الجزائر
"الشروق" تستنطق مقربين ومجاهدين وسفراء سابقين في ذكرى وفاته:

لهذا بكى بومدين.. تفاصيل “إشاعة” تسميمه وهذه “أملاكه”

الشروق أونلاين
  • 58284
  • 0
الأرشيف

على الرغم من مرور 38 سنة على وفاة ثاني رئيس للجزائر المستقلة، إلا أن الرجل لا زال حاضرا معنا فكرا وروحا، ولا زال “الموستاش” هو المثل الأعلى للجزائريين بالنظر إلى أهمية المرحلة التاريخية التي برز فيها نجم بومدين، سواء خلال الثورة التحريرية حين تمكن من توحيد صفوف المجاهدين وإعادة تنظيم الجيش، أو بعد الاستقلال خاصة بعد سنة 1965، حيث شرع في التّأسيس لدولة لا تزول بزوال الرجال، وفي هذه المناسبة تفتح الشّروق صفحاتها للمقربين من الرئيس الراحل بومدين، والذين عايشوه خلال الثورة التّحريرية أو أثناء مرحلة حكمه بغية إبراز جوانب جديدة في حياة واحد من أهم زعماء العالم في النصف الثاني من القرن العشرين.

العلبة السوداء للرئيس بومدين ورئيس تشريفاته خليوياتي رشيد:

رافقت بومدين 13 سنة ولم أره يهين أحدا أمامي

لازم الرئيس الراحل هواري بومدين 13 سنة ورافقه في جميع تنقلاته، كان يرتب لخرجاته ولقاءاته واجتماعاته وحتى لعطلته واستراحته، طار معه إلى مختلف عواصم العالم، عاش معه الحلو والمر وكان شاهدا على غضبه وهزله وبكائه، صاحبه كظله في حله وترحاله..، إنه المكلف بتشريفات الرئيس هواري بومدين وعلبته السوداء المجاهد والضابط السابق خليوياتي رشيد، الذي استقبلنا في بيته ليعود بنا 40 سنة للوراء ويحكي لنا عن الجوانب الاجتماعية والإنسانية المخفية للرئيس، وبالرغم من كبر سنه ومرضه وضبابية ذاكرته غير أنه كشف لنا بعض الجوانب المنيرة والنادرة التي ميزت الرئيس الراحل عن بقية الرؤساء وجعلت منه رمزا خالدا ورئيسا أتعب من بعده الرؤساء..

“كان أب ..أخ وصديق الجميع، لم يغلق بابه في وجه أحد، يصغي للضعيف ويأخذ الحق من القوي وينصف المظلوم، كذّب من قال عنه ديكتاتور، كان يسمع للآخرين ويستشيرهم، له عيون الصقر ووقفة الأسد، كان سريع الغضب وسريع الرضا، يضرب بيد ويحن بالأخرى، يحب الحديث إلى الناس يشعر بآلامهم وآمالهم، يحاسب دون أن يظلم، يجازي ويعاقب دون تشهير ولا تنكيل، حبه للجزائر أنساه نفسه وعائلته .. مات ولم يترك دارا ولا دينارا.. بهذه العبارات استرجع السيد خليوياتي رشيد ذكرياته مع الرئيس الراحل هواري بومدين مؤكدا أنه أعظم شخص صادفه على الإطلاق، فتأثره به لم ينقطع إلى اليوم، حيث تملأ صوره مع الرئيس جميع أركان بيته، أكد لنا أن علاقته مع الرئيس بدأت أيام الثورة التحريرية حيث عرفه في صفوف الكفاح وشاركه الجهاد والنضال، وبعد الاستقلال تم تعيينه ضابطا في الجيش الشعبي الوطني ليستدعى رسميا بعد التصحيح الثوري ليتولى مهام الإشراف على تشريفات الرئيس الراحل، وهي المهمة التي لم تكن حسبه سهلة أبدا خاصة وأن الأمر يتعلق برجل يدعى هواري بومدين الذي كان يتميز بشخصيته القوية التي تزيد من حدتها نظراته الثاقبة وابتسامته العريضة..

لم يهن مسؤولا في حياته أمام الناس

أكد محدثنا أن علاقة الرئيس الراحل هواري بومدين بالمسؤولين كانت صعبة ومعقدة للغاية، حيث كان لا يقبل أبدا التهاون والتسيب في أداء الواجبات والقيام بالمسؤوليات على أكمل وجه، وكان دائم التقييم لأداء المسؤولين بداية من الوزير وإلى غاية “المير”، لا يسمح بالخطأ مهما كان بسيطا ويشجع على الإتقان والنجاح، “وبالرغم من كل هذا لم يوبخ أبدا أي مسؤول أمام الناس، فقد كان يكره التشهير بأخطاء الآخرين وكان يردد كثيرا هذا البيت الشعري “جراحات السنان لها التآم ولا يلتئم ما جرح اللسان..” كان يستدعي المسؤولين إلى مكتبه الخاص ويحاسبهم، يشكر من أحسن ويعاقب من قصّر، كان يعطي الصلاحيات الكاملة لمن عينهم في مناصب المسؤولية غير أنه كان يتلقى تقارير مفصلة عن أدائهم، فخدمة المواطن كانت المعيار الوحيد لنجاح أي مسؤول مهما كانت مرتبته.

لم يعين أحدا من عائلته وأقاربه في منصب مسؤولية

“كان الرئيس أرفع عن الشبهات في تقليد المناصب وتوزيع المسؤوليات، فلم يسجل له التاريخ أنه عين أحدا من عائلته وأقاربه في أي منصب مسؤولية مهما كان بسيطا، رغم أن إخوته كثر وأقاربه بالمئات، حيث كان شعاره الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع، كان يكره الوساطة في كل شيء ومعياره الوحيد هو الكفاءة والتفاني في أداء الواجب، كان يقدس الوقت ويحسب للثانية قيمتها، لم يتدخل في ترقية أخيه في الخطوط الجوية الجزائرية، ولم يرفع رتبة أخيه في الجيش، مات أبوه وهو يعالج إلى جنب البسطاء في مستشفى “مايو” بالعاصمة، عائلته كانت تملك مسكنا هشا بسيطا في الريف كان يفتقد حتى لغرفة تجمع الضيوف حيث اضطر المسؤولون ممن حضروا جنازة والده إلى الجلوس في العراء..

 لا يعرف السياقة ولم تكن له سيارة ولا بيت

كشف لنا السيد خليوياتي رشيد أن الرئيس الراحل هواري بومدين لم يكن يتقن السياقة ولم تكن له سيارة خاصة، وهذا بسبب كثرة التزاماته من جهة وزهده من جهة أخرى، حيث توفي ولم يترك لعائلته منزلا باسمه وحتى رصيده في البنك لم يكن يتجاوز 6000 دج، “وهذا ما يجعله أفقر الرؤساء على الإطلاق، لأنه لم يكن يخطط لصناعة مجده وخدمة مصالحه، وهذا ما جعل الكثير من أصدقائه وأقاربه يلومونه على ذلك”، كان يكره الجهوية والتفرقة بين المواطنين بسبب لهجتهم وانتماءاتهم، همه الوحيد هو الجزائر، لم يكن يبحث عن الشهرة والخلود يقبل الانتقاد ويقاطع الطعام ليحس بالفقير والجائع..”.

