لن يعودوا مادمنا رجالا!
لا أدري لماذا تـُصدر الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) تقريرا تقول أو تزعم أو تكشف فيه إن “الجزائر بلد فرانكفوني وإن 20 بالمائة من الجزائريين، أي نحو 8 ملايين جزائري يتكلمون “فرنسي””!
هذه الحكاية قديمة، فقد أراد مسؤولون فرنسيون، التسويق لما سموه “الدور الإيجابي للمستعمر في الجزائر”(..)، وربما من بين أطوار هذا الدور، تعليم شرائح واسعة من الجزائريين، خلال 132 سنة من الاحتلال والاستيطان، اللغة الفرنسية، بالقوّة والاضطرار وليس بالاختيار!
من الطبيعي أن يتعلم آلاف الجزائريين الفرنسية في ذلك الزمن الأغبر، من أجل التعلم وفهم الوثائق الإدارية آنذاك، وحتى التخاطب مع الفرنسيين الذين دخلوا محتلين مستوطنين ناهبين للأرض مغتصبين للعرض!
حتى وإن تكلم 8 ملايين جزائري “فرنسي”، فإن لسانهم يبقى إلى أبد الآبدين عربيا فصيحا، وما على برلمان “فافا” سوى العودة إلى آلاف المغتربين الجزائريين، الذي يقيمون منذ سنوات طويلة فوق الأراضي الفرنسية، وهناك يعملون وهناك تزوّجوا وولدوا وأدخلوا أبناءهم وبناتهم المدارس، لكنهم لا يزالون إلى اليوم يتكلمون “عربي”!
تكلم أو إتقان لغة ما، لا يعني بأيّ حال من الأحوال تجاهل ونسيان وتناسي وردم اللغة الأمّ، وأعتقد أن أصل وفصل الجزائريين أكبر من أن تدفنه لغة فرضها المستعمر عليهم، أو أجبرتهم عليها العولمة أو التكنولوجيا أو “النظام العالمي الجديد” الذي فرض لغة التعامل مثلما فرض نظامه!
لم تعد الفرنسية لغة عالمية، أمام زحف واتساع انتشار الإنجليزية، التي فرضت نفسها في كلّ بقاع العالم، والمسافر للبلدان الغربية البعيدة، وحتى إلى القارات الأخرى التي لا علاقة لها بأوروبا وأمريكا، يقف على حقيقة وواقع “تراجع” الفرنسية ويكاد يكون لا فرق بينها وبين العربية في تلك المناطق التي لا تتكلم ولا تفهم سوى الإنجليزي!
العشرون بالمائة التي أحصاها تقرير الجمعية الوطنية الفرنسية، هم جزائريون في الأول والأخير، وليسوا فرنسيين، مثلما يحلو للتقرير محاولة التلميح إليه بطريقة ماكرة وساقطة في نهر السين الذي ما يزال شاهدا على الجريمة المرتكبة في حق الجزائريين هناك!
محاولات “الاستعمار الجديد” التي جاءت على أنقاض مساعي الاستعمار التقليدي نهب ثروات الشعوب ومسخ ونسخ وفسخ أصالتها وضرب دينها ولغتها وعمقها التاريخي وموروثها الحضاري، تبقى قائمة، لكنها مفضوحة، ولا يُمكنها أن تنجح، طالما أن ذاك الشبل من ذاك الأسد، وصدق الفاتح صلاح الدين الأيوبي عندما خاطب الفرنجة في القدس: لن تعودوا ما دمنا رجالا!