الجزائر
المراسلة الحربية كاتيا ناصر في حوار ل"جواهر الشروق"

لهذه الأسباب استقلت من “الجزيرة” وتركت العمل الإعلامي؟!

حوار: سمية سعادة
  • 32959
  • 2
ح.م

هي واحدة من أشجع الصحفيات العربيات، لم يغرها العمل خلف المكاتب الوثيرة وقاعات التحرير، بل فضلت أن تنقل الصورة والخبر من قلب الحدث وخلف خطوط النار فحق لها أن تنال لقب “كاتيوشا” من زملائها في “الجزيرة”، إنها المراسلة الحربية السابقة لقناة “الجزيرة” كاتيا ناصر التي استقطبت إليها أنظار العالم العربي من خلال تغطيتها للأحداث في أكثر المناطق سخونة في العالم، ولفتت إليها الانتباه بموقفها الشجاع الذي اتخذته مع الصحافي الإسرائيلي الذي صافحته بالخطأ، حيث قالت له: “أعتذر من نفسي لأنني صافحتك”، وفي حوارها مع “جواهر الشروق” أرجعت كاتيا سبب استقالتها من قناة “الجزيرة” لأسباب أسرية في الوقت الذي لم تجد ما يدفعها للاستمرار في ظل انحراف الرسالة الإعلامية عن مسارها الصحيح، هذه التفاصيل، وتفاصيل أخرى تجدونها في سياق هذا الحوار.

بعد سنوات من العطاء والتألق، غادرت قناة “الجزيرة”، لماذا؟

لم أغادر قناة الجزيرة فحسب، بل غادرت العمل الإعلامي ككلّ، والسبب الرئيسي كان ولادة طفلتي الثانية، فنظراً لإقامتي في قطر بعيداً عن أي مساعدة أسرية، ولرفضي إيكال رعاية طفلتيّ الاثنتين إلى مساعِدة منزلية، إضافة إلى ساعات عمل طويلة وضغط يومي هائل، ارتأيت أنّ الأولوية لتربية أولادي، وصارعت نفسي كي أقنعها بأنّ تلك مرحلة ولتكن استراحة محارب فحسب، وللإنصاف، فإنّني تعرّضت للضغط نفسه مع ولادة طفلتي الأولى قبل أربع سنوات، وقد كان مجرّد التفكير بترك العمل صعباً بل ومؤلماً، أما هذه المرّة، فكانت الظروف مختلفة ولم أجد عناصر قوّة كافية لردعي عن قرار الاستقالة، ما أعنيه هنا هو إحباطي ممّا آل إليه حال أوطاننا وتحوّل ما يسمّي نفسه إعلاماً “عربيا” عن الرسالة الإعلامية وانحرافه إلى التجييش المذهبي، ونقل صور مجتزأة عن الأحداث، ما جعلني أرى أنّ الإعلام جزء من سفك دماء شعوبنا، بينما القضية المحورية والأساس -أقلّه بالنسبة لي أنا- ألا وهي القضية الفلسطينية، باتت -إن وجدت في سلّم الأخبار- خبراً عابراً…توجّهي للصحافة في الأساس كان لإيماني بأنني أستطيع فعل شيء من أجل فلسطين وكنت أشعر أنّني بقلمي أستطيع تحرير القدس… فلسطين حملتني إلى الصحافة وغياب الأولوية لها حملني بعيداً عن الصحافة.

لماذا اخترت العمل في المناطق المشتعلة بالحروب والصراعات مع أنه كان بإمكانك العمل في مقر  “الجزيرة” دون أن تعرّضي حياتك للخطر؟

الانطباع السائد لدى عموم الناس هو أنّني غطيت حروباً عدّة، وبقدر فخري وسعادتي بلقب “المراسلة الحربية” الذي أُطلق عليّ في وسائل الإعلام، فإنّني غطّيت العدوان الإسرائيلي على لبنان في تمّوز- جويلية 2006 وفي أواخر العام 2008قمت بتغطية كسر الحصار على غزّة على متن أوّل قارب عربي، وكانت الرحلة بالفعل غير اعتيادية. بالنسبة لي العمل الإعلامي خبرة متكاملة بين غرفة الأخبار والميدان، ولا غنى عن أيٍّ منهما، لكنّ العمل الميداني هو الأحبّ والأقرب إلى شخصيتي وقلبي… مهنياً، يصقل العمل الميداني الملَكة الخام لدى الصحافي إذ يجبره على التعامل مع متغيّرات مفاجئة وفي وقت ضاغط… وشخصياً، يأسرني العمل الميداني لأنّني ببساطة أملك أدوات إنتاجه من الفكرة حتى التنفيذ. وبما أنّني أتعاطى الصحافة التلفزيونية، فإنّ الصورة هي الأساس لأي خبر. في غرفة الأخبار تحكمني الصور التي توفّرها الوكالات أو مكاتبنا وعليّ التعامل معها كما هي، أمّا في الميدان، فالميدان ميداني وأنا من أصنع رؤيتي وحدي، والأهمّ من ذلك كلّه هو ذلك التماس مع الحدث على الأرض، وذلك يجعلني أقرب إلى نقله وصياغته بتفاصيل ما كنت لأستشعرها لو وصلتني الصورة جاهزة دون أن أكون في قلب الحدث، وذلك يمنحني انسيابية ودفقاً كتابياً فريداً .