مجلس وزراء في كل ولاية

عاد بنا السيد خليوياتي إلى خرجات الرئيس الميدانية في الولايات، حيث كان يطلب تقريرا مفصلا عن واقع التنمية في الولاية التي يرغب بزيارتها، ويصطحب معه جميع الوزراء، لم يكن بروتوكوليا في تنقلاته في أرجاء الولاية، كان يحب السير بحرية ليتكلم مع الناس ويستمع الى انشغالاتهم ومطالبهم، كان يسجل كل كبيرة وصغيرة، يسمع للكبير والصغير، يتفقد المناطق المعزولة، ويمشي إلى حيث تقوده عيناه، وفي نهاية الزيارة كان يعقد مجلسا وزاريا في الولاية ليتحدث كل وزير عن واقع ومشاريع الولاية في قطاعه وبعدها يسجل تقريرا عن واجبات كل وزير حيث يكون التقرير مربوطا بمدة زمنية معلومة ليحاسب كل وزير على واجباته إزاء المواطنين، كان يحب السماع للمواطنين ويأخذ باقتراحاتهم.

هكذا اكتشف الرئيس عمر الزاهي

بعيدا عن السياسة كان الرئيس الراحل هواري بومدين يعشق الفن بمختلف طبوعه خاصة الطابع الشعبي، حيث أكد محدثنا أن الرئيس طالب بتنظيم سهرات شعبية طيلة رمضان، وكان يحضرها شخصيا نهاية الأسبوع لتشجيع الفنانين على الظهور والتميز، ومن الفنانين الذين شاركوا في هذه التظاهرة الفنان المرحوم عمر الزاهي الذي كان حينها شابا صغيرا ولم يكن معروفا لدى العوام، وأعجب الرئيس كثيرا بصوته وألحانه وتنبأ له بمستقبل كبير حيث أكرمه وشجعه رفقة عديد الفنانين الذين تم اكتشافهم في الليالي الرمضانية التي أمر الرئيس بتنظيمها.

بكى كالأطفال على الصحفيين ضحايا تحطّم طائرة الفيتنام

“لم أر في حياتي الرئيس بومدين يبكي بمرارة ودون توقف على الصحفيين ضحايا تحطم الطائرة التي كانت ترافقه في رحلته إلى الفيتنام سنة 1974، حيث لقي 15 صحفيا حتفهم بسبب تحطم الطائرة في مدينة هانوي، إذ اعتبر نفسه مسؤولا بطريقة غير مباشرة على وفاتهم باعتبارهم كانوا في مهمة مهنية لتغطية زيارة الرئيس للفيتنام وتأثر كثيرا ودخل في دوامة من الحزن والألم والحسرة، وكأن الذين ماتوا كانوا أولاده، فلم يبك الرئيس في حياته قط مثلما بكى على الصحفيين الذين لم ينسهم أبدا حتى وفاته حيث كان يتحدث عنهم ويدعو لهم ويتعصر ألما عند تذكرهم. فقد كان يبكي كالأطفال من شدة تأثره بالطريقة التي ماتوا بها”.

 كان يحب الفلاحين ويقبّل أيديهم

“كان الرئيس الراحل يرى في الفلاحين مستقبل الجزائر ومصدر أمانها واستقرارها، كان يستمتع بالحديث إليهم ويصغي لهم باهتمام، كان يبحث عنهم في خرجاته، يداعبهم، يدردش معهم ويمازحهم، كان يقبّل أيديهم وجباههم، كان يغرس فيهم فكرة التحدي من أجل تحقيق الأمن الغذائي مؤكدا لهم في كل مناسبة أن الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال الاقتصادي والغذائي وهذا ما يجعله يطلق عديد المشاريع الفلاحية على غرار الثورة الزراعية، كما أطلق العبارة الشهيرة الأرض لمن يخدمها…”.

 “المسفوف” طبقه المفضل

“لا أعرف أحدا يحب أكل الأطباق التقليدية مثل الرئيس الراحل هواري بومدين، حيث كان يشترط في زيارته الميدانية الطبق التقليدي الخاص بكل ولاية ومنطقة، وكان يطلب من طباخه الخاص الأطباق التقليدية في مقدمتها “المسفوف” الذي كان يعشقه كثيرا ويكثر من تناوله خاصة مع زيت الزيتون وأحيانا اللبن، كان يكره المأكولات السريعة والمشبعة بالزيوت، فالوجبات التقليدية الغنية بالخضراوات والحبوب كانت تبقيه نشيطا وقويا طوال الوقت.

 كذّب من قال عنه ديكتاتور

“من لا يعرفك يظلمك، كثيرا ما كنت أسمع عن الرئيس أنه كان ديكتاتورا ومتعصبا لرأيه وهذا كذب وبهتان، وأنا أشهد للتاريخ من هذا المقام أن الرئيس كان أبعد الناس عن الديكتاتورية والتفرد بالرأي وأنا شاهد على الكثير من القرارات التي اتخذها ثم تراجع عنها بعد مشاورته للمقربين منه من المسؤولين والأصدقاء، فلم يكن يجد حرجا في الاستماع إلى آراء الناس واقتراحاتهم مهما كانت طبيعة مناصبهم، فالمهم حسب الرئيس هو فعل الصواب بغض النظر عن صاحب الفكرة والاقتراح”.

 قصة “البرنوس” وحنيّة الرئيس 

“في إحدى الليالي الباردة كلفني الرئيس الراحل باستقبال الرئيس الليبي معمر القذافي في وادي سوف، وكنت حينها ارتدي معطفا رقيقا فنزع “برنوسه” وألبسني إياه بنفسه ورفض بعدها استرجاعه وأهداني إياه لتكون هذه الهدية أغلى ما قدم لي في حياتي ولازلت إلى اليوم أشم رائحة الرئيس وأشعر به كلما ارتديته، فهذه الحادثة تدل على إنسانية الرئيس وحنيته على من هم حوله فلم يكن متكبرا ولا جبارا ولا متميزا بل كان يعاملنا كالأبناء والإخوة.

 

الرئيس الأسبق للجبهة البومديينية محمد سعدي لـ”الشروق”:

محاولة زبيري الانقلاب على بومدين فتحت المجال لضباط فرنسا

يؤكد الأستاذ محمد سعدي، الرئيس الأسبق لحزب الجبهة البومديينية، في هذا الحوار الذي خص به “الشروق” بأن عديد الأطراف تسعى إلى الإساءة لتاريخ ومسار الرئيس الراحل هواري بومدين، مؤكدا بأن دوره الفعال لا يقبل الجدل، سواء أثناء الثورة أو بعد الاستقلال، وقال محمد سعدي بأن بومدين بريء من التهم التي لا تزال لصيقة به، وفي مقدمة ذلك ملف الاغتيالات، وقضية ضباط فرنسا، وغيرها من المسائل التي لا تزال تصنع الجدل. 

بداية، لماذا يطلقون عليك اسم محمد سعدي البومدييني؟

أول من أطلق علي هذا الاسم هو الأخ خالد عمر بن ققه، يعد من إطارات الحزب، وهو الآن إعلامي في الإمارات العربية، وأصبح متداولا عند الجميع، باعتباري أول من بادر إلى إخراج بومدين من الحظر الذي كان مضروبا عليه من يوم وفاته إلى يوم تأسيس الجبهة البومديينية، وأتذكر أنه بعد تأسيس الحزب مباشرة، باشر اتحاد الشبيبة إلى إحياء أول ذكرى لوفاة بومدين في مدينة سطيف.

