل هذه القضية حتى آخر رمق في حياتنا، أنا مع إلغاء عقوبة الإعدام فيما يخص قضايا أخرى لكن التي تتعلق باختطاف واغتصاب الأطفال الأبرياء دون وجه حق فلا وألف لا. فنحن عشنا مرحلة صعبة جدا وظروفا قاسية الله أعلم بها لا أتمناها حتى لأي كان، ما أريد حقا التأكيد عليه هو أن ابني هارون مات وإبراهيم مات ومن كانوا ضحية لأفعال إجرامية وحشية مماثلة بمختلف أرجاء الوطن، ولن نستطيع إعادتهم للحياة، لكن من أجل أطفال الجزائر كلهم، فالقضية الآن هي قضية رأي عام، أطلب من السلطات والمسؤولين المعنيين وحتى من الحكومة إصدار قرار بتنفيذ العقوبة لأنها الآن “مطلب شعبي” ، وفي حالة العكس فإن ما يصدر من قرارات ستكون بلا شك مشجعة على مثل هذه الجرائم الشنيعة والدخيلة على مجتمعنا، والإعدام حسب رأيي سيساهم لا محالة في تراجع الجريمة إلى حد كبير، بحكم أن المجرم سيفكر 100 ألف مرة قبل أن يقدم على الجرم. وأي قرار صائب سيصدر سيكون لصالح الأطفال وابني هو ابن الجزائر قبل كل شيء.
والدة الضحية هارون زكرياء السيدة نظرة ڤرفي:
ابني لا زال يعيش بيننا وأشعر به في كل وقت
قالت والدة الضحية هارون، لقد فوجئت بتصريحات بعض المسؤولين كقسنطيني، وأضافت نحن كنا ننتظر حلا لقضيتنا بطريقة تسمح لنا باستعادة الثقة في عدالتنا، ومن هم في البرلمان، هم في الأصل اختيروا من الشعب لخدمة الشعب ولخدمة مصالحه، مضيفة أن إلغاء القرار ليس من مصلحتنا أبدا، أما عن ابنها البكر هارون زكرياء، فأضافت أنا فوضت أمرها لله تعالى وصابرة لقضائه وقدره، ونسيان ابني لن يكون سهلا أبدا علينا، فهو مازال يعيش بيننا بما تركه من ذكريات جميلة، هو في الجنة، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.
حسين خلدون حقوقي وعضو لجنة ترقية حقوق الإنسان:
يجب تنظيم استفتاء شعبي في بعض قضايا الإعدام
طمأن الحقوقي وعضو اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، حسين خلدون، أن الجزائر لا تسعى إلى إلغاء الإعدام، وحسبه، فالنقاش المطروح حاليا يتركز حول تطور علم الإجرام وما صاحبه من تناقضات. فحسبه، معارضو الإعدام لهم حججهم، أبرزها قولهم بوجود أخطاء قضائية قد تتسبب في إعدام شخص بريء، واستنكارهم إعدام شخص غير بالغ، وقد ردّ عليهم مؤيدو الإعدام بحجج أكثر قوة وهي أن أساليب كشف الجريمة تطورت، كما أن جرائم القتل تُعرض على محكمة الجنايات التي تتميز بطول ودقة إجراءاتها، من تحقيق معمق واستجواب للمتهم قد يستمر يوما كاملا، وبخصوص إعدام شخص غير بالغ، ففي الجزائر لا يزال الجدل قائما إلى الآن حول تحديد سن البلوغ.
ويتحدث معارضو تطبيق الإعدام حسب خلدون، عن جدل الحكم على متهم بالإعدام في قضية شارك فيها أكثر من شخص وبالتالي اعتبروه ظلما وتمييزا، ويرد المؤيدون أن العقوبة في القانون تكون شخصية وتخضع للسلطة التقديرية للقاضي، فهو يجتهد ويناقش للتوصل إلى الحكم. واعترف خلدون بابتعاد الجزائر نوعا ما عن تطبيق الشريعة الإسلامية في المحاكم، وهو ما خلف بعض التناقضات، فمحكمة الجنايات بالجزائر تتكون من قاض ومستشاريْن ومحلفيْن، الجميع يشارك في إصدار حكم الإعدام من عدمه، وهي محكمة اقتناع، بمعنى إذا اقتنع القاضي ببراءة متهم قد يخلي سبيله، والعكس إذا اقتنع بتورطه.
ولإيجاد توازن حسبه والتهوين من جدل تطبيق الإعدام من عدمه اقترح: “لمَ لا نستفتي الشعب في تطبيق الإعدام في بعض القضايا، ونتركه يقول كلمته، وهكذا يرتاح القاضي الذي كان يحتكم إلى سلطته التقديرية واجتهاده، ويرتاح أهل الضحية والمتهم.. كما يجب أن نُحدّد بدقة الجرائم التي تستلزم حكم الإعدام”.
عبد القادر باسين ممثل الزوايا:
نعارض تنفيذ الإعدام حاليا وهذه مُبرّراتنا
برّرعبد القادر باسين، ممثل عن الزوايا، معارضته تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر لاعتبارات عدّة، فحسبه الشريعة الإسلامية جاءت لسعادة البشر وحفظ الدين والنفس والمال… ولحفظ النفس من الهلاك جاءت بالقصاص (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) غير أن المولى عز وجل تحدّث أيضا عن الصلح بين المسلمين.
