الرأي

ليبيا في مفترق الطرق

عمار يزلي
  • 640
  • 0
ح.م

بعد الاتفاق المعلن بين الفرقاء في ليبيا، لم يعد الآن بإمكان أحد أن يكتب “ليبيا” من اليمين إلى اليسار ولا من اليسار إلى اليمين: ليبيا التي لا تريد التقسيم ولا التجزئة كما أريد لها، إنها تريد أن تصمد في وجه الرياح العاتية، الآتية من الشرق والقادمة من الغرب والآتية من الشمال والمرسلة من الجنوب. إنها مثلنا تعاني من تكالب القوى الخارجية على أرضها الشاسعة ونفطها المستباح وخيراتها المدفونة تحت الماء وكثبان الرمال.

إعلانُ وقف إطلاق النار من الجانب الشرقي ومن الجانب الغربي ووضع سيرت والجفرة منطقتين منزوعتي سلاح، قد يؤمِّن فرصة قيام إجماع جديد تمهيدا للانتقال إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مارس المقبل كما تقدِّمه خارطة الطريق التي أعدتها تفاهمات مخرجات مؤتمر برلين.. خاصة التفاهم التركي الروسي.

لم يكن مسعى الجزائر الذي حرّك الحَراك الليبي غداة الانتخابات الرئاسية الجزائرية، إلا هذا المبتغى: رؤية ليبيا موحدة، مدنية، ديمقراطية توافقية، لا حل عسكريا ولا زعزعة المنطقة بأسرها لأجل مغامرين فشلوا في أكثر من مرة وموقع وموقف في إعادة العسكر إلى الحكم. المسعى الجزائري، قد يكلَّل بالنجاح فقط إذا استمرَّ الضغط الخارجي من الدول الراعية للاتفاق على الفرقاء الداخليين، للجلوس إلى طاولة تفاهماتٍ جديدة لتدشين مرحلة جديدة لجمهورية ليبية جديدة.

للأسف، قد نرى في المستقبل صعوباتٍ في تنفيذ اتفاق إطلاق النار، خاصة وأن هناك عنصرا خاسرا مستبعدا من العملية السياسية وهو القيادة العسكرية التي قد لا تقبل بأيّ شروط للتفريط في المطامح.. والمطامع.. لكن الضغط الدولي قد يجبر الطرف المعتدي عسكريا على العاصمة طرابلس على أن يخضع للإرادة السياسية المدنية لدى الليبيين الذين ملوا من إكراهات الحرب والتفرقة والانقسام بين أبناء البلد الواحد.

الجزائر مطالَبة من جهتها اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بمواصلة العمل الدبلوماسي داخل ليبيا وخارجها مع كل الأطراف الفاعلة والمتدخِّلة في الشأن الليبي، من روسيا إلى أنقرة إلى مصر والاتحاد الأوربي عبر الأمم المتحدة. من جهة أخرى، على مصر وتركيا أن تدخلا في اتصالات مباشرة بشأن الوضع في ليبيا وهذا بمشاركة دول الجوار خاصة تونس والجزائر واستبعاد الأطراف المتغلغلة من بعيد عن طريق مالها وميليشياتها بغية إرباك الوضع الليبي، لاسيما وأننا نلمس اليوم التمدُّد الصهيوني في المنطقة عبر آليات التطبيع، والجزائر هي أكبر الدول المستهدَفة من قبل هذا السرطان الرئوي.

ليبيا اليوم تعيش حالة مخاض جديد، يجب أن لا يمنع من ولادة يسيرة ومضمونة النجاح والديمومة خاصة؛ فالقوى المتضررة من نجاح الليبيين في بناء دولتهم المدنية الديمقراطية السلمية، قد يشفع لهم في نظرهم تعكير صفو الهدوء من أجل استمرار النزاع طويلا بسبب خلافات قبلية وإيديولوجية أو حتى مذهبية دينية.

لن يكون بمقدور الليبيين أن يعيشوا بدون شرق وغرب وجنوب، ولا بدون مصر والجزائر وتونس وبقية دول الجنوب، فليبيا دولة قارّة، والجزائر من خلال ليبيا الموحدة المدنية الديمقراطية، يمكنها أن تفتح سبل إنجاح مسار جديدة لاتحاد المغرب العربي ولمَ لا الشمال الإفريقي بما في ذلك مصر؟

لم يعد يوجد وقتٌ كاف لإضاعته في المناكفات السياسية بين الليبيين، وعليهم أن يجتمعوا فورا إلى طاولة حوار هادئ ومسئول إخراج الجسم السياسي الجديدة الذي سيمهِّد لانتخابات تشريعية ورئاسية في القريب العادل وإخراج ليبيا من دوامة الحرب واللاستقرار وخطر التقسيم وتفجير المنطقة برمَّتها.

مقالات ذات صلة