38 سنة تمر على وفاة بومدين، لكن صداه لا يزال يصنع الحدث، ما تعليقك؟

الشعب الجزائري شعب وفي، ولا يتنكر لرجالاته المخلصين، وهذا ما حدث مع بومدين، فالشعب الجزائري عايش مرحلته وعرف إخلاصه له، وكيف ضحى بكل شيء من أجله، فظل محتفظا بذكراه في اللاشعور الجماعي، وبمجرد تحريك الذاكرة يسترجع الشعب كل الأمجاد البومديينية، ويتفاعل معها.

كيف تقيّم مسيرة بومدين خلال فترة الثورة؟

هناك تعتيم على مرحلة بومدين الثورية، ذلكم أنه هو الذي أسس المخابرات والمواصلات السلكية واللاسلكية بمساعدة رشيد زقار، وهو الذي كان يقود بنفسه الكتائب التي كانت تنقل الأسلحة من الحدود الغربية إلى داخل الولاية الخامسة حتى جبال الونشريس بالولاية الرابعة، والأهم من كل هذا هو إعادة تشكيل وحدات جيش التحرير بعد أن فكّكت وتشردت بداية من سنة 1958، فكوّن هيئة الأركان المعروفة، وأعاد هيكلة جيش التحرير الوطني في الداخل وعلى الحدود، وسلّح الجيش تسليحا عصريا، وأصبح يهدد فرنسا بالحرب الشاملة والمفتوحة، وكان يريدها على شاكلة الحرب الفيتنامية، وهذا واضح مع بداية 1961، مما جعل ديغول يتخوف من” ديان بيان فو” ثانية، ويقرر الاعتراف بتقرير المصير، والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

هناك من يتهمه بالضلوع في اغتيال أبرز قيادات الولاية التاريخية الأولى في محاكمات مختلفة، ما رأيك؟

أولا، اغتيال عباس لغرور ومن معه، وشريط لزهر ومن معه، تم من طرف جماعة الصومام في تونس، ولم يكن وقتها بومدين في تونس، حيث استدعي من الغرب ولأول مرة سنة 1958 إلى تونس، وعين رئيسا للمحكمة التي حاكمت لعموري ومن معه، في محاكمة دامت شهرا كاملا، وبعد رفع الجلسة للمداولة والتصريح بالحكم رفض بومدين الرجوع للجلسة والنطق بحكم الإعدام، وتم إعدام لعموري ومن معه من العقداء دون صدور الحكم، ويمكن لأي مشكك أن يسأل بن عوده أو صالح قوجيل، هذا هو الشيء الوحيد الذي قام به بومدين وهي المرة الأولى والأخيرة التي استخدم فيها بومدين من جماعة الصومام.

هل نفهم من كلامك أن بومدين بريء من دم إطارات وقيادات الولاية التاريخية الأولى؟

جماعات الولاية الأولى أعدموا وشردوا بعد لقاء الصومام، وعندما استلم بومدين هيئة الأركان أعاد لهم الاعتبار، وجعل منهم سنده الأساسي، وسلم مسؤوليات حساسة أثناء حكمه، فأصبح قائد الولاية الأولى العقيد الطاهر الزبيري قائد الأركان، فاغتر واستعمل الجهوية الضيقة للاستيلاء على السلطة، وورط الجميع بدون سبب جدي يذكر.. مغامرة مجنونة عن جهل.

خلّف تولي بومدين قيادة أركان الجيش الكثير من الجدل، ما هي وجهة نظرك في هذا الجانب؟

الأب الروحي لجيش التحرير بعد كل النكبات التي حلت به بعد لقاء الصومام هو العقيد هواري بومدين، وهذا لا يختلف فيه المجاهدون الذين عاصروا الأحداث الأليمة وقتها، خاصة جنود وإطارات الولاية الأولى والقاعدة الشرقية الذين تعرضوا لكل أنواع الإهانات قبل مجيء بومدين، وفيهم من هم على قيد الحياة.

الكثير ينتقد خيار لجوئه إلى ضباط فرنسا بعد الاستقلال، ما رأيك؟

ضباط فرنسا لا علاقة إيديولوجية ولا ثقافية ولا لغاية مع بومدين، حيث تم دخولهم للثورة على يد جماعة الصومام في تونس، وكانت لهم السلطة الكاملة على جيش الحدود تحت رئاسة العقيد محمدي السعيد وإشراف كريم بلقاسم، وعندما استلم بومدين هيئة الأركان وجدهم أمامه كأمر واقع، فأدمجهم في الوحدات المستحدثة مثلهم مثل باقي المجاهدين، وشكّل منهم مجموعة من المدربين، كما وضع البعض منهم تحت مسؤولية المجاهدين، ولم يكن لهم أي نفوذ.  

لكن الكثير يلومه على منحهم الأولوية في التكوين والمسؤوليات، بعد الاستقلال، ما قولك؟

أثناء الاستقلال لم يكن فرق بينهم وبين باقي المجاهدين في الداخل والخارج، وقد استفاد منهم الجيش الوطني الشعبي في التسيير أيام الاستقلال لعدم وجود إطارات مكونة وقتها، وقد فضلهم بومدين على الأجانب في قضية تكوين وتسيير الجيش الوطني الشعبي، خاصة وأنهم مجاهدين من سنة 1957، ولم تثبت خيانة أو عمالة أي واحد منهم، وكان بومدين لا يسلمهم إلا المسؤوليات الإدارية، أما الوحدات الهامة والنواحي فكان يسلمها للمجاهدين العاديين، زيادة على أنه ليس من حق أي كان سواء بومدين أو غيره أن يجرح في هذه المجموعة بعد قبولهم مجاهدين من الوهلة الأولى.

طريقة إعدام العقيد شعباني لا تزال تسيل الكثير من الحبر، فما موقع بومدين من هذه الحادثة؟

العقيد شعباني تمت محاكمته بتهمة التمرد، وتم إعدامه لأنه رفض تطبيق أمر انتقاله إلى منصبه الجديد بهيئة الأركان بعد أن وافق، وهي جريمة عسكرية خطيرة، ورفض الرئيس بن بلة الإعفاء عنه رغم التدخلات، وبومدين لم يكن له أي دور في الإعدام، لأنه كان وزيرا للدفاع، وليس من اختصاصه الحكم أو الإعفاء، وهذه القضية أصبحت وقائعها معروفه خاصة بعد الشهادات العديدة التي أثبتت براءة بومدين.

كيف تصف توليه الحكم بعد الإطاحة ببن بلة، هل هو انقلاب أم تصحيح ثوري كما يصطلح عليه؟

إذا نظرنا للقضية من الناحية الدستورية البحتة فهو انقلاب عسكري على الشرعية الشعبية، أما من الناحية الموضوعية فإن الشرعية السائدة وقتها عمليا هي الشرعية الثورية، فالشرعية التي ساعدت بن بلة هي التي أطاحت به، وفي جميع الحالات يكفي التصحيح الثوري فخرا أنه أخرج 2500 شخص به وطنية كانت في المعتقلات من دون محاكمة، وأدخل 05 أشخاص ممن عارضوا التصحيح الثوري ثم أطلق سراحهم بعد أيام.

