لن يكفينا الربيع.. بل كل الفصول!
الحديث عما سمي بالربيع العربي وتداعياته لم يعد موضة في عالمنا كما كان، ولم يعد غاية الكثير من الشعوب العربية بسبب المتاعب التي خلفها والمشاكل التي لاتزال تتخبط فيها، وخوف شعوب أخرى من المغامرة، وقدرة حكومات على تخويف شعوبها وامتصاص غضبها ولو بمسكنات ظرفية.. أما شعبنا فرغم عدم رضاه وغضبه واحتجاجات بعض أطيافه على متاعب وصعوبات وآفات وسياسات، إلا أنه كان أكبر من أن يغامر بمصيره في أحد الفصول إدراكا منه بأن فصلا واحدا من فصول السنة حتى ولو كان الربيع بخصوصياته ومميزاته وجماله لن يكفي لتغيير الأحوال وتجديد النفس وإصلاح المؤسسات وتصحيح الاختلالات وتفويت الفرصة على الفاشلين والمغامرين على حد سواء رغم قدرته على تقرير مصيره في أي وقت وتكذيب ما يشاع ويقال عنه بأنه شعب متردد يخاف التغيير والمغامرة وتكرار التجارب الفاشلة..
شعبنا الذي عانى الويلات واع وصبور ووفي للرجال والمؤسسات رغم تقصيرهم وفشل بعضهم، وفي للوطن بكل مفارقاته وتناقضاته، وشعبنا لن يكفيه ربيع حار وجاف، مدمر وقاتل يأتي على الأخضر واليابس، بل يدرك بأنه في حاجة إلى كل فصول السنة، وفي حاجة إلى كل وقت ليقيم ويخطط ويقرر ويعمل، ويجدد ويصحح ويغير إذا اقتضت الضرورة دون حقد وكراهية أو انتقام..
إذا كانت التحولات تقاس بالفصول فإننا بحاجة إلى أن نتوقف في فصل الصيف لتقييم المشوار الذي قطعناه والخيارات وكل الخطوات التي انتهجناها على مدى خمسين عاما بعد أن نعطي الوقت للوقت ونحكم على من منحناهم ثقتنا وقلوبنا وعقولنا، ونستعيد كل التجارب التي خضناها إيديولوجيا واقتصاديا وثقافيا ورياضيا فنحافظ على الإيجابيات ونتجاوز السلبيات، ونقلب الصفحة دون تمزيقها..
عند حلول فصل الشتاء نكون قد قررنا قلب الصفحة دون حقد وكراهية وانتقام، ونكون قد اخترنا مشروع المجتمع الذي نريد والرجال الذين يجسدونه، ونخطط لجزائر 2050 وليس لجزائر 2014 بشرط أن يكون الاختيار ديمقراطيا وشعبيا ومؤسساتيا وليس فرديا ومزاجيا كما حدث عديد المرات..
شعبنا سيكون بحاجة إلى الخريف ليستجمع قواه وإمكانياته ويحشد الكفاءات ويستثمر في كل القدرات والطاقات الطبيعية والمادية والبشرية الكثيرة التي تتوفر عليها الجزائر لكي ينطلق مجددا، وسنكون بحاجة لتجاوز الظلم والإقصاء الذي يعاني منه الكثير من الجزائريين في كل المواقع ..
أما عندما يحل الربيع فلن يبدأ الجزائريون من الصفر ولن يتنكروا للرجال ولكل الذي تحقق، ولن يخوض الشعب ثورة ضد وطنه وأبنائه ومكتسباته بالمفهوم السائد اليوم لأن ثورته التي تمتد جذورها في التاريخ لم تتوقف أصلا حتى تبدأ، وخاضها ضد الاستعمار بكل أشكاله ويخوضها اليوم ضد الاستعباد والجهل والتخلف والنهب والظلم والجهوية والأحادية وكل أشكال الدكتاتورية..
ربيعنا عندئذ لن يكون فصلا منعزلا عن كل الفصول يحطم فيه أمل جيل واعد، ولن يكون موضة أو تقليدا وتكرارا لتجارب الآخرين، وسنكون بحاجة إلى العمل والتصحيح كل يوم وكل فصل وعام وإلى الأبد، ولن ننتقم فيه من أحد أو نحقد على أي كان مهما كان لأن الجزائر أكبر منا جميعا وشعبنا الذي عاش المحن والصعاب وعانى الويلات لن يكرر التجارب الفاشلة حتى ولو انتظر طويلا لأنه حفظ الدروس جيدا وأدرك بأن الوطن أولى وأهم ..