رئيس جامعة الزيتونة الدكتور عبد الجليل سالم لـ "الشروق":
لهذه الأسباب لن تقوم ثورة في الجزائر
الدكتور عبد الجليل سالم
الدكتور عبد الجليل سالم رئيس جامعة الزيتونة، أستاذ التعليم العالي، متخصص في علوم الدين والفلسفة، يعود في هذا الحوار مع “الشروق” على هامش زيارته الأخيرة إلى تلمسان حيث شارك في ملتقى دولي حول فكر مالك بن نبي إلى حيثيات الثورة التونسية ودور التيار الإسلامي والنخبة العلمانية هناك، كما استبعد المتحدث أن تمتد موجة الاحتجاجات العربية إلى الجزائر لأسباب قال إنها متعلقة بطبيعة المجتمع الجزائري وقيادته، كما اعتبر المتحدث أن الاتجاه العلماني في تونس سطحي جدا والتيار الإسلامي متأصل وقادر اليوم على قيادة تونس بنجاح.
- طالما صنفت تونس كدولة علمانية.. كيف يكتسحها التيار الإسلامي؟
مجتمعاتنا ظاهريا مقسمة بين العلمانيين والإسلاميين؛ والعلمانيون هم قشرة في الثقافة والإعلام والمجتمع وهم ظاهرة صوتية عندما تسمعهم تقول أن تونس خربت وخرجنا من هويتنا، لكن واقعيا لا يملكون عمقا اجتماعيا. الذي يملك العمق الاجتماعي والبعد هم الذين نجحوا في الانتخابات، ولتونس دور في الحضارة الإسلامية ولها دور في التنظير، ويكفي أن نعلم أن في تونس صار المذهب المالكي مدرسة، وفي تونس أنتج الأدب نظرية عن طريق ابن رشيق في القيروان، والتاريخ أصبح فيها علما عن طريق ابن خلدون، ومنها انطلقت حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر، ونظرية الإصلاح في أقوم المسالك انطلقت أيضا من تونس، وترجمت إلى الفارسية والأوردو وأثرت في العالم العربي والإسلامي، فيكفي أن يكون في تونس جامع الزيتونة الذي حافظ على هويتها، هذه الجامعة هي التي أثرت في حركة الإصلاح الجزائرية، وبعثت فيها حيوية فكرية، وفي عهد الاستقلال أغلقت وجففت منابعها.
هل يفهم من هذا أنكم تراهنون على نجاح حركة النهضة في حكم تونس، ألن تكون المهمة صعبة، خاصة في ظل الإرث الثقيل للمرحلة البائدة؟
لا شك أن المهمة ستكون صعبة، لكن عندما وقعت الانتخابات من انتصر؟ لما احتكمنا للصندوق والديمقراطية كآلية مثلى في الصراع الديمقراطي الإسلاميون هم من حصّلوا 40 و50 بالمائة.
أمر طبيعي أن يكون الأمر غير سهل، فقد ورث الإسلاميون إرث أنظمة فاسدة ونظام منهار وبطالة حقيقية، لكنني أثق في حركة النهضة وأؤكد أن قدرنا أن نرقى لأننا في حالة أزمة وإفلاس، قدرنا أن نواجه وأن نتغلب على الصعاب، وأمامنا تجربة تركيا وماليزيا، تجربتان تبشران بإمكانية نجاح الإسلاميين في التسيير والتنمية. طبعا العلمانيون واليساريون يتربصون بنا لإسقاط هذه التجربة، لكن بإمكاني أن أستنتج، وهذا من فكر الدكتور المسيري، أن العلمانية في مجتمعاتنا الإسلامية لا تؤدي إلا إلى الاستبداد، وأنها مجتثة لا قاعدة لها وهي مسقطة من فوق. والقادرون على إحداث نهضة جديدة هم الإسلاميون.
تحدثتم عن التجربة التركية، لكن الحركات الإسلامية عندنا متهمة بعدم امتلاكها مشروعا مثل تركيا؟
ومن يملك مشروعا؟ دعينا نتكلم بصراحة، هل للعلمانيين مشروع، ما هو مشروعهم، نقاشهم اليوم هو في المرأة وتعدد الزوجات وكأن المشروع الإسلامي في نظرهم هو مشروع نساء وزواج ومشروع شهوات جنسية، القوميون والماركسيون خربوا البلاد العربية وسجنوا الناس وقتلوهم، أما الإسلاميون اليوم لو قتلوا الناس لوقفنا لهم وأنا مقتنع أن القادرين على إطلاق الحريات للناس هم الإسلاميون الناضجون.