هل ترى أنه نجح في مجمل خياراته الاقتصادية والاجتماعية، من خلال لجوئه إلى تأميم المحروقات والثورة الزراعية والصناعية، وفق الخيار الاشتراكي؟

جميع الخيارات التي تبناها بومدين هي خيارات منصوص عليها حرفيا في برنامج مؤتمر طرابلس المصادق عليه من طرف المؤتمر بالإجماع على خيارات النظام الاشتراكي والإصلاح الزراعي، وقد عمل بومدين ما في وسعه لتجسيد ما جاء في وثيقة طرابلس بما يعرف بالثورات الثلاثة، وقد كان المشروع ككل في بدايته مع قلة الموارد المالية وندرة الإطارات والكوادر الوطنية، ولكن رغم ذلك أسس لقاعدة صناعية صلبة ما زالت الجزائر تعيش عليها، وأسّس لثورة زراعية أخرجت الفلاح من نظام الرعي والخماسة، وأدخلته في تيار العصرنة، ولم تكتمل التجربة، حيث تم التراجع عنها سنة 1979 من طرف حكومة قاصدي مرباح بطريقة ارتجالية وغير مدروسة، وما زال القطاع الفلاحي يعيش في فوضى إلى اليوم، أما بالنسبة للثورة الثقافية في عهد بومدين فعرفت نقلة نوعية في جميع المجالات، خاصة في التعليم بجميع مراحله زيادة على البعثات الدراسية في الخارج، لكن مع الأسف بعد وفاته توقف كل شيء، حتى الذين تكونوا في الخارج عندما عادوا لم تتم الاستفادة منهم فهاجروا من جديد، وهم الآن في أكبر عواصم العالم، ولهم مكانتهم العلمية، وفي عهده برزت نخبة لا بأس بها من المثقفين الرواد في جميع أنواع الثقافة من جيل السبعينيات، من شعراء وكتاب، وما زال معظمهم في الساحة إلى اليوم من جميع الإيديولوجيات والاتجاهات، وعلى العموم فمشروع المجتمع الذي تبناه بومدين كان واضحا ومصادقا عليه من طرف الشعب بعد المناقشة الديمقراطية الواقعية والاستفتاء، وهو الميثاق الوطني لسنة 1976 ونجاحه نسبي مثل أي عمل إنساني.

ما رأيك في الخطوة التي قام بها بخصوص الإصلاح الرياضي؟

مشروع الإصلاح الرياضي هو مشروع وطني كان يريد بومدين من ورائه جعل الرياضة ككل رياضة شعبية جماهيرية تبدأ من المدرسة، وقد جهّز لذلك الإمكانات اللازمة، واعتمد على العنصر الوطني المحلي، لأنه لا يؤمن باستيراد أي شيء من الخارج بما في ذلك الإطارات الرياضية واللاعبين، لأنه كان يعتبر الرياضة سياسة استراتيجية لا يجب التهاون بها، لأنها تمثل السيادة الوطنية خاصة بالنسبة للمنتخب الوطني، ولا يمكن لغير الجزائري مولدا ونشأة الإحساس بذلك، وأظن أنه كان على حق عندما نلاحظ في الوقت الحالي طغيان المادة في الرياضة، فرغم الملايير التي تصرف لكن كل النتائج هزيلة. 

هل ترى بأن تحالفه مع الاتحاد السوفييتي هو الخيار الأنسب في تلك الفترة؟

وقتها كان هناك معسكرين واضحين في العالم، وكان المعسكر الاشتراكي هو الذي دعّم الثورة التحريرية، وبالتالي التعاون مع الاتحاد السوفياتي كان مفترضا مع تحييد الإيديولوجية الشيوعية من العلاقات، وهذا لم يمنع بومدين من التعامل مع ألمانيا واليابان والهند في المجال الصناعي، لقد كان بومدين يتعامل مع السوفييت الند للند ولم يكن تابعا، وهذا ما صرحت به مؤخرا عدة شخصيات سوفياتية مؤخرا، لقد كان بومدين رجلا وطنيا منفتح على الجميع في إطار مصلحة الجزائر.

ما تعليقك على محاولة الانقلاب التي تعرض لها من طرف العقيد طاهر زبيري وعديد القيادات في الجيش آنذاك؟

محاولة الانقلاب مغامرة غير محسوبة ولا مدروسة، وطغت عليها الاندفاعية، وتسببت في إفراغ الجيش الوطني الشعبي من مجاهدين وضباط كان لهم باع طويل في الجهاد من الوطنيين المخلصين، وفتحت المجال لضباط فرنسا وجماعة 19 مارس للتقرب أكثر من الرئيس بومدين، وكانت نتائج المحاولة عكسية، غفر الله لمن قام بها، لقد كانت كارثية على المجاهدين المخلصين.

في فترة حكم بومدين اغتيلت العديد من الشخصيات الوطنية والثورية مثل كريم بلقاسم ومحمد خيضر.. إلى ماذا يرجع ذلك؟

لا وجود إلا لاغتيال كريم بلقاسم ومحمد خيضر فقط، فكريم بلقاسم اغتيل في ألمانيا بعد أن اتصل بإسرائيل في ظروف غامضة، وهذا تصريح لأحد الفرنسيين، ولو أراد بومدين اغتياله كما يزعم البعض لاغتاله في فرنسا أو المغرب أو اسبانيا مثله مثل خيضر، لأن المخابرات الجزائرية وقتها كانت قوية في هذه الدول، ثم أيضا كان يغتال آيت أحمد وباقي المعارضين، إن ما يقال عن الاغتيالات السياسية هي مجرد دعايات، لأنه حسب حياة ومسيرة بومدين لا يمكن أن يكون من الذين يغتالون السياسيين، وهي دعايات مغرضة لا دليل عليها.

ما تقييمك لحركات التحرر التي استقبلتها الجزائر أثناء حكم بومدين؟

لقد كانت الجزائر مكة الثورة والثوار من جميع أصقاع العالم، وكان بومدين يدعم هذه الحركات في المحافل الدولية مثل فلسطين وكشمير وغينيا وإفريقيا الجنوبية وناميبيا والصحراء الغربية وجزر كورسيكا وغيرها، حتى المعارضين من الدول العربية كانت الجزائر ملاذهم الوحيد مثل التونسيين والمغربين والمصريين والسوريين وغيرهم.

ما تعليقك على طريقة توديعه لبومدين بعد وفاته رحمه الله؟

الشعب الجزائري وفي لكل الأوفياء، وخروج الشعب عن بكرة أبيه لتوزيع رئيسه استفتاء عام على رضا  الشعب عن فترة حكم الرئيس بومدين.

هل من إضافة في الأخير ؟

أشكر أسرة “الشروق” على هذه الالتفاتة الكريمة، وأشكر الشباب الذي لم يعش مرحلة بومدين على احترامهم له، واهتمامهم به وبسياسته.

 

رفيق طفولة هواري بومدين الحاج اسماعيل فصيح للشروق:

بومدين كان يقرأ كتبا عن غاندي والأفغاني وصلاح الدين الأيوبي

كان عاشقا لأغاني عبد الوهاب ولا يأكل إلا بزيت الزيتون

كسر المجاهد إسماعيل فصيح، القاطن في مدينة عنابة، صمته الطويل، بعد قرابة أربعين سنة عن وفاة الراحل هواري بومدين، وفتح قلبه للشروق ، في هذا الحوار الذي يحاكي أيام دراسة الراحل هواري بومدين وطفولته، حينما كان زميلا لإسماعيل خاصة أنهما في نفس السن، ومن نفس الولاية قالمة، وبقيا صديقين حميمين إلى غاية رحيل هواري بومدين في أواخر ديسمبر من عام 1978.

