لن يفرق بيننا خاليلوزيتش
كغيره من المدربين السابقين واللاحقين، سيرحل مدرب المنتخب الجزائري، وحيد خاليلوزيتش بعد المونديال، ويرحل بعده خليفته الفرنسي، كريستيان ڤوركوف، ويأتي ويرحل غيرهما وتبقى الجزائر ومنتخبها دائما، وتستمر الحياة بأفراحها وأحزانها وخيباتها، ويبقى الحكم للتاريخ وللأجيال على أداء كل واحد، بغض النظر عن اختلافنا في تقييم أداء هذا أو ذاك، وبغض النظر عن النوايا الحسنة من السيئة التي يتميز بها كل متابع للشأن الكروي في الجزائر، الذي يبقى مثيرا للاهتمام بحكم تعلق أبنائنا بالكرة، والاهتمام المتزايد لمختلف وسائل الإعلام بالمنتخب أكثر من كل اهتمام بالانشغالات الأخرى ..
صحيح أن الرجل كان مثيرا للجدل وصنع الحدث على مدى ثلاث سنوات في الأوساط الإعلامية والفنية، وصحيح أنه أخطأ وأصاب مثلما توقعنا جميعا طيلة مشواره مع الخضر، وقد يخطئ ويصيب في المونديال المقبل، ويختلف الناس بشأن تقييم خياراته، ولكن لا أحد بإمكانه أن يشكك في قدراته وقوة شخصيته التي فرضها على اللاعبين والإعلاميين وكل المحيطين، وجعلته يصمد أمام كل الهزات التي اعترضته رفقة لاعبيه رغم إخفاقه في بداية مشواره مع الخضر في نهائيات كأس أمم إفريقيا سنة 2013.
ومهما اختلفنا في الحكم على المدرب وتقييم عمله، فإننا نتفق جميعا على أن الرجل كان متميزا ومختلفا عن غيره من المدربين، ونتفق على أن الكرة الجزائرية لا تزال مريضة بلاعبيها ومدربيها ومسيريها وفي الكثير من جوانبها، ومريضة أيضا ببعض إعلامييها الذين لا تخلوا تحاليلهم وتقاريرهم من الذاتية والأحكام القاسية، وحتى جهلهم بشؤون الكرة ومتطلبات الإشراف على منتخب بحجم الجزائر، تعرض للكثير من الضغوطات الإعلامية والجماهيرية وحتى الرسمية التي لا تزال تعتبر الكرة وسيلة للإلهاء وليس للترويح عن النفس وتسعى لاستغلال النجاحات الكروية لتمرير مشاريعها وامتصاص الغضب واليأس والتذمر الشعبي .
أزمة الكرة عندنا ليست في مدرب المنتخب الوطني سواء كان محليا أو أجنبيا لأنه يتغير كل مرة، وليست في اللاعب المحلي أو القادم من خلف البحار لأنهم ينتمون إلى الوطن نفسه ومن حقهم حمل الألوان الوطنية، لكن الأمر يكمن في أزمة أخلاقية وفنية وفكرية يتخبط فيها بعض المسيرين والمحللين والإعلاميين الذين لم يتخلصوا من أنانيتهم ولم يقدروا على التجاوب مع متطلبات الكرة الحديثة وحاجياتها التي تقتضي التكيف مع أنماط التسيير والتدريب الحالية، وتسيطر على كتاباتهم وتعاليقهم لغة حاقدة وجاحدة، تقتضي منهم التوجه نحو المزيد من المهنية في ممارسة الصحافة الرياضية في ظل تزايد الصحف والقنوات والاهتمام الجماهيري..
من جهتها، جماهير الكرة التي تحركها المشاعر والأحاسيس، بدت أكثر تفهما وتجاوبا في تعاملها مع المنتخب والمدرب وصارت أكثر وعيا ونضجا، ولم تفرقها الانتقادات التي تعرض لها مدرب المنتخب الوطني، وكل محاولات التشكيك في قدرته وعناصره على قيادة الجزائر إلى تسجيل هدف في نهائيات كأس العالم لم نسجله منذ 28 سنة، وتحقيق فوز لم نحققه في النهائيات منذ 32 سنة، والتأهل إلى الدور الثاني لأول مرة في التاريخ بعد أربع مشاركات في النهائيات !!
عوامل الفرقة والاختلاف بيننا تزايدت في الفترة الأخيرة، ولكن لم يكن خاليلوزيتش ولن يكون عاملا آخر من عوامل التفرقة بين الجزائريين، لأن الكرة مجرد لعبة، والجزائر ليست البرازيل ولا الأرجنتين ولا ألمانيا أو إسبانيا في كرة القدم، بل هي مجرد رقم من أرقام منتخبات ستشارك في المونديال لتأكيد الحضور في محفل كبير وكله أمل في أن لا يخيب ولا يكون رديئا ..