ما الذي تغيّر في حياتك على المستوى الاجتماعي والنفسي، عندما بدأت العمل في مناطق الحروب؟

 بعد حرب لبنان تحديداً، كان في داخلي مزيج من الفخر والاعتزاز من جهة، ومخزوناً معتبراً من الصور المؤلمة من جهة ثانية. هذا المخزون لم أشعر بوطأته سوى بعد حين وأظنّه ما زال موجوداً في اللاوعي. كأن أرى صور الشهداء مثلاً في الذكرى السنوية لرحليهم، أو أن أعاود مشاهدة صور التقطناها، أو مشاهد من الحرب نفسها، فإنّني أجهش في البكاء. في المقابلات التي أُجريت معي بعد الحرب، كان صعباً عليّ التعبير أحياناً وكنت أتوقّف عن الكلام وأعتذر بالقول إنّه لم يسبق لي أن تحدّثت عن الأمر من قبل… بصورة عامة، تغطية الحرب جعلتني أقوى وأكثر إيماناً بنهج المقاومة وأكثر فخراً بأنني أنتمي لأوّل بلد حرّرت مقاومته أرضه من الاحتلال الإسرائيلي بقوّة السلاح.

كيف تشعرين عندما يناديك زملاؤك في الجزيرة بلقب “كاتيوشا”؟

لقب كاتيوشا عزيز على قلبي. كاتيوشا في الأساس هو اسم ثوري، وهو لقب تحبّبي لكل من اسمها كاترينا أو كاتيا باللغة الروسية، وقد أطلقه الروس على سلاح المدفعية تيمّناً بزوجة ضابط كان اسمها كاتيا… قتل زوجها في معركة التصدّي للزحف النازي على روسيا من جهة أوكرانيا، فتولّت مكانه على المدفعية وقُتلت هي أيضاً، ولكاتيوشا أغنية وطنية تبكي الروس. ما علاقة هذا باسمي؟ حسناً… السلاح الأشهر الذي مرّغ أنف الاحتلال في تراب الجنوب كان الكاتيوشا، ومن هنا اعتزازي بالاسم. أما لما يحلو لزملائي مناداتي به، فهم يقولون إنّني في ثورة لا تهدأ.

 ما هي المواقف والمشاهد التي أبكتك وصدمتك خلال عملك خلف خطوط النار؟

المشاهد التي أثّرت في خلال الحرب كثيرة جداً، فهي حرب وكانت حرباً همجية بكل المقاييس، ولا أستطيع إحصاءها كلّها هنا، لكنّني سأورد بعضها (ليست من مشاهد الدماء، بل لحظات انطباعية خاصة) على سبيل المثال. إلى مرحلة متقدّمة من الحرب بقي أهالي المنطقة التي أغطّيها في الجنوب في قراهم حتى نفاد كل ما يملكون من قوت لأطفالهم، ولدى خروجهم مجبرين رفضوا تصوير قوافلهم راحلين، وترجّل أحدهم من سيّارته غاضباً ليكسر عدسة التصوير، وصرنا نسمع الجموع يصرخون بصوت شبه واحد: عائدون ولم نخرج إلا لأن أطفالنا بلا خبز وحليب… كانت تلك لحظة مؤلمة لي أكثر من المجازر، وقد بكيت فيها بصمت بعيداً عن الجميع… قوم يؤلمهم الرحيل رغم الموت المتناثر حولهم، أيّ عزّة نفس هذه!مثال آخر لطفل لم يتجاوز الثامنة خرج والمقاتلة الإسرائيلية تحوم فوق رؤوسنا، قال لي أريد أن يعلموا أنني لا أخاف منهم وهذه رسالتي لأطفالهم رداً على رسائل الحقد التي كتبوها لنا على صواريخ جيشهم كي تقتلنا. طفلة أيضاً تكاد تكون في العاشرة نجت وحدها وأختها من مجزرة أجهزت على أسرتها، زرناها في المستشفى وحين رأتنا بكت بحرقة وقالت أنتم هنا من أجلي والعالم كله ينسانا؟! اسألوا إسرائيل لماذا تريد أن تحكم العالم؟ مشهد آخر من قرية شهدت ثلاث مجازر، وعند وصولنا في المجزرة الثانية وكان قد تعذّر وصولنا في المرة الأولى صرخ فينا ذوو الضحايا: الآن جئتم؟!! الموقف نفسه واجهنا به ذوو ضحايا في إحدى المستشفيات وكان مؤلماً جداً الشعور بأن ينظر إليك هؤلاء المكلومون وكأنك جزء من مؤامرة الصمت وأنّ آلامهم ليست إلا سبقاً . صحفياً… كان الشعور بالعجز وعدم القدرة على مساعدة الناس أصعب ما في الأمر.. وكان الأصعب من هذا كلّه أن هؤلاء هم شعبي.

كم مرة شعرت أنك قريبة من الموت؟

الموت كان قريباً على الدوام، لكنّ مجرد الوجود في أرض المعركة ينسيك ذاك الهاجس وتصبح مساوياً ومتساوياً مع الناس بل وكان يحرجني ارتداء السترة الواقية والخوذة أمام الناس العزّل. المرة الأخطر وقد نجونا بأعجوبة من موت محقّق كان حين استهدفتنا مقاتلات الاحتلال بصواريخ مباشرة، وكنا حينها ضمن قافلة إعلامية نهمّ جميعاً بالانتقال إلى منطقة أكثر أماناً عشية الحديث عن اجتياح بري للمكان الذي كنا فيه.

أصبحت مطلوبة كثيرا في غزة، لماذا؟

نحن في لبنان وفلسطين عدوّنا واحد وهم ما زالوا يعانون ظلماً ذقنا مرارته… العدو والعدوان عاملان محفّزان للمقاومة… هذه طبيعة البشر، وشعبا لبنان وفلسطين، لا سيما غزة، متشابهان في عنفوان المقاومة وعزّة النفس وإباء الضيم، هذا ما لمسته خلال زيارتي لغزة إضافة إلى الطيبة والكرم وحسن الضيافة.

كيف شعرت عندما علمت أنك صافحت بالخطأ مراسل القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي خلال تواجدكما على متن السفينة القطرية؟

صافحت الصحافي الإسرائيلي لظنّي أنّه مسؤول قبرصي كان يفترض أنه معني بترتيبات إبحارنا إلى غزة وعند إدراكي خطأي، شعرت بلسعة نار أو برق صعقتني من رأسي وسرت منه تدريجاً إلى سائر أنحاء جسمي استجمعت نفسي، وشعرت بأنّ كلّ قسمات وجهي تغلي في وجهه إذ قلت له بحدة استدراكية، حسناً سأقولها لك بوضوح أنت عدوّ لبلدي وعدوّ لي أنا شخصياً وهذا لن يتغيّر وأنا أعتذر من نفسي أنّني صافحتك لم ينبس ببنت شفة ولم أنتظر كي يفعل، وأدرت ظهري ومشيت كمن مسّه رجس وتطهّر.

 يتوقع الكثير من المتابعين لك أن وجهتك المقبلة ستكون نحو قناة “الميادين”؟

قناة الميادين قناة عصامية بإمكانيات متواضعة وهذا محطّ احترام. تمثّلني في تصريحها الانحياز الكامل لفلسطين وتفتنني الفواصل المخصّصة للقضية وللأولوية المفردة لها في الأخبار والبرامج، وإن كنت سأعمل في محطة غير الجزيرة يشرّفني أن أكون صحافية متخصّصة في الشأن الفلسطيني في الميادين، لكنّ هذا كلام افتراضي وليس من خطّة أو كلام واقعي بهذا الصدد.

ثعالبَ تتقمّصون أثواب طهارة، أفاعِيَ تتخفّون في بياض حمائم ووداعة حملان” لمن كنت توجهين هذا المنشور الأخير في صفحتك على فيسبوك؟

المقطع هذا كتبته أختي وقد شاركتها إياه على صفحتي، والمقصود هنا هو كل من ينوح على ضحية ويحلّل قتل ضحية أخرى لمجرّد التعصّب لفئة ما. أنا أرفض تصنيف الأحياء أصلاً فكيف لا يستفزّني تصنيف الضحايا؟!!! الداعي الأساسي لما كتب هو الصرخة -المحقة طبعاً- لأجل حلب، لكنّ المستفزّ أنّ من يبكي على حلب كان يؤيّد حصار بل قتل سوريين آخرين -مدنيين بالطبع- لمجرّد انتمائهم لمذهب ما. برأيي من يبكي الإنسان يبكي الإنسانية جمعاء، لا يرى ضحية هنا ويحرّض على قتل ضحية هناك أو يرى قاتلاً هنا ويرى بطلاً في قاتل آخر هناك. الإنسانية أمر مطلق لا يعرف حدود الحدود واللون والدين والمذهب والعرق وكل تصنيف آخر ابتدعه حقد البشر. 

مقالات ذات صلة