كيف تعرفت على الراحل هواري بومدين؟

أنا من مواليد 15 جوان 1932 في بلدية سلاوة عنونة بولاية قالمة، وهو نفس تاريخ ميلاد الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي تعرفت عليه في منتصف أربعينيات القرن الماضي، عندما درسنا في مدرسة الكتانية بقسنطينة، وسكنا حينها في دار بن جلول في وسط مدينة قسنطينة، ودامت صداقتنا الطفولية إلى غاية سنة 1948. 

هل كان الطفل بومدين ثوريا منذ صغره؟

كنا مداومين كل يوم خميس وجمعة، على الاجتماع لأجل تبادل الأحلام، وكنا نجلس في منزل بن جلول حول طاولة شاي وقهوة، وأتولى الخطابة عليهم، ثم يعود كل واحد منا إلى غرفته حيث تواجد بومدين رفقة صديق سفريته إلى مصر محمد صالح شيروف الذي مازال على قيد الحياة، والأخ بولذروع رحمه الله، بينما جمعت غرفتي مومني محمد العربي أطال الله عمره، والراحل رمضان زايدي، وكان انضمامي لحزب الشعب هو من قرّب بومدين فضولا نحوي، وجعله يناديني بالزعيم، كنت أخطب بحماسة وأنشد على الدوام رائعة الشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي إرادة الحياة: إذا الشعب يوما أراد الحياة – فلا بد للقيد أن ينكسر. 

كان همّ هواري بومدين في ذلك الوقت هو قراءة كتب التاريخ، وحياة كبار الزعماء وكان يرى نفسه فيهم.

هل تذكر أول حديث دار بينكما؟

لا أذكر بالتحديد، ولكن جدالا عمره الآن قرابة السبعين سنة دار بيننا لا أنساه أبدا، عندما سألني إن كان السياسيون، هم الذين يحسمون المعارك أم العسكريون، وبينما كنت أفكر في الإجابة، أكمل يحدثني عن محمد نجيب الذي كان” كولونيل” في القاهرة، ويعمل في السياسة، ففهمت بأن الرجل يريد أن يخلط السياسة بالعسكر، حتى يحقق النجاح لبلاده، كانت نهاية الجدال رسالة قوية من بومدين لي ولحزب الشعب، مفادها بأن السياسة لا معنى لها في حالة الجزائر إذا لم تكن معجونة بالعمل العسكري.

هل واظب على حضور الجلسات؟

نعم، إلى غاية هروبه الشهير إلى مصر مشيا على الأقدام، رفقة صديقنا محمد الصالح شيروف، كان بومدين لا يرتدي غير القشابية أو البرنوس، ولكن في الأيام الأخيرة قبل سفره، فقد الكثير من لباسه الأنيق، إلى أن غاب رفقة زميليه محمد الصالح ومومني عن لقاء الخميس، فأسرعت إلى بيتهم لأسأل عنهم، ففتح هواري بومدين الباب، وأخبرني بأنهم بصدد التحضير لمسابقة كانت ستقام في زاوية بوحجر بنواحي قسنطينة، فلُمتهم لأنهم لم يخبروني بالمسابقة للمشاركة فيها، فاكتفى بومدين بطلب قبعتي أو ما يسمى بالكبوس للتوجه به إلى الزاوية فمنحته إياه.

لماذا تكتّم بومدين عن مغامرة سفره إلى مصر؟

أهم ميزة كانت في الراحل هواري بومدين، هي التكتّم على مشاريعه، يخفي حتى على والديه عنهما ما يقوم به، علمت عندما بحثت عنهم بأن حكاية امتحان زاوية بوحجر، كانت مجرد خدعة من بومدين، عندما أخبرني الشهيد رمضان زايدي عن وجهة بومدين ورفيقيه إلى مصر عبر تونس، فتنقلت سريعا، إلى محطة الحافلات، التي تنقل المسافرين من قسنطينة إلى تبسة، فلحقت بهم في الحافلة، فخرج بومدين من الحافلة، وطلب مني أن أسامحه، فشتمتهم جميعا، ومع ذلك حضنني بومدين بقوة وطلب مني أن أترك له الكبّوس، وغادر في أكبر مغامرة إلى تبسة عبر الحافلة ومنها إلى تونس ليصل إلى مصر بعد رحلة دامت شهرين عبر ليبيا مشيا على الأقدام.

هل بقي بومدين بعد وصوله إلى مصر على اتصال بكم؟

داوم بومدين على بعث رسائل مطولة إلى المجاهد محمد الصالح رحاب فكنا نقرأها بشكل جماعي، كما كان بين الحين والآخر يرسل له والده المال عبر المجاهد رحاب، وطالتني المشاكل بعد سفرهم، حيث جاءني مدير مدرسة الكتانية المرحوم لخذاري، وطلب معرفة الوجهة، التي سافروا إليها، ثم اقتادني “كوميسار” في الشرطة يدعى شريف خرخار، فخيرني بين إخباره عن وجهتهم وإلا طردني من المدرسة، خاصة أن زمن رحيلهم تزامن مع الثورة التي قامت في تونس، وربط الفرنسيون في ذلك الوقت كل التحركات مع ما يجري لدى الجارة تونس، فأجبروني على الحضور إلى المفتشية بشكل يومي، من أجل أن أخبرهم بأي معلومة عن بومدين ورفاقه، الذين سافروا إلى مصر، وطردوني من مدرسة الكتانية لمدة سنة كاملة، وعندما علموا بأنهم في القاهرة مع مرور الأشهر، سمحوا لي بالعودة للمدرسة.

ما هي الكتب التي كان يقرأها بومدين؟

كلها تاريخية مثل غاندي وجمال الدين الأفغاني وصلاح الدين الأيوبي وتشارشل ورومل.

ما هي الأكلات التي كان يشتهيها؟

الحاج فصيح: الكسكسي والكسرة على طريقة شرق البلاد وخاصة زيت الزيتون، كان يحضره من بلدية مجاز عمار حيث يسكن أهله، وكنت أتزود بهذه المادة الغذائية من عائلة بوخروبة، لم أذكر أن بومدين تناول طعامه من دون زيت الزيتون.

هل كان بومدين يسوق السيارة؟

نادرا ما يقوم بذلك، عندما كان يسهر في عمله إلى الثانية صباحا كان يطلب من سائقه الخصوصي العودة إلى بيته، ويعود هو إلى بيته بنفسه عبر سيارته، لم يحدث أن قاد سيارته في النهار، وما كان يميّز بومدين أنه لا ينام أكثر من ثلاث ساعات في اليوم الواحد.

ما هي هواياته؟

كان يصرّ على التوجه إلى أحد المقاهي بقسنطينة من أجل الاستمتاع لأغاني محمد عبد الوهاب، لكن الغريب أن هذا الموسيقار الكبير الذي عاش قرابة القرن لم يزر الجزائر أبدا.

كيف تحوّل محمد بوخروبة إلى هواري بومدين؟

منذ سفر بومدين إلى مصر لم ألتق به إلى غاية بداية سنة 1962 عندما سمعت بأن ضابطا اسمه هواري بومدين قادم من تونس، بعد مشاركته في مؤتمر طرابلس، وكنا قد سمعنا بهواري بومدين الذي جاء عبر باخرة إسبانية عام 1957، وكانت المفاجأة الكبرى أن بومدين هذا هو صديق طفولتي محمد بوخروبة، فقد كان اسما تضليليا للاستعمار، وتحول إلى اسم ثوري وثاني رئيس للدولة الجزائرية المستقلة.