ومن مبررات المتحدث للتريّث في تطبيق الإعدام، أن القصاص في الشريعة الإسلامية يكون بتوفر أدلة دامغة، فهل بإمكان القاضي التأكد من القاتل من دون غموض؟ ولتطبيق الإعدام في الجزائر علينا تعديل نظام محكمة الجنايات التي يجب أن تستند أحكامها إلى أدلة دامغة…
وتحدث ممثل الزوايا عن غياب الوازع الديني لدى المتخاصمين، فكثير من الشهود قد يشهدون زورا على شخص بريء بدافع الانتقام قائلا: “لا حديث عن القصاص حتى يُعاد النظر في قانون العقوبات وفي إجراءات محكمة الجنايات”.
علي زايد ممثل جميعة العلماء المسلمين الجزائريين:
المطالبة بإلغاء الإعدام مرافعة لصالح عتاة المجرمين
قال ممثل جمعية العلماء المسلمين، علي زايد، إن المطالبة بإلغاء تنفيذ عقوبة حكم الإعدام يعد من نواقض الإسلام، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمجرمين محترفين للإجرام كالذين تركوا آباء هارون وإبراهيم وياسر وغيرهم يتعذبون بسبب فقدان فلذات كبدهم، مؤكدا أن الذي قتل النفس البشرية لا يصلح في حقه إلا تطبيق القصاص، في الوقت الذي أشار إلى حكمة الله من تشريع القصاص في حق من قتل.
واستغرب عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، علي زايد، مطالبة بعض الحقوقيين والسياسيين بإلغاء تنفيذ عقوبة الإعدام، تحت غطاء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية، متسائلا: ما الرادع لمنع جريمة القتل عندما نلغي تنفيذ عقوبة الإعدام؟ مؤكدا أنه عندما يكون المجرم على يقين أن فعلته ستؤدي به إلى نفس مصير ضحيتة سيردعه من ارتكاب الجريمة، ليضيف: “تطبيق حكم الله تعالى، قاتل النفس يقتل حفظا لحياة الآخرين، لأن الحكمة من تشريع القصاص هي حماية حياة الآخرين وليس العكس كما يدعي من ينادي بإلغاء تطبيق حكم الإعدام”.
وردا على تصريحات الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، التي قالت إن تطبيق عقوبة الإعدام سيجعل من الجزائر دولة مجرمة، قال ممثل جميعة علماء المسلمين الجزائريين، إن تصريحا كهذا يعد من نواقض الإسلام، فإن من قال بالقصاص هو خالق النفس البشرية ويعلم ما يطفئ جمرة مثل آباء هارون وإبراهيم”.
البرلماني نعمان لعور:
“المطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام يؤسسون لمنطق الجاهلية الأولى”
قال النائب البرلماني عن تكتل الجزائر الخضراء، إن الجدل القائم حول إلغاء عقوبة الإعدام وتنفيذها، له أبعاد إيديولوجية أكثر من مصلحة المجتمع، مؤكدا في نفس الوقت أن المدافعين عن المجرمين بداعي حقوق الإنسان يؤسسون لمنطق الجاهلية الأولى ويميلون إلى الإجرام.
وأوضح نعمان لعور أن تطبيق عقوبة الإعدام ضد المجرمين سيكون بمثابة علاج وقائي لحماية المجتمع من هؤلاء، لأن المجرم- حسبه- لو يعمل أنه ستطبق عليه عقوبة الحد لن يرتكب الجريمة. وبحسب المتحدث، فإن الجدل القائم حول الموضوع بين المطالبين بالغائه والمنادين بتنفيذه يكفينا أن نحله بطرح سؤال واحد فقط: هل نحن مسلمون أم لا؟ فإذا كنا مسلمين- يقول- فلنطبق حد القتل ضد من قتل نفسا، أما إذا كان المطالبون بإلغائه غير مسلمين فهنا كلام آخر.
وردا على المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام، يقول لعور النعمان، إن هؤلاء يؤسسون لمنطق الجاهلية الأولى كاقتتال القبائل بين بعضها البعض وتولد روح الانتقام، موضحا أنه “عندما نتكلم بصفتنا مسلمين ونذكر قوله تعالى ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب))، فحد الموت سيكون عبرة للآخرين”.
ممثل “أمنيستي” بالجزائر:
إذا طُبق الإعدام سيُنفّذ على الفقراء وينجو منه أصحاب المال والنفوذ
لا تزال منظمة العفو الدولية بالجزائر تُكثف جهودها لإلغاء حكم الإعدام، حيث برّر منسق الاتصال والحملات الإلكترونية بـ(أمنيستي) محديد إبراهيم معارضتهم للحكم، أن الإعدام عقوبة قاسية وغير إنسانية، خاصة وأن (أمنيستي) تدافع عن حقوق الأشخاص ومنها الحق في الحياة للجميع… واعتبر الإعدام عقوبة تمييزية بين البشر، يقول: “إذا طُبق الإعدام فعلا، فسيُسلط على الطبقة الفقيرة التي لا تملك مصاريف توكيل محام، فيما يفلت منها أصحاب النفوذ والأموال رغم جرائمهم”.
وأعطى محديد مثالا عما يتعرض له المواطنون السّود في أمريكا من تمييز وتفرقة حتى في المحاكم. واعتبر ممثل منظمة العفو الدولية بأنه إلى اليوم لم يُثبت أن الدول التي طبقت الإعدام قضت على الجريمة بل بالعكس: “نحن نطالب باستبدال الإعدام بعقوبة السجن مدى الحياة، ومعارضتنا لهذا الحكم لا تمنعنا من التضامن مع ضحايا القتل ومراعاة مشاعرهم، وعدم التهوين من بشاعة الجرائم المرتكبة في حقهم”. وأضاف محديد: “ومن يجزم لنا بأن كل الجزائريين مع تنفيذ الإعدام؟ ففي ظل غياب إحصائيات رسمية نؤكد أن كثيرين يعارضون هذا الحكم، وما دام الإعدام مُجمدا منذ 1993 فلنلغه أحسن”..