جواهر

لهجتنا بين الأصيلات والمتمشرقات

أماني أريس
  • 8132
  • 7
ح.م

في أمسية رمضانية من العام الفارط، استوقفني برنامج إفتائي عبر إحدى الفضائيات العربية، وكانت أغلب الاتصالات بالمفتي من النساء، اتصلت إحدى السيدات من الجزائر، فإذا به يبتسم اِبتسامة غريبة، تساءلت في نفسي، لماذا ابتسم هذا الشيخ؟ وبمجرد أن بدأت المتّصلة في الكلام أدركت السّبب وإذا عرف السّبب، بطل العجب كما يقال.

كانت تسرد عليه تفاصيل قضيتها بلهجة جزائرية؛ تخلط معها اللبنانية والسورية والمصرية، وتنطقها بلكنة بيئتها، وكان الشيخ يجد صعوبة في فهمها فيطلب منها أن تعيد الكلام بروية، ويساعدها بترديد ما فهمه من كلامها باللغة العربية قبل أن يقاطعها شاكرا إياها على الاتصال، مطمئنا إياها بأنه سيجيبها على سؤالها. فهمت حينها أن الشيخ له تاريخ من المعاناة مع المتصلين من الجزائر بسبب اللغة!

عقدة اللسان الجزائري أمام إخواننا المشارقة مشكلة شهيرة، وقلّما نجد جزائريا يتحدث بلهجته دون عقدة، عدى ذلك معظمهم يضطر إلى تغيير لهجته، وإلاّ يخاطبهم بعربية فصيحة أو بالدّارجة المتفصّحة. حتى يسهل عليهم فهمه. على عكسهم تماما يخاطبوننا بلهجاتهم دون أدنى شك منهم في إمكانية فهمنا. 

هذه العقدة التي لازمتنا اِتجاه المشارقة منطلقها أن لهجتنا غير عربية؛ وهذه حقيقة، فهي عبارة عن مزيج من العربية والأمازيغية والفرنسية المعرّبة وحتى التركية والإسبانية. ورغم هذا لا أرى عيبا في أن نتحدث بها ونسوّقها لغيرنا، لأن السّبب في عدم فهمهم لنا لا يكمن في هجونتها بقدر ما يكمن في قلّة انفتاحهم علينا، وهذا راجع لضعف دور الإعلام والفن والسياحة.. في إيصالها وتعويدهم عليها، بينما نجح إعلامهم وفنّهن وسياحتهم بالمقابل في فرض نفوذ لهجاتهم رغم هجونتها هي الأخرى.

المؤسف أنه في الوقت الذي اِستغلت فيه نساؤنا الواعيات والشابات منهنّ خاصة طفرة التكنولوجيا لاستدراك ما عجزت عنه سياستنا وإعلامنا وفنّنا، ورفعن شعارات الولاء للهجة الجزائرية، وعقدن عزم الترويج لثقافتنا بزخم فولكلورها المادي واللامادي ليس للعرب فحسب بل للعالم، حوّلت أخريات وجهتهن نحو المسلسلات السورية والتركية والمترجمة باللهجات الشامية والخليجية، وكذا مواقع التواصل الاجتماعي يحيكون منها صنوف العباءات لشخصياتهن الهشّة، بداية من اللّهجة إلى اللباس، إلى تفاصيل أخرى، حتى أصبحت ظاهرة تستعرض حالها سافرة غير متدثرة بحياء من نبذ الذات والنظرة الدونية لثقافتهن، حيث تجدهن يتخاطبن مع عرب المشرق بلهجاتهم فلا تكاد تعرف أنهن جزائريات.

وقبل أن أضع نقطة الختام وددت استحضار قصة جزائرية أصيلة عساها تكون قدوة لسالفات الذكر من المتمشرقات، رآها أحد الشباب الخليجيين استعملت كلمة “بزّاف” في صفحة حوارية فقال لها:  ” لهجتكم غير مفهومة لأنكم تتحدثون الفرنسية أو ما أدري إيش” فردّت عليه: ” إن كان كلامك عن “بزّاف” فهي كلمة عربية أصلها بجُزاف وتم إدغام حرف الجيم في حرف الزّاي، وهذا ديدن العرب يدغمون الحروف التي يستثقلون نطقها متوالية، فأصبحت بزّاف.. الآن أخبرني أنت ما أصل كلمة “وايد” التي أظنها تحمل نفس المعنى!؟.

مقالات ذات صلة