التقيتم في أيام الاستقلال الأولى؟

صرت ضابطا بعد الاستقلال، وكان أول لقاء جمعني بوزير الدفاع هواري بومدين في بيته، في بلدة هيليوبوليس بولاية قالمة، في سنة 1963، توجهنا، في سيارة السيد عبد الحميد براهيمي الذي كان واليا على عنابة، وكان رفقتنا عبد القادر عبد اللاوي، أذكر أن بومدين تحدث بألم عن بور الأراضي الفلاحية، وسأل والي عنابة عبد الحميد براهيمي عن الأكواخ القصديرية، التي ملأت المدينة وعن ضياع الفلاحة، ثم طلبت منه أن ينقلني من وهران إلى منطقتي قالمة، واشتكيت له الغربة، فابتسم وقال لي أعرفك صبورا، ولم يساعدني في الأمر.

وبعد الانقلاب على حكم أحمد بن بلة؟

كنت حينها في الكلية الحربية بالقاهرة أزاول دراستي، ثم التقيت به في مؤتمر للمجاهدين بالعاصمة، زارني ولامني لأنني لا أزوره أبدا، فأفهمته باستحالة ذلك بسبب انشغالاته أولا والحراسة وتعقيدات الوصول إليه؟

وآخر لقاء بينكما؟

كان هذا في سنة 1977، كان بومدين في زيارة رسمية إلى ليبيا، وعندما عاد توقفت الطائرة في عنابة، فقضى ليلته بالمدينة، كنت حينها الأمين الولائي للمجاهدين، فتناولنا وجبة عشاء، أذكر بأنها كانت عبارة عن شربة وكسرة كالعادة، ثم التفت إلي وطلب مني أن أزوره في العاصمة، فحدثته عن الأغوال المحيطين به، فضحك وكانت آخر مرة التقي به.

 

الأستاذ صالح بن فليس يؤكد لـ”الشروق”:

هكذا أصلح الحاج لخضر بين آيت أحمد وبن بلة 

أكد الأستاذ صالح بن فليس، في حديث خصّ به “الشروق”، بأن للعقيد الحاج لخضر حضور مهم في عديد القضايا التي تخص شؤون البلاد خلال الثورة التحريرية وفي المسائل الحساسة التي أعقبت الاستقلال، ما جعله يساهم في تسوية عديد القضايا، وفي مقدمة ذلك الصلح بين الزعيمين آيت أحمد وبن بلة، بالنظر إلى ثقله والثقة التي يحظى بها من جميع الأطراف.

وقال الأستاذ صالح بن فليس لـ”الشروق”، بأن العقيد الحاج لخضر الذي يعد أحد أبرز قادة الثورة في منطقة الأوراس، قد لعب دورا مهما في الصلح بين بن بلة وآيت أحمد بسبب سوء تفاهم بينهما، حدث ذلك مطلع الثمانينيات، وحسب شهادة نقلها محدثنا عن السيد عبد الرزاق فلاح، فإن العقيد الحاج لخضر لم يتوان في تسوية المشكل الحاصل بعد توتر العلاقة بين الرجلين لعدة سنوات، وهي الالتفاتة التي نوّه بها الكثير، وأكدت في الوقت نفسه على ثقل الرجل وصراحته، وميله إلى الصلح ونبذ مختلف الخلافات وسوء التفاهم.

وأوضح الأستاذ صالح بن فليس بأن الحاج لخضر سبق له أن انتقد الرئيس الراحل هواري بومدين، حدث ذلك خلال فترة تواجده في المجلس الوطني التأسيسي، حيث حصل تأخر في دخول راتبه مقارنة ببقية الأعضاء، وحسب شهادة نقلها عن المجاهد الراحل محمد الشريف جار الله فقد خاطب الحاج لخضر الرئيس بومدين في إحدى الجلسات عن السبب وراء تجميد رصيده، فرد عليه بومدين “من الذي قام بهذا يا عمي الحاج”، فرد عليه الحاج لخضر “أكيد أنه أحد الفراعنة مثلك هو الذي قام بذلك”، وفي الجلسة الموالية تم إحضار راتبه في ظرف مغلق. ويؤكد بعض العارفين بالرجلين، بأن العلاقة بين الحاج لخضر وبومدين سبق لها أن توترت في آخر مراحل الثورة، بسبب رفض بومدين استقبال الحاج لخضر رفقة مرافقه مصطفى مراردة في منطقة تاورة بسوق أهراس، حيث رجح مصطفى مراردة في مذكراته السبب إلى اعتقاد بومدين بأنهما موالان للحكومة المؤقتة، ما جعله يقرر المرور على باتنة أثناء عملية انتقاله إلى تلمسان، طالبا منهما الالتحاق، وكانت هذه الحادثة قد أثارت حفيظة الحاج لخضر، حتى أنه طلب من موسى حليس الذي يقود الفيلق 71 المرابط بسطيف الالتحاق بجبال الشلعلع على أن يضمن التموين والتأييد، لكن موسى حليس رفض طلبه معتبرا ذلك مغامرة خاسرة.

وعلاوة على دوره الهام في قيادة الولاية التاريخية الأولى خلال الثورة التحريرية، فقد كان العقيد الحاج لخضر ضمن الوفد المتنقل إلى المغرب لحضور عملية إطلاق سراح الزعماء الخمسة (بوضياف وبن بلة وآيت أحمد وخيضر والأشرف)، وهذا بناء على نتائج اجتماع طرابلس فيفري 1962، حيث تنقل بمعية هواري بومدين وعلي منجلي ومصطفى بن نوي (مراردة)، بواسطة طائرة عبر ايطاليا وإسبانيا وصولا إلى المغرب، وتم استقبالهم من طرف الملك محمد الخامس، وخلال تواجدهم في المغرب نظمت لهم جولة خاصة رفقة الزعماء الخمسة، كما كانت لهم لقاءات مع الجنود والمسؤولين على مستوى الحدود.

 

مواقف تاريخية صنعت منه بطلا استثنائيا

بومدين.. القائد الأسطورة الذي نال احترام العالم

تحفظ ذاكرة الجزائريين مكانة تلامس “الأسطورية” للرئيس الراحل هواري بومدين، تعكس قيمته ووزنه كرجل دولة عرف كيف ينتشل بلاده من كيان ناشئ إلى دولة تصارع بمواقفها الكبار وتنتزع احترام صناع القرار في العالم.  

ولم تكن القيمة التي لا يزال يحظى بها ثاني رئيس للجزائر المستقلة في قلوب الجزائريين، صنيعة دعاية أو هالة مفبركة، بقدر ما كانت نتيجة تراكمات مواقف وأفعال وسلوكات، طبعت المرحلة التي قاد فيها بومدين البلاد في الفترة الممتدة ما بين 1965 و1978، فصار الكثير يترحم على تلك الفترة.

“الموسطاش” كما يحلو للكثيرين تسميته، رحل في عزّ عطائه وفي أوج احتضانه من قبل فئات شعبه، ما زاد فراقه حرقة.. لقد ساهمت في صناعة شخصية ابن قالمة مقومات قلما توفرت في رجال مثله، فرفعته إلى درجة الرئيس الرمز في المخيال الشعبي للجزائريين والعرب والكثير من شعوب العالم.

وعلى الرغم من مرور 38 سنة على رحيل الرجل، لا يزال الجزائريون يتذكرون مواقف “الهواري” بالكثير من الاعتزاز والفخر، ويتداولون مقاطع من خطاباته التي تظهره كقائد ملهم، مهموم بقضايا المقهورين، ليس في الجزائر فحسب، بل في مختلف بقاع العالم.

يردّد الجزائريون خصال نادرة للرجل، فيعتبرونه رمزا للنزاهة، كيف لا وهو الذي مات وحسابه الشخصي لا يحصي سوى دنانير معدودة، كما يرددون مواقفه الصارمة من الفساد والمفسدين.. إنه رجل الدولة الذي تحمّل يومها عبء إعادة بعث الدولة بعد تغييبها لأزيد من قرن.

لم تشهد فترة حكم الراحل تعددية سياسية، ولذلك عادة ما يرمى بومدين بـ “تهمة” الديكتاتورية والبطش بخصومه السياسيين، ولكن مرحلتي الستينيات والسبعينيات، كانتا مفعمتين بعنفوان المد التحرري والثوري، كما أن وضع البلاد في تلك المرحلة (حداثة عهدها بالاستقلال) لم تكن، برأي الكثير من المتابعين، مهيأة لدخل معترك التعددية السياسية بتجاذباته وتناقضاته، وإن كان البعض الآخر يعتبر مقاربة من هذا القبيل تبريرا لممارسات منافية للحرية وللمبادئ الديمقراطية.

غير أن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان، هو أن الجزائريين خلال فترة حكم الراحل بومدين، لم يعيشوا الكثير من الصعاب والمشاكل الاجتماعية التي عاشوها قبله وبعده، مثل البطالة والغلاء وانهيار القدرة الشرائية، بل عاشوا حياة بسيطة دون أن يخسروا كرامتهم، التي لطالما تحدث

وكما يقال، كرامة المواطن من هيبة دولته، فقد كان جواز السفر الجزائري في عهد بومدين، رمزا للعزة في المطارات، تصان كرامة حامله، كما كان اسم الجزائر في المحافل الدولية له وزنه.. يومها كانت الجزائر قوية بقيمها، قيم التحرر التي تبنّاها وصدرها الراحل لدول وشعوب كانت في أمس الحاجة إليها.     

وتكفي الإشارة هنا إلى العبارة الشهيرة “الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، موقف لا زال التلاحم الجزائري الفلسطيني يجسده إلى غاية اليوم وكأنها قيلت بالأمس فقط، ولعل هذا من بين الأسباب التي أبقت الرجل حيا في ذاكرة الجزائريين، وإن رحل عنهم منذ ما يقارب أربعة عقود.     

 

أزاحا بن بلة ومحمد نجيب بقواسم مشتركة

بومدين وعبد الناصر.. بين شعبية الانقلاب وغموض الوفاة

يجمع الكثير من المتتبعين بأن الانقلاب الذي قاده الزعيم الراحل هواري بومدين على الرئيس أحمد بن بلة يوم 19 جوان 1965، يمثل صورة مشابهة لسيناريو عبد الناصر الذي أزاح اللواء محمد نجيب من الحكم، ووضعه تحت الإقامة الجبرية على غرار ما حدث لبن بلة في عهد بومدين.

ويرى بعض الأكاديميين والعارفين بتاريخ الحكم في الجزائر ومصر بعد الاستقلال، بأن الكثير من الانقلابات الجزئية قد حدثت في الشق العسكري بين أصدقاء الأمس، قبل إحداث تغييرات في خارطة الحكم، ويرى الأستاذ يحي نوري بأن هناك 3 عقداء لم تمنعهم سنوات الجمر والجحيم مع الاستدمار الفرنسي من أن يتربص بعضهم ببعض، حتى يهلك أحد الطرفين، فالعقيد شعباني حكم عليه بالإعدام، وبومدين نجا من محاولة اغتيال قادها الطاهر زبيري، وتوفي بمرض غريب نهاية العام 1978، وهو نفس السيناريو الذي عرفته مصر قبل عشرين سنة من قصة عقداء الجزائر، فالمقدم جمال عبد الناصر واللواء محمد نجيب والمشير عبد الحكيم عامر كانوا أصدقاء وأعضاء في مجلس قيادة الثورة المصرية سنة 1952 وبعدها، لكن بريق الكرسي غير المعطيات، حيث انقلب جمال عبد الناصر على أول رئيس لجمهورية مصر، اللواء محمد نجيب، وبعد نكسة 67 وضع المشير عامر تحت الإقامة الجبرية، وتسربت أسرار تقول إنه مات مسموما سنة 67، وأخرى تقول إنه انتحر، أما جمال عبد الناصر فتوفي بعد ثلاث سنوات من رحيل عامر إثر مرض غريب مثلما حدث لبومدين تماما.

وتشترك شريحة واسعة من النقاد في القول بأن الصراع حول السلطة في الجزائر كان فرديا في أغلبه، ولم يكن صراعا إيديولوجيا، باستثناء نظرة الرئيس فرحات عباس الذي كان يطمح إلى ترسيخ قيم الديمقراطية والحريات الأساسية والعدالة الاجتماعية وفقا للنمط الغربي، وهو ما كان يتعارض مع توجهات قادة الثورة الذين كان تفسيرهم للديمقراطية يتمحور حول التعليم والصحة والعمل والسكن وبناء دولة حديثة في إطار الاشتراكية التي كانوا يرون فيها تجسيدا لروح العدالة الاجتماعية وتحطيما لعقود من هيمنة الإقطاع والقوى المؤيدة لهم، وهو ما يتطابق مع تصوّر الضباط الأحرار في مصر، من خلال أفكار اللواء محمد نجيب العسكري المثقف (حاصل على ليسانس في الحقوق إلى جانب تخرجه من الكلية الحربية)، حيث أن تكوينه العلمي والعسكري صقل أفكاره السياسية التي حاول تجسيدها عند رئاسته لمصر، ولكنها اصطدمت برفض القيادة العسكرية للبلاد، ذلك الاصطدام نفسه تعرّضت له أفكار فرحات عباس المثقف المتخرج من كلية الصيدلة من جامعة الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي، حين رفضت أفكاره من قبل القيادة الفعلية للجزائر أثناء الثورة وبعد الاستقلال، بشكل يعكس الصراع الأزلي بين العسكري والسياسي.

عزالدين معزة: إزاحة بن بلة ومحمد نجيب.. قواسم مشتركة بمعطيات مختلفة

يؤكد الدكتور عزالدين معزة (أستاذ التاريخ بجامعة جيجل) أن الرجلين يشتركان في حب الزعامة، بدليل أن بومدين دخل إلى الجزائر مع جماعة وجدة، وقام بأول انقلاب ضد بن يوسف بن خدة الذي عيّنه المجلس الوطني للثورة الجزائرية رئيسا للحكومة المؤقتة في مؤتمر طرابلس سنة 1961 بعد عزل فرحات عباس، وتم تعيين بن بلة رئيسا للحكومة الجزائرية خلفا لبن خدة، فيما اختار بومدين وزارة الدفاع.

وقال الدكتور عزالدين معزة بأن بن بلة جاء في ظروف صعبة بعد صراع صائفة 1962 على السلطة، ورغم كسبه لود الشعب حسب قوله لكنه لم يتمكن من إبعاد تأثير العقيد هواري بومدين على قراراته في الشؤون السياسية بمساعدة الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، وعندما تهيأت له الظروف قام بانقلاب عسكري، وهو ما يعكس حسب رأيه أوجه الشبه مع جمال عبد الناصر الذي كان من الضباط الذين شاركوا في انقلاب 23 جويلية 1952، ولكنه لم يكن مسؤولا كبيرا في الجيش المصري، وغير معروف في الأوساط الشعبية، وراح يدبر المؤامرات ضد الرئيس محمد نجيب، من ذلك اتهامه بأن له علاقة مع الإخوان المسلمين، وتقريبا نفس الشيء حدث في الجزائر في سنتي 1963 و1964، حين انتشرت دعاية في الجزائر بأن بن بلة باع البلاد لمصر.

 وأكد محدثنا بأن ميزة بومدين وجمال عبد الناصر في القدرة على التأثير ونشر الدعاية في الأوساط العسكرية الموالية لهما، ونقلها إلى الشعب، ما سمح لهما بشن انقلاب دون سفك للدماء، كما يشهد لهما التاريخ في نظر الدكتور معزة أنهما كسبا شعبية كبيرة، لم يسبقهما أي رئيس جاء قبلهما أو بعدهما. ويلخص الأستاذ عزالدين بومعزة نقاط الاختلاف في اعتماد بومدين على الداخل في انقلابه العسكري، وانتقال الحكم إلى العسكر، بينما تحوّل الحكم في مصر من العسكر إلى العسكر، مضيفا بأن بومدين حذف اسم بن بلة من الكتب المدرسية ووسائل الإعلام، ونفس المصير عرفه محمد نجيب في مصر (توفي في ظروف مزرية)، وختم الدكتور معزة قوله “الرجلان كانا يحملان مشروعا أكبر من طاقتيهما ومقدرات بلديهما، ولكن لا أحد يمكن أن يشك في إخلاصهما وحبهما لوطنيهما”.

جمال مسرحي: لا يمكن اعتبار حركتي بومدين وعبد الناصر انقلابا

يرى الأستاذ جمال مسرحي (أستاذ التاريخ بجامعة باتنة) أن وضع حركتي التغيير في مصر والجزائر في خانة الانقلاب يعد حكما قاسيا لاعتبارات متعددة منها أن الخلاف بين اللواء محمد نجيب كان فكريا حول طبيعة نظام التسيير والصراع حول السلطة، وهو ما يمكن إسقاطه على حالة الحركة التصحيحية التي قادها مجلس الثورة في الجزائر الذي أعلن صبيحة يوم 19 جوان 1965 عن تشكيل مجلس الثورة بقيادة العقيد بومدين، وذلك لتصحيح مسار الثورة الذي يكون قد انحرف حسب محدثنا ليس بسبب شخص الرئيس أحمد بن بلة، الذي اتهم بالزعامة والحكم الفردي، وإنما بسبب الصراع بين أطراف كثيرة كانت ترى في نفسها هي الأولى بالسلطة، ولم تناقش مسألة التوجه الإيديولوجي للسلطة.

وأضاف “المتصارعون حول السلطة ومنهم محمد بوضياف وحسين آيت أحمد والباءات الثلاث معظمهم كانت توجهاتهم اشتراكية، أي لا يختلفون عقائديا أو فكريا على الرئيس أحمد بن بله”، ما يبين في نظره أن الصراع كان حول الزعامة بشكل كبير، وأصبح كرسي الرئاسة محل أطماع، معتبرا أن ضعف الرئيس أحمد بن بلة أمام هذه الأطراف جعله يحاول حماية نفسه ومنصبه بإنشاء مليشيات موازية لسلطة الجيش، وهو ما يكون قد فسّره العقيد هواري بومدين (وزير الدفاع أنذاك) حسب الأستاذ جمال مسرحي على أنه يعد تخليا من الرئيس عن الجيش أو تجاوزا له في موضوع حماية مؤسسة دستورية قد تنجر عنه عواقب وخيمة على الدولة، ما جعل القوى التي أقامت دعائم النظام الجزائري في مؤتمر طرابلس 1962، تقرّر التضحية بالرئيس إنقاذا لمسار الثورة، من خلال تسمية الحركة بالتصحيح الثوري برئاسة العقيد هواري بومدين.

رابح لونيسي: بومدين عاش في مصر وتأثر بأحداثها وسياساتها

يرى الدكتور رابح لونيسي (أستاذ التاريخ بجامعة وهران) بأن بومدين الذي عاش في مصر تأثر ببعض أحداثها وسياساتها، معتقدا أن تخطيطه لأخذ السلطة قد استلهمه مما فعله جمال عبد الناصر مع محمد نجيب، فالضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر كانوا ضباطا صغارا غير معروفين، وكانوا بحاجة إلى شخصية عسكرية معروفة، فوجدوها في الجنرال محمد نجيب، فاختفوا وراءه حتى توطد لهم الحكم، ثم أزاحوه بعد سنتين (مارس 1954)، بعدما وجهت له تهم التعامل مع الإخوان الذين دخلوا في خلاف مع عبد الناصر، خاصة بعد محاولة اغتيال هذا الأخير، فيما أرجع الدكتور رابح لونيسي جوهر الخلاف إلى رغبة محمد نجيب في توطيد حكم ديمقراطي وليس عسكريا دكتاتوريا آنذاك، وهو نفس ما قام به بومدين حسب محدثنا، عندما أرسل بوتفليقة إلى السجناء الخمسة طالبا منه عرض الرئاسة على بوضياف لكنه رفض وطرده، ثم عرضت على آيت أحمد، لكنه رفض أيضا منددا بما سماه “العسكريتا” آنذاك، فعرض على بن بلة الذي قبل، وتكرر نفس الأمر كما في مصر، حيث أزيح بن بلة الذي كان شخصية معروفة على عكس بومدين ومجموعة وجدة التي كان يقودها، وقال الأستاذ رابح لونيسي إن بن بلة لم يكن ديمقراطيا مثل نجيب، بل أراد توطيد حكمه الفردي أكثر، فاتخذوا ذلك ذريعة ضمن أسباب أخرى للانقلاب عليه.

فايز نصار: بومدين وعبد الناصر زادت شعبيتهما بعد الانقلاب

في المقابل، يشير الإعلامي الفلسطيني فايز نصار بأن بومدين وجمال عبد الناصر من خريجي المؤسسة العسكرية، وانقلبا على صديق كان يثق بهما، واستفادا من شعبيتهما، وزادت هذه الشعبية بعد “الانقلاب”، بالنظر إلى القرارات الثورية الهامة التي اتخذت، ولعل من أوجه التشابه الأخرى حسب فايز نصار أنهما كانا مهتمين بالقضية الفلسطينية، ودعما منظمة التحرير في المحافل الدولية، وقدما الدعم المستطاع للثوار للفلسطينيين، مضيفا أن بومدين انقلب على بن بلة الرجل السياسي “صديق عبد الناصر”، والذي لا يملك أي رتبة عسكرية، فيما شهدت الثورة الجزائرية بطولات لهواري بومدين، بينما كان عبد الناصر ونجيب من الضباط الأحرار، وشاركا في رد العدوان الإسرائيلي، بدليل أن عبد الناصر حوصر عدة أشهر في مدينة الفالوجة الفلسطينية.

——————
طالع أيضا:

العقيد المتقاعد شريف براكتية في حوار لـ”الشروق”:

الذين انتقدوا بومدين هم الذين منحوا ضباط فرنسا مناصب سامية


سفير الجزائر الأسبق في بغداد ودمشق عثمان سعدي للشروق”:

بومدين رفض أن تدفع وزارة المالية ثمن كتبه وهكذا طرد السفير الأمريكي

 

مقالات ذات صلة