لهذه الأسباب على “الخضر” التألق في “الكان” قبل تحديات المونديال
سيكون الناخب الوطني، بيتكوفيتش، أمام جملة من التحديات التي تنتظره نهاية هذا العام خلال السنة المقبلة، من خلال الحرص على تجسيد الأهداف المسطرة، مع التفاوض بشكل جيد مع التحديات المقبلة على وقع النتائج الإيجابية لتفادي أي هزات قد تنعكس سلبا على المجموعة من الناحية الفنية والنفسية، وبالمرة عدم فسح المجال لانتقادات قد تكون مؤثرة في فترات حساسة، بحكم أن المنتخب الوطني سيكون مقبلا على تنشيط نهائيات كأس أمم إفريقيا، وبعد أشهر من ذلك سيكون على موعد مع المشاركة في نهائيات كأس العالم بعد 8 سنوات من الغياب.
أثبتت التجارب السابقة بأن المنتخب الوطني كثيرا ما يواجه مشاكل ومتاعب حين يشارك في منافستين كرويتين هامتين مبرمجتين في عام واحد أو في وقت متقارب نسبيا. والكلام ينطبق أساسا على نهائيات كأس أمم إفريقيا ونهائيات كأس العالم، وهو الأمر الذي يفرض ضرورة التركيز على المنافسة الأولى بغية تحقيق نتائج إيجابية تقنع الجماهير والمتتبعين بغية التفاوض مع المنافسة الموالية من موقع مريح وفي وضع يقول فيه الضغط أقل ولو نسبيا، حيث يذهب الكثير من المتتبعين بأن المدرب بيتكوفيتش ملزم من الآن بضرورة ضبط خياراته وقراراته حتى تكون العناصر الوطنية في الموعد خلال نهائيات “الكان” بالمغرب، وهذا من خلال تحقيق مسار إيجابي يكلل على الأقل بتجاوز عقبة الدور الأول، وبالمرة تفادي الهزتين السابقتين في عهد المدرب جمال بلماضي، حين فشل في تجاوز الدور الأول خلال دورة 2022 بالكاميرون ثم نسخة 2024 بكوت ديفوار، ما عجل برحيله رغم بدايته الموفقة في تصفيات كأس العالم 2010، حين حقق فوزين في جولتي الافتتاح، وهو ما يعني آليا أن النتائج الإيجابية هي السلاح الحقيقي للمدرب، وفي حال أي إخفاقات مفاجئة أو مؤثرة قد يسدد الفاتورة غاليا.
تضييع اللقب القاري حتم على خالف عدة تغييرات قبل المونديال
وبالعودة إلى تجربة المنتخب الوطني مع مثل هذه الحالات والوضعيات، فإنه كثيرا ما واجه متاعب في التوفيق بين تحقيق مسار مثالي بين منافستي الكان والمونديال حين تلعبان في نفس العام. ففي سنة 1982، حقق المنتخب الوطني مسارا إيجابيا في نهائيات كأس أمم إفريقيا بليبيا ما مكنه من التأهل إلى الدور نصف النهائي، وكان المرشح الأبرز للتتويج قاريا، لكنه واجه المنتخب الغاني في لقاء صعب ومثير انتهى لمصلحة الغانيين بثلاثة أهداف مقابل هدفين، في مباراة كانت مفتوحة على كل الاحتمالات، ففي الوقت الذي فوت المنتخب الوطني فرصة إنهاء اللقاء بفوز في الوقت الرسمي بعد تلقيه هدف التعادل في الدقائق الأخيرة، فإن زملاء ماجر تلقوا هدفا مباغتا في الشوطين الإضافيين مكن الغانيين من المرور إلى الدور النهائي ونيل اللقب أمام البلد المنظم. ورغم هذا المشوار الإيجابي للمنتخب الوطني بوصوله إلى الدور نصف النهائي، إلا أن الانتقادات طالت خيارات المدرب الراحل خالف محي الدين، ما جعله يتخذ عدة قرارات تحت الضغط، من بينها الاستنجاد ببعض المحترفين تحسبا لنهائيات مونديال 82، وفي مقدمتهم اللاعب المخضرم مصطفى دحلب. وبقدر ما سمح ذلك بتحقيق مسار إيجابي في كأس العالم بعد الفوز أمام ألمانيا والشيلي، إلا أن نقص الخبرة وعدم ضبط بعض الأمور خاصة من الناحية الإدارية حرم المنتخب الوطني من تحقيق مسار أفضل يسمح ل”الخضر” بالمرور إلى الدور الثاني في أول مشاركة لهم في هذا العرس العالمي.
الخروج من الدور الأول في “الكان” خلف متاعب لسعدان قبل مونديال مكسيكو
من جانب آخر، فإن عام 1986 يبقى شاهدا على متاعب المنتخب الوطني على خلفية خروجه من الدور الأول، في مجموعة كانت صعبة وجمعت منتخبات محترمة، حيث تعادل أبناء سعدان سلبيا أمام زامبيا والمغرب، ثم انهزموا في اللقاء الثالث والأخير أمام المنتخب الكاميروني بـ 3 أهداف مقابل هدفين في مباراة كانت متكافئة مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا أن حنكة روجي ميلا رجحت الكفة لأسود الكاميرون. وعلى ضوء الفشل في تجاوز عقبة الدور الأول، فقد تعرض المدرب رابح سعدان لضغوط بالجملة من جهات نافذة أرغمته على إحداث تغييرات في التعداد، من خلال التخلي عن خدمات عدة لاعبين شاركوا في “الكان” وتم تغييبهم عن مونديال مكسيكو، على غرار بويش وفرقاني ومرزقان وياحي والبقية، مقابل الاستنجاد ببعض اللاعبين المحترفين، ناهيك عن غياب الاستقرار الإداري على مستوى الفاف، والظروف التنظيمية السيئة التي ميزت التربص الذي سبق المونديال، وفترة تواجد المنتخب الوطني في مكسيكو، ما حرم زملاء بلومي من فرصة تاريخية لتحقيق مسار نوعي في كأس العالم، خاصة وأن “الخضر” استهلوا المنافسة بتعادل أمام إيرلندا ثم مقابلة بطولية أمام البرازيل كانوا يستحقون فيها التعادل لولا الخطأ الدفاعي الجماعي بقيادة قندوز ومجادي والحارس دريد، وصولا إلى الهزيمة أمام إسبانيا في ظروف تنظيمية ونفسية مزرية. ما عجل حينها برحيل المدرب سعدان والاستنجاد بخدمات الروسي روغوف الذي كان قد ساهم في تّأهل “الخضر” إلى مونديال 82.
التعثر في الوديات أرغم سعدان على مراجعات أسابيع مونديال 2010
سيناريو آخر، يمكن الإشارة إليه، ولو أنه غير مرتبط بشكل وثيق بين الكان والمونديال، هو ما حدث في 2010، حيث حقق المنتخب الوطني مسارا مهما في كأس إفريقيا رغم البداية الصعبة أمام ملاوي (خسارة بثلاثية)، حيث تأهل أبناء سعدان إلى الدور نصف النهائي وخسروا أمام مصر برباعية، في سيناريو أثار الكثير من الجدل، لكن، كان المشوار مقبولا نسبيا، مقارنة بوضعية المنتخب الوطني، إلا أن الإشكال حصل في الأشهر والأسابيع التي سبقت المونديال، بعد التعثرات المسجلة في عديد المباريات الودية، وفي مقدمة ذلك الخسارة بثلاثية في ملعب 5 جويلية أمام منتخب صربيا، وبثلاثية أخرى انهزم “الخضر” أمام إيرلندا في ملعب العاصمة دبلن، ما أرغم المدرب سعدان على التخلي عن بعض اللاعبين، يتقدمهم القائد منصوري الذي خسر مكانته كأساسي، والاستعانة بأسماء أخرى تنشط في بطولات أوروبية بقيادة مدحي لحسن. وقد شكل هذا الضغط تدخلا مباشرا أو غير مباشر على صلاحيات المدرب سعدان الذي حاول التكيف مع الوضعية التي مر بها المنتخب الوطني رغم كل الصعاب. وكان بالمقدور تحقيق مسار إيجابي لولا الخسارة في جولة الافتتاح أمام منتخب سلوفينيا، حين ارتكب شاوشي خطأ فادحا في التعامل مع الكرة قبل 11 دقيقة عن انتهاء الوقت الرسمي، لكن التعادل الأبيض في اللقاء الموالي أمام إنجلترا أعاد الأمور إلى السكة، ولو أن ذلك لم يترجم بنتيجة إيجابية أخرى في اللقاء الثالث أمام منتخب الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الهدف القاتل الذي تلقاه الحارس مبولحي في آخر أنفاس الوقت بدل الضائع، إثر هجمة معاكسة استغلها الأمريكيون بإحكام، في وقت ضيع صايفي ورفقاؤه عدة فرص قبل ذلك كانت قابلة لترجيح الكفة في وقت حساس من عمر المباراة.
وقفة روراوة جنّبت خاليلوزيتش الإقالة إثر الفشل في “كان 2013”
أما في سنة 2014 فاختلفت الأمور نسبيا رغم وقوع تعثرات مؤثرة في “الكان”، مطلع عام 2013. وقد خرج فيها المنتخب الوطني من الدور الأول، إثر هزيمتين متتاليين، أمام تونس والطوغو، وتعادل بطعم الخسارة أمام كوت ديفوار في الجولة الثالثة. وفي الوقت الذي تعرض المدرب خاليلوزيتش لانتقادات حادة، إلا أن “الفاف” بقيادة رئيسها محمد روراوة فضلت الإبقاء على خدماته، من خلال توفير الظروف المناسبة لمواصلة العمل بصورة عادية، مكنه من كسب تأشيرة التأهل إلى المونديال خريف ذات عام (2013) بعد تجاوز الدور الفاصل بصعوبة أمام المنتخب البوركينابي. وقد تمت التحضيرات بشكل جيد لمونديال البرازيل 2014، في ظل تواجد عدد هام من اللاعبين البارزين، ناهيك عن شخصية خاليلوزيتش التي تتسم بالصارمة. وفي الوقت الذي كانت البداية متعثرة أمام بلجيكا، فقد تم التدارك في اللقاءين المواليين أمام كوريا وروسيا، ما سمح بالتأهل إلى الدور الثاني لأول مرة في تاريخ الكرة الجزائرية، ليكون الموعد مع مواجهة المنتخب الألماني في مقابلة تاريخية لم تنته إلا بعد اللجوء إلى الشوطين الإضافيين.
والواضح، من خلال هذه التجارب والسيناريوهات التي مر بها المنتخب الوطني، في نهائيات كأس العالم على ضوء مسيرته في كأس إفريقيا التي تلعب عادة قبل أشهر قليلة عن المونديال، فإن المدرب بيتكوفيتش مطالب بقراءة حساباته بشكل جيد من هذا الجانب لتفادي أي مفاجآت غير سارة، والعمل من الآن على تحقيق مسار إيجابي في “الكان”، بغية التفاوض بشكل جيد مع تحديات المونديال، خاصة وأن أي تعثر سرعان ما يعيد الانتقادات الحادة إلى الواجهة. انتقادات تعقبها ضغوط مختلفة تنعكس آليا على نفسية اللاعبين فوق الميدان وخارجه.