هناك بعض التحاليل تقول إن الغرب هو من جاء بالإسلاميين إلى الوطن العربي وليس الصناديق؟
وهل كان الفرنسيس والأمريكان يعرفون أن ثمة ثورة ستقوم في تونس؟ لا اعتقد ذلك، والدليل الموقف الفرنسي الداعم لبن علي في بداية الأحداث، لكن الغرب اليوم اقتنع اقتناعا كليا وأعطى الضوء الأخضر لإعطاء هذه التجربة فرصتها لأن لو كانت أمريكا والاتحاد الأوربي ضد هذه التجربة لوقع انقلاب في تونس، وكنا نتخوف من ذلك في بداية الثورة، لكن الحمد لله نجحت التجربة بشفافية وديمقراطية وتفاجئنا بسلاسة العملية الانتخابية التي أشرف عليها علمانيون مدنيون ولم يكونوا إسلاميين، والجيش التونسي بارك العملية وبارك الإسلاميين وقال ليس لدينا قضية مع السلطة المدنية، بل نحن جيش دورنا حماية الوطن وذلك لأن تونس دولة مدنية.
وكيف يمكن استساغة التدخل الأجنبي في أي بلد لصنع التغيير؟
نحن نرفض التدخل الأجنبي لأن الناتو يبقى استعمارا، وأقول اتركوا الشعوب هي التي تغيّر في تونس، لو تدخلت فرنسا لخلع بن علي لوقفنا إلى جانبه، والحالة الليبية هي الوحيدة التي حصل فيها تدخل أجنبي، لأن ليبيا وضع آخر، المجتمع الليبي مجتمع مختلف عن المجتمع الجزائري أو التونسي، في الجزائر هناك انجازات بغض النظر عن أي نقد، ليبيا لا زالت مجتمعا بدويا على فطرته، طيب جدا وشعب مقاتل شرس، ومعمر القذافي بقي 42 سنة وهو جاثم على قلب الشعب، لا تقدم ولا تنمية في ليبيا، عندما سقط النظام الشعب الليبي كان ينادي ”الشعب يريد إقامة النظام وليس إسقاط النظام” لأنه لا يوجد في ليبيا نظام، وأعتقد أن أمريكا لن تتدخل في سوريا لأنها مثخنة بالجراح وتخاف أن تمتد رقعة الحرب وهناك إيران والعراق في المنطقة وستختلط الأوراق، ولذلك لا أعتقد أن أمريكا أو فرنسا ستتدخل عسكريا في سوريا.
قلتم إن الغرب أعطى الضوء الأخضر لخوض تجربة حكم الاسلاميين، ما الذي غير موقف الغرب من الإسلاميين لتسمح لهم الآن بممارسة السلطة؟
الأزمة التي يتخبط فيها الآن، الأزمة عادت الآن للمحور وليس للأطراف، داخل النظام الرأسمالي بعينه، فالربيع العربي والربيع التونسي حوّل الاحتجاج إلى وول ستريت، والغربيون الآن معجبون بتونس والشعوب معجبة بالثورة، وقد انتشر الاهتمام عن طريق فايسبوك والاتصالات، وممكن جدا أن نحضر مستقبلا ربيعا أوربيا، وهذه طريقة من طرق الثورة والاحتجاج، والنظام الرأسمالي اليوم في أزمة مالية خانقة، هم أصبحوا يتحدثون عن الإسلام والمصارف الإسلامية وهذا ليس لصالحنا بل لمصلحتهم.
استثنيتم الجزائر من حدوث ثورة.. لماذا؟
لن تقع في الجزائر ثورة لأسباب كثيرة، رجال الجزائر اليوم مثل الرئيس بوتفليقة هم رجال التحرير وأنجزوا الكثير، والنخبة السياسية الجزائرية روحها العربية والإسلامية حاضرة، بعكس النخبة البورڤيبية كانت نخبة تغريبية أرادت أن تستأصل الهوية العربية الإسلامية من أصولها، ولو كنت في الجزائر منذ زمن لما كنت معارضا، في تونس لم يتركوا حجابا ولا إسلاما، والمغرب أيضا لن تقع فيه ثورة، كل ما سيحدث أن سقف الحريات سوف يرتفع في الجزائر أو المغرب، في هذين البلدين هناك أحزاب والحياة الفكرية فيها منفتحة والكتب تنشر حتى في نقد الملك والرئيس، وهذا لا يسقط الدولة لأنها محصنة ذاتيا، كل ما في الأمر أن المطالبات ستؤدي بعلو سقف الحريات بعكس تونس.