الجزائر
الأستاذ الدكتور حبيب مونسي لـ"الشروق":

لوثة الحداثة فرّخت الإلحاد واتهامَ القرآن ونكران السنّة

حاوره: حسـن خليفة
  • 2206
  • 0
أرشيف
حبيب مونسي

الأستاذ الدكتور حبيب مونسي قامة فكرية وأدبية ونقدية عُرف بكتاباته في فلسفة القراءة ونظرياتها، والنقد ونقد النقد، وتشريح المشهد الثقافي والإبداعي (نحو 15 كتابا). عمل أستاذا في جامعة سيدي بلعباس، وله مشاركات وطنية ودولية في الملتقيات الفكرية والنقدية والأدبية.
حاورناه بتركيز في مسألة الحداثة والمشهدين الأدبي والنقدي في بلادنا فكان هذا الحوار.

موضة الحداثة أو لنقل “لوثة الحداثة” صارت طاغية في الأدب والفنون والنقد.. ما تفسيرك لهذا الطوفـان الحداثي الزاحف على حياتنا الأدبية والثقافية والعلمية؟

نعم، إنها لوثة حقيقية تحوّلت إلى مرض عضال يجب التخلص منه سريعا، إذا أردنا أن نبني أدبا عربيا، وأن نشكل معرفة نقدية عربية يجب أن يقرّ في أذهاننا أن الغرب كتب نقدا لأدبه وفكره، وأنه لم يُلزم أحدا من غير أبنائه بهذا النقد ولا بتلك المقولات والنظريات، وأننا نحن من سارع مع مطلع القرن العشرين إلى سِلال الغرب نأخذ منها أوراقا في النقد والفكر والفلسفة كان الغرب قد تجاوزها إلى غيرها، في إطار سيرورته الفكرية التي تجدِّد دوما أثوابها، فتُلقي عنها ما تراه باليـا وتستبدله بغيره مما يفرزه واقعُها السياسي والفكري والعلمي. ومعنى ذلك أن كل ما قمنا به في جامعاتنا وتآليفنا ومقالاتنا هو مجرد إسقاط لذلك النقد على الأدب العربي لم نراع فيه طبيعة اللغة العربية وخصوصيتها، ولا طبيعة الشعر العربي وحقيقته، ولا تاريخ الأدب وأعصره وجمالياته… كل ما فعلناه أننا أسقطنا ما قرأناه في كتب الغرب على تراثنا، بزعم أن ما توصل إليه الغرب “عالميٌّ” وأنه إذا كان صالحا لهم فهو صالحٌ لنا.
وابتداء من سنوات التسعينيات لم يعد لنا في أقسام الأدب العربي، أدبٌ عربيّ، وإنما أدبٌ غربي نكتبه بالحرف العربي ونمثل له من موروثنا الأدبي. وهو الشأن في التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، بل وفي كل المعارف الإنسانية؛ لأننا لم نعد ننتج المعرفة وإنما صرنا نستهلكها في أغلفتها الغربية ونحن نوهم أنفسنا أننا نتحدث عن المتنبي والبحتري ومفدي زكرياء… وأنت تمر على أقسام الأدب العربي ستسمع الأستاذ يلوك أسماء غربية، ولا تجد بين أسمائه اسما عربيا منتجا للمعرفة إلا أسماء يحملون أسفار الغرب على ظهورهم. صار أبناؤنا لا يحفظون بيتا من شعر المعلقات مثلا ولا يعرفون عالما من علماء العصور السالفة القريبة والبعيدة بسبب هذه الأخلاط المعرفية التي صاروا يمجُّونها ولا يستمعون إليها في قاعات الدرس، إذ هم يسمعون جعجعة الأساتذة في تخصصاتهم الغريبة. إنها لوثة يورثها أساتذة لطلبة الدكتوراه إذ يحسبون أن التحدث برطانتها هو العلم، وأن جرد أسماء أصحابها هو المعرفة.

ارتبطت الحداثة (العربية) في كثير من المعالجات أدبا ونقدا بالإساءة إلى المقدّسات ومصادمة الثوابت الدينية والمعرفية في نظامنا القيمي.. هل من تفسير؟

لنكن منصفين.. الحداثة الغربية صادقة مع موروثها الفكري المسيحي والإلحادي، فهي تتحدّث عنه أصالة، وليس عن موروث الأمم الأخرى. والذي تقصده بالديني هو ما ورثته عن اليهودية والمسيحية، وما تقصده من المقدسات هو ما ورثته من الكنيسة، وأنها تصادم ما تزعم الكنيسة أنه من ثوابتها العقدية، وأنها تتشكّك في القيم التي ترفعـها الكنيسة أو الفلسفة شعارا لها. إننا نجد كل ذلك في كتابات مفكّريهم الذي يرفعون شعار العلمانية عاليا في كتبهم وآرائهم، لكن العيب الكبير هو الذي اقترفه أبناؤنا حينما جاؤوا يسائلون التراث الإسلامي بأسئلة الحداثة الغربية، ويحاسبون القيم الإسلامية بميزان القيم الغربية، ويجرِّبـون المناهج التي ابتدعها وطبّقها العلمانيون مع كل ذلك في تراث الإسلام.
هنا كانت الجناية الحقة، وكان الخطأ الكبير الذي نرى اليوم نتائجه من إلحاد وتشكيك في الدين واتهام للقرآن الكريم، ونكران وعدوان على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم “المنهجِ العلمي”، والمنهجُ العلمي براء من ذلك كل البراءة.
إن الذي يعيد قراءة أسئلة الحداثة في إطار سياقاتها الغربية، يجد أن إجاباتها صحيحة إلى حد كبير؛ لأنّها تجيب عن واقع يعرفه الغرب قرابة الألفي سنة.
أمّا من يقرأ الإجابات التي قدّمها الحداثيون العرب فسيجد سخافات، ونبش في مزابل التاريخ لشذوذٍ محلي، يراد أن يُصنع منه أدلة على ما تطرحه أسئلة الحداثة.

ثمة نصوصٌ أدبية ونصوص نقدية عربية وجزائرية في شكل أطروحات تكاد تكون كفرا صريحا.. ما هي أسباب هذه الجرأة على الدّين والأخلاق والقيّم في رأيك؟

هناك أولا “المنهج” وثانيا “الباحث” وثالثا “المشرف” وهي أطراف مسؤولة على في الرسائل من انزلاق عقدي، وانزلاقات أخرى علمية ومعرفية. ذلك أن المناهج التي تسمي نفسها “علمية” والتي فُرضت على الباحثين فرضا من طرف أساتذة مشرفين، لا تسمح للباحثين بتجاوز أطرها المنهجية، فهي تقف حاجزا دون تجاوز عتبة التعليل الحسي المشاهَد، ولا تسمح للباحث بإبداء رأي خارج هذا الإطار الذي يقبل به العلم على حدّ زعمهم، مع أن هناك مناطقَ في المعرفة لا يمكن للعلم أن يصل إليها بأدواته التي يعرفها الناس اليوم، وليس له إلا التسليم بها حتى وإن لم تطلها الملاحظة والتجربة المباشرة.
غير أن المنهج في حقيقته اليوم صارف عن تجاوز تلك العقبات، فارض لحدود يلتزم بها الباحث إذا أراد لبحثه أن يكون بحثا علميا. ثم يأتي “الباحث” باعتباره المحرِّك للمادة المعرفية ضمن أنساق معرفية ليصل بها إلى نتيجة متوخاة منذ بدأ الرحلة البحثية، وغالبـا ما يكون الباحث غير مدرك لأبعاد ما يخوض فيه، ولا يملك فيه إلا بعض التصورات الباهتة التي تحتاج إلى كثير من القراءة والتبحُّر. ومن ثمّ تأتي أحكامه مبتسرة يقوِّيها بتلك الجرأة التي يلبسها لتغطية عجز الدقة العلمية والاستقصاء البحثي.
ومن هنا، نجد في كثير من الدراسات مواقف تشي بكثير من الجهل وقلة المعرفة، ولَيِّ الاستشهادات لتقول غير ما وُضعت له أساسا؛ خاصة إذا تعلق الأمر بالمسائل العقدية، أو التاريخية، أو الفكرية. وهؤلاء لا يدركون أن الأدب ليس فنا معزولا عن الدين، وعن الحياة، بل هو إفرازٌ لإنسان يتحرك في سياق ديني واجتماعي وفكري… ومنه يكون كل إفراز مصطبَغا بهذه السياقات التي ذكرناها من قبل. ثم يأتي المشرف الذي عادة ما يكون مشغولا عن الرسالة، وإن تابعها فهو مشغولٌ بشكلها فقط، أما ما تحتوي عليه من أفكار يمكن أن تكون صادمة، ذات جرأة على المقدسات، فإنه لا يعبأ بها حتى تثار أثناء المناقشة من طرف زملائه، وهنا لن يجد بدًّا من أن يكون مدافعا عن الباحث متبنيا لبعض ما جاء في الرسالة من انحرافات. وقد عشنا ذلك مرارا في جلسات المناقشة ونحن نراجع مقولات حداثية مست بقدُسية القرآن الكريم، وأخرى شككت في صلاحية أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة “الوضع والكذب على رسول الله”، وأخرى ترى في القرآن والحديث تعارضا مع متطلبات المنهج العلمي.

اشتغلتَ على مدى غير قصير في الحقل النقدي.. كيف تقيّم هذا المنشط المعرفي في وطننا العربي وفي الجزائر؟ (النقد الأدبي: مستوياته وفعاليته وفائدته).

كل من يحمل تصوّرا خاصا للفعل النقدي سيجد مقاومة شرسة لما ينشره ويكتبه ويحاضر به. وقد حدث معي هذا الأمر ويحدث باستمرار. والسبب في ذلك أنني لا أزال أعتقد أن النقد “حكم” وأن الحكم هو القول بالاستحسان أو الاستهجان. وأن الناقد يعود في ذلك إلى ثقافته، وجملة القيم الدينية والجمالية التي يحملها في نفسه باعتباره قارئا يملك تجربة صنعتها سنوات المعايشـة للنصوص والتجارب الفنية، فهو ليس بالقارئ العادي الذي تروِّج له الحداثة، والتي تريد أن تصنع منه حكما في التجربة الجمالية والفنية وإنما الناقد “فقيهٌ” في فنه، عارف بما يجري في أنساقه وسياقاته على حد سواء. وهو بفقهه ذاك قادر على تلمس الجوانب الجمالية التي تكون في الأثر الفني حتى وإن لم يرق له الأثر في وجه من الوجوه. ويفرض عليه ذلك الفقه أن يكون عدلا في حكمه، غير منافق في رأيه.
صحيحٌ أننا نستعمل اصطلاحات يقولون عنها دينية، ولكنها في واقع الأمر هي عين ما استخدمه الغرب في فترة من الفترات التي كان فيها النقد حكما قبل أن تأتي الحداثة فتميّعه تمييعا فقدَت فيه تلك الحاسة التي تستطيع أن تثمن الجيد من الآثار، وترد السيئ منها ردا جميلا.

أوضح لنا ذلك من فضلك..

جاءت الحداثة بالمناهج الواصفة في النقد، وهي المناهج التي لا تبحث فيما تقوله النصوص، وإنما يقتصر همّها على: كيف تقول النصوص. ومن هنا تساوت أمامها كل النصوص على مطلقيتها، إذا لم يعد هناك فرقٌ لساني بين تقرير مرضي يكتبه الطبيب ونص شعري أو نثري يقدمه صاحبه على أنه إبداعٌ أدبي؛ لأنها كلها نصوص تتساوى من حيث الشكل واللغة والقصد.
هذه المناهج الواصفة قتلت الحاسة النقدية، وأبطلت الانطباع الأولي بالنصوص جماليا ودلاليا، وجعلت الاهتمام بالشكل محط نظرها الذي يفوت عليها فرص مناقشة الأفكار وتحميل أصحابها مسؤولية ما يوجد بداخلها من رأي وتوجه وموقف.
بتعبير آخر: إنها تخلي سبيل الكاتب من كل مسؤولية، وله قبل ذلك أن يكتب ما يشاء في “لحظة الإبداع” وليس لأحد أن يسائله بعدها عن الفكرة، والرأي والموقف؛ لأنه يكون قد خرج منها إلى حال أخرى غير التي كان عليها أثناء الكتابة.
ولم يعد النصّ مسؤوليته، وإنما هو ملك القارئ يقع تحت سلطته. ولست أدري بأي طريقة استطاعوا تمرير هذه الخرافة، وكيف أنها انطلت على آلاف من الدارسين، وكيف أنهم سمحوا من خلالها لكل معتوه أن ينفث سمومه وأحقاده بزعم حرية الرأي وحرية التفكير؟ ولا أرى أن مثل هذا الزعم الذي جاءت به الحداثة إلا خدعة للسماح لمثل هؤلاء أن يفسدوا أذواق الناس وأن يسمّموا أفكارهم، وأن ينبشوا في تراثهم عن أسباب الفرقة والطائفيات العمياء، والمذهبيات الرعناء، والهويات الخرقاء. وإني أجزم أننا لم نقرأ نصا نقديا يشفي الغليل.

