ليتني مثل الرئيس..!!
كتب إليَّ أحد مخرجي الدراما السورية – من مهجره البعيد – على صفحتي في الإنترنت معاتباً:
– لم أقرأ لك كلمة واحدة عن الأديب الراحل عبد النبي حجازي، رغم مرور أيام على فقدنا إياه، وكأنه لم يكن من كبار صناع الدراما السورية: كاتباً درامياً مبدعاً (من أبرز مسلسلاته: هجرة القلوب إلى القلوب – الأيام المتمردة – بيت العزّ)، وراعياً لانطلاقتها الكبيرة في التسعينيات (من خلال موقعه الإداري مديراً عاماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وهو صاحب الفضل الكبير في انطلاقة القطاع الخاص الذي كان الرافد العظيم للدراما السورية، وانتشارها العربي)..!! أو كأنك لم تعرفه أديباً روائياً له مكانته في الرواية السورية (من رواياته: قارب الزمن الثقيل – المتعدد – المتألق – زهرة الرمان) وصحفياً جريئاً ساخراً، لكلماته نكهة مميزة (فهو من أبرز كتاب الرأي، ورئيس تحرير “الأسبوع الأدبي” أول جريدة ثقافية في سورية)..!! أو كأنك لم تحتك به صديقاً، وزميلاً في العمل الإعلامي تحت قيادته مركب الإذاعة والتلفزيون تسع سنين عددا..؟!! أو كأنك..!! أو كأنك..!!
– كلمة (كأنك) هذه – التي رددتها كثيراً، في احتجاجك المحِق هذا – أثارت في نفسي لواعج احتجاج قديمة، عايشتها وأنا أقرأ للشاعرة العباسية ليلى بنت طريف، حين كانت تعبر نهر الخابور بصحبة شقيقها البطل الوليد بن طريف وكان محمولاً على محفّة الموت، إذ قالت تعاتب شجر ذلك النهر على اخضراره وبلادته:
أيا شجر الخابور ما لكَ مُورقاً كأّنك لم تَجزعْ على ابن طريفِ؟!!
بلى.. لقد هزني رحيل الكاتب الكبير الصديق عبد النبي حجازي، على “غفلة” مني، فما وجدت في عيني أمام صورته “الأخيرة” – على صفحته في الإنترنت – سوى الوجوم، ولا في فمي سوى الصمت المر..!! وما زال الصمت والوجوم يتعاونان عليَّ وأنا أقرأ كلمات التأبين المتعاقبة، من عشرات الأصدقاء: كتاباً ومخرجين وإعلاميين، ومن أفراد كثيرين من أقاربه، وجمهوره، وعارفي فضله في مختلف المجالات، الذين سيفتقدون آراءه التي لم يتخل عن الإدلاء بها في كل صغيرة وكبيرة، حتى وهو يصارع المرض في أيامه الأخيرة..!! وما أكثر ما ملأ صفحته على الفيسبوك من تعليقات مباشرة وغير مباشرة: (يوميات – حكايات – أشعار قديمة وحديثة – تعليقات ساخرة – حكم عربية وعالمية – واحتجاجات صاخبة على مظاهر الخطأ والخلل في مختلف جوانب حياتنا.. لا سيمّا في أيامنا المعمدّة بالدم والدخان والخراب..!!)
– نعم.. فقد تابعت صفحته تلك..!! كانت روح الكوميديا الساخرة لا تفارق قلمه فيما يكتب أو يختار، وكان يتعلق بحبال الأمل، وجدائل الشمس، رغم هبوب رياح اليأس الأصفر..!! ففي قلب
الظلام.. كان يذكرنا بالمسرحية الكوميدية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة” التي استوحاها كاتبها ألفريد فرج من ألف ليلة وليلة، ويلخصها لنا بمواقفها الضاحكة، بين التابع الساذج “قفة” وسيده الحالم “علي جناح”، ليعلق بعدها بقوله: كان الكاتب يريد أن يقول بعد نكسة حزيران 1967 “إن أجواء الحرب ومآسيها التي عمت البلد – وقتها – لا يمكن مقاومتها إلا بالعمل على إشاعة ثقافة الأمل”..!!
– ويحتج – ساخراً – على آلية اعتقال أصحاب الرأي الآخر.. الآلية الغبية التي لا تعرف الأنظمة العربية الشائهة سواها من أساليب “الحوار” و”مقارعة الفكر”..!! فيكتب ما يشبه قصة قصيرة عن اعتقاله، والتحقيق معه، حيث كان ضابط الأمن يسأله: ما هو الشيء الذي يوجد في الدقيقة مرتين وفي القرن مرة واحدة؟ فيجيبه: حرف القاف..!! فتكون مكافأته إطلاق سراحه..!!
– لقد كانت لك معه مواقف، دون شك.. في علاقتكما الشخصية.. والاحتكاك العملي..؟؟
– مواقف كثيرة، وحكايات طريفة.. فيها المرّ.. وفيها الحلو.. ولكنها – جميعاً – مما يبرز سعة صدره وانفساح أفقه، وعمق نظرته، و”موضوعيته” في حدود ما يمكن للمثقف العربي أن يكون موضوعياً..!! و”حريته” في المدى المتاح للإداري المسؤول – في واقع متخلف – أن يكون “حراً”..!! إلى جانب حبّه للآخرين، ولـ “روح الدعابة والمرح” التي كانت السمة الغالبة على شخصيته، بعيداً عن العمل، وفي أثناء رفقة الأسفار..!!
– شوقتني..؟؟!
.
– ذات يوم، جاءني أحد المخرجين “المتواضعين” بتمثيلية مفردة، كتبها الأستاذ عبد النبي، وكان مديراً عاماً علينا، وكنت مسؤولاً عن النصوص الدرامية، وقد راهن هذا المخرج على “هزيمتي” بعد أن رفضت له نصوصاً رديئة عدة، قبل ذلك..!! وحين قرأت تلك التمثيلية، فوجئت بأنها “عادية” على غير ما توقعت..!! وقررت الاعتذار لكاتبها – المدير العام – عن عدم الموافقة على إنتاجها..!! وحين أبلغته بذلك – بيني وبينه على فنجان قهوة – ابتسم لي بحب، وقال معتذراً: معك حق.. فهي من كتاباتي القديمة.. وقد تغاضيت عن “ضعفها” تحت ضغط شديد من هذا المخرج “الفطحل”..!!
– الله!! زدني أرجوك..!!
– قلت له ذات يوم، وقد لاحظت أنه غرق تماماً في مشاغل العمل مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون: أشك في أنَّ لديك وقتاً حتى للقراءة..!! فراح يقص عليّ “نادرة” أوردها الكاتب “ماركيز” في مذكراته قائلاً: بسبب خطأ في التوقيت اتصل غارثيا ماركيز بالقصر الجمهوري، في الهزيع الأخير من الليل، فشُدِه عندما جاءه صوت رئيس الجمهورية الكولومبي “بيلساريو بيتانكور”: لا تقلق.. ففي هذه الوظيفة شديدة التعقيد، لا يبقى لي متسع آخر من الوقت لقراءة الشعر..!! ثم علق عبد النبي قائلاً: مع الفارق طبعاً.. كم أتمنى لو كنت مثل ذلك الرئيس في الحرص على القراءة..!!