لينا زهر الدين تشيد بالشروق وتتحدث:وضاح خنفر وصف مذيعات الجزيرة بتماثيل الشمع ومنع عنهن الكعب العالي
الإعلامية اللبنانية لينا زهرالدين، لها تجربة متميزة بدأتها في قنوات لبنانية ثم التحقت بالجزيرة في 2002، وصارت أحد نجماتها بلا منازع على مدار سنوات، حتى أعلنت استقالتها رفقة مذيعات أخريات في ماي 2010 لتهز بذلك بيت القناة القطرية. نشرت خلال الأيام الماضية كتابا تحت عنوان ”الجزيرة ليست نهاية المشوار”، أثار بدوره ضجة عارمة في مختلف وسائل الإعلام آثرت توقيعه في ذكرى العدوان الإسرائيلي على لبنان في جويلية 2006 .في هذا الحوار الذي خصت به “الشروق اليومي” كأول صحيفة جزائرية تتحدث لها، باحت بأمور مختلفة عن تجربتها ومؤلفها وأشياء أخرى مختلفة، ولم تتردد في التعبير عن فيض مشاعرها تجاه الجزائر وإشادتها بمهنية “الشروق”.
-
لماذا كتاب ”الجزيرة ليست نهاية المشوار” في هذا الوقت بالذات؟
-
في الواقع، فكرة الكتاب راودتني بعد أشهر قليلة من تركي لقناة الجزيرة، أي قبل بدء الثورات العربية. وعندما انتهيت من تحريره، كانت الساحات العربية قد بدأت تكتظّ بالجماهير المنادية بالإصلاحات والتغيير، ما دفعني إلى إنهاء الكتاب بالحديث عن هذه الثورات ولو بشكل سريع وطريقة تغطية الجزيرة لها. هذا يعني أن إصدار الكتاب لم يكن ضمن حملة على قناة الجزيرة كما حاول البعض أن يروّج. ومن يقرأ مضمونه يدرك أنني حرصتُ على ألا أكون ناكرة للجميل، سواء لقناة الجزيرة أو للبلد الذي احتضنني واحتضن عائلتي لأكثر من ثماني سنوات. ولكن هذا لا يعني أنْ ليس من حقي انتقاد تغطية قناة الجزيرة وأدائها الإعلامي. تلك سياستهم وهم أحرار بها، وهذا رأيي وأنا حرة في إشهاره! أضف إلى ذلك أن الكتاب هو سرد لمراحل مختلفة من حياتي الشخصية والمهنية منذ الطفولة وحتى استقالتي من قناة الجزيرة. يعني أنه لا يقتصر فقط على الحديث عن قناة الجزيرة.
-
-
أثير إعلاميا أن سبب استقالتك مع زميلاتك الأخريات يتعلق بطريقة اللباس، وأنت ذكرت في كتابك أن ذلك مجرد قشة قصمت ظهر البعير، فهل من حقائق أخرى فضلت الإعلامية لينا زهرالدين تأجيل البوح بها حتى الوقت الحالي؟
-
استقالتي من قناة الجزيرة- كما ذكرت سابقاً- كانت لعدة أسباب، أبرزها طريقة التعاطي غير المهني من قبل الإدارة معي ومع زميلاتي كإعلاميات كنّ يؤدين دورهن بكل احتراف وأمانة، وشخصنة الأمور والمزاجية في معاملتنا من قبل المدير العام للقناة مباشرة أو من خلال نائب رئيس التحرير المقرب منه سياسياً وعقائدياً، وتوجيه الانتقادات والإنذارات الشفهية والمكتوبة لنا بمسوّغ أو بدونه. لكن السبب الذي طفا على السطح وتناقلته الصحافة وركزت عليه هو موضوع اللباس الذي كان ثانوياً. وأترك للقراء الأعزاء فرصة الاطلاع على الكثير من التفاصيل اليومية التي كانت تحدث وراء الكواليس.
-
-
ماهي الأسباب التي جعلتك تؤكدين أن الجزيرة ليست قناة مستقلة بل تابعة للدولة القطرية وتخضع لسياستها؟
-
هل تعتقد أن هناك دولة في العالم بلا أجندة سياسية أواقتصادية أو إعلامية؟ ألا تتفق معي بأن الإعلام يمثل اليوم أقوى الأسلحة، بعد أن باتت الصورة أقوى من الرصاصة؟ من البديهي أن تستغل هذه الدولة أو تلك كل إمكانياتها الإعلامية- إن توفرت- لتنفيذ سياساتها، فما بالك إن كان الحديث عن قناة بحجم الجزيرة؟ لدرجة ذهب بها البعض إلى اعتبار أن الجزيرة دولة وعاصمتها قطر!
-
-
حسب ما تناقلته وسائل الإعلام أنه جرت محاولات من أعلى مستوى لأجل عودتك للجزيرة، فهل كان ذلك من طرف إدارة القناة أو من دولة قطر؟
-
بالفعل، جرت تدخلات من أعلى المستويات من قبل الإدارة ومن قبل مسؤولين كبار لثنيي أنا وبعض زميلاتي عن الاستقالة، ولكننا لم نتراجع عنها، لأننا اعتبرنا أن المسألة مسألة حق وكرامة بالدرجة الأولى.
-
-
عايشت الجزيرة من الداخل منذ 2002 وفي عزّ مجدها وانتشارها، فهل يوجد ما يثبت تدخّل الدولة القطرية في تسيير بعض البرامج أو توجيه الأخبار؟
-
كان هناك تعليمات واضحة بتناول هذا الملف أو ذاك أو تسليط الضوء على هذا الخبر أو ذاك. وإلا، فكيف تفسّر توقف قناة الجزيرة فجأة عن انتقاد السـعودية مثلاً، بعد أن كانت كل سهامها مسلّطة على هذا البلد؟! وكيف تفسّر تغطية الجزيرة لخبر مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن ورميه في البحر بهذه الطريقة المنافية لكل التقاليد والتعاليم السماوية، ومرور هذا الخبر “مرور الكرام” في القناة وهي التي اعتبرت في يوم من الأيام الناطقة باسم أسامة بن لادن؟ وكيف تفسّر دعم قناة الجزيرة لثورة مصر مثلا ومساهمتها في نجاحها مساهمة فعّالة في حين أحجمت عن دعم الشارع المغربي أو البحريني أو الأردني مثلاً بنفس الطريقة والتغطية؟ أوليست هذه سياسة دولة وليست سياسة مجرد محطة إخبارية؟! وبالمناسبة فإن هذه السياسات متبعة في جميع المؤسسات الإعلامية من دون استثناء، الغربية منها والعربية.
-
-
سبقت استقالتك ما تسمى الثورات العربية، فهل لمست خلال فترة عملك بدهاليز القناة ما يوحي بوجود انقلاب إعلامي يعدّ له مسبقا؟
-
يتبجّح من يقول إنه كان عالـِماً بسيناريو الثورات العربية قبل وