لو كان ذا عقلٍ لكنت عاقلتُه
يقول بعض العرب الأقحاح في أمثالهم البليغة عندما يعرِضون عن السفهاء، ويمرُّون عن اللغو: “لو كان ذا عقل لكنتُ عاقلتُه”، أو لو أن صاحب هذه “الهدرة” يملك عقلا سويًّا، وفؤادا ذكيًّا، وقال كلاما منطقيًّا لرددتُ عليه بمثل ما قال، ولكنه كان كمن “قال ولم يقُل”.
جالت في ذهني هذه الكلمات الحكيمة وأنا أقرأ “هدرة” لأحد السفهاء الفرنسيين، وما أكثر السفهاء في فرنسا.
هذه “الهدرة” التي لا تصدر إلا من فرنسيٍّ هي: “إن الجزائريين هم من يتعيَّن عليهم تقديم الشكر لفرنسا على ما تركته من إنجازات في الجزائر…” (الشروق 8/7/2021 ص3). هذه “الهدرة” لا تدلُّ على أن صاحبها ذو عقلٍ ينبغي أن يُلقى السمعُ لما يقول، وأن يُنعَم النظرُ فيما قال، فالإعراضُ عنه وعن “هدرته” هو عينُ الحكمة، ومع ذلك فلن أعمل بمضمون هذا المثل العربي، وسأرمي صاحبها بحجر كما يُرجم الشيطانُ في منى، وكما يُرمى الكلابُ في كل مكان..
وأما صاحبُ هذه “الهدرة” فهو “كائنٌ فرنسي” سمّاه من وَلدَاه “جيرار تاردي” ويشغل حاليا رئيس بلدية لوريت في جنوب فرنسا..
إن “هدرة” هذا الـ”جيرار” تدلُّ على أنه جاهلٌ أو على أنه لا يفهم، وأرجِّح أنه متَّصفٌ بالأمرين معا؛ أي الجهل وعدم الفهم..
لن أكثِر من الاستشهادات التي تؤكِّد سفاهة ما تفوَّه به، وهي استشهاداتٌ لفرنسيين عسكريين ومدنيين، تؤكِّد أن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان كارثة على البشر، والحجر، والحيوان والشجر، وأنه منع الجزائريين من أبسط ما يحتاجه الناس.. ولو لم يكن الفرنسيون في حاجة إلى سواعد الجزائريين لمنعوا عنهم الماء والهواء، ألم يُسمِّ بعضُ الفرنسيين في القرن التاسع عشر الجزائريين “هنودَ الجزائر”، أي يجب أن يُفعل بهم ما فعل بنو عمِّهم الأوروبيون في سكان العالم الجديد الذي صار يُعرف باسم أمريكا. وما منعهم من ذلك إلا أصالة عرق أجدادنا، وقوة إيمانهم، وشدة بأسهم؟
أكتفي بإيراد جملةٍ لأحد أعلام فرنسا، وهو جان بول سارتر يقول فيها: “إن العمل الفرنسي كلَّه في الجزائر قد أنجِز لصالح المستعمِرين”. (جان بول سارتر: عارُنا في الجزائر. ص 21).
وتقول إحصائيات الفرنسيين إنه في سنة 1943 لم يكن في الجزائريين إلا 3 مهندسين، و7 محامين، و10 معلمين في التعليم الثانوي، و22 بين أطباء أسنان وصيادلة، و41 طبيبا. (أنظر: سعد الله: الحركة الوطنية. ج 2. ص 160. دار الغرب الإسلامي). بينما يوجد في فرنسا الآن بعد تسع وخمسين سنة من الاستقلال آلافُ الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات من أبناء الجزائر.
بعدما قرأتُ في “الشروق”، وسمعت في برنامج “فوق السلطة” ما تفوَّه به هذا الـ”جيرار” تذكَّرت عنوان كتاب للإمام أبي بكر محمد بن خلف ابن المرزبان (ت 309 هـ) هو: “فضلُ الكلاب على كثيرٍ ممن لبس الثياب” مع الاعتذار لجنس الكلاب، ما عدا الكلاب الفرنسية..
ورحم الله الإمام محمد الغزالي القائل: “الفرنسيون أكذبُ أهل الأرض”. (أنظر كتابه: سرُّ تأخر العرب والمسلمين. ط. دار البعث. قسنطينة. ص 119).