في التحليل النهائي لمشهدنا الثقافي والنقدي والأدبي.. ماذا تقول؟ وأين هي مواطن الوجع والخيبة والفشل؟

يجب أولا التخلص من المناهج الواصفة، وأن نعود لشخصية الناقد المثقف الفقيه، أن نقدّم نقد الأفكار على نقد الشكل، وأن نثمّن النقد الجادّ الباني الذي يؤلم ولكنه ينصح، وأن ندع نقد المقاهي، ذلك النقد المنافق، الذي يطري النرجسيات المريضة وينفخها نفخا مرضيا يرهِّل أطرافها الإبداعية.
نحن في حاجة إلى نقد يخافه المبدع فيحسب له ألف حساب وهو يقبل على كتابة القصيدة الشعرية والرواية والقصة القصيرة والمقال النقدي كذلك؛ بحيث يشعر أن هناك نسقا معرفيا يقف وراءه لينظر في أدلته وشواهده، ليراقب منهج تفكيره، ويحسب عدد خطواته في الموضوع.
سيقول بعضهم هذه ديكتاتورية وليست نقدا، وأنها مراقبة للضمائر والنيات.. نعم ليكن ذلك، لأننا نريد أديبا إذا فكر فكّـر وفق رؤية ومنهج وإن اختلفنا معه لأننا لا نرفض الاختلاف وإنما نرفض التدليس والتلبيس والكذب على الحقائق والتاريخ.
ونريده حين يعرض بضاعته على القراء لا يدير لها ظهره مدعيا أنها ليست له وأنه علينا أن نتعامل مع نصه وكأنه لقيط رمت به خاطئة على قارعة الطريق. نريده مدافعا شرسا عن نصه، يستفيد من ناقده ليثمِّن نصَّه مرة أخرى، وليدفع عنه سوء الفهم والظن.

كيف نستعيد حياتنا الفكريةـ الثقافية الحقيقية بما يسمح للثقافة والأدب أن تُثمر وتساعد على بناء الإنسان وتنمية الأوطان؟

هذا سؤالٌ كبير.. أوّلا يجب إحداث ثورة في المنظومة التربوية من الابتدائي إلى الجامعي، وجعلها تتحرك في نطاق مشروع أمة، ومشروع وطن، لا تعبأ بالمتغيرات التي تحدث على مستوى السياسة، وإنما تمضي إلى مراميها مع كل تغيّر على مستوى السياسة. هي منظومة تقع خارج التحولات لأنها تبني الإنسان والوطن، أما المتغيرات الأخرى كالاقتصاد والسياسة فأمرٌ مختلف. ولا بدّ للدستور أن يحمي استمرارية المشروع التربوي فلا يكون عرضة لأهواء وزراء أو حكومات. وإنما يكون المشروع بين يدي خلايا تفكير في كل مجالات التربية تسير معه خطوة خطوة لصناعة الإنسان. من خلال مراقبة البرامج ومحتوياتها وطرق توصيلها إلى المتعلم وكيفيات استثمارها في الحقل المعرفي والثقافي.

ولنا في النماذج العالمية أمثلة على هذه الاستمرارية التي تحسب الأزمنة بأعمار الأجيال وليس بخماسيات الأحوال السياسية. إذا حققنا هذا الشرط فستستقيم أمور الثقافة، والمعرفة، والإبداع على نحو سريع قوي متين، لا تعصف به الأهواء والأفكار الشاذة، ولا توقفه المحاولات البائسة التي تريد أن تعترض طريقه من مثل ما نرى من أفاعيل العلمانيين وغيرهم.

مقالات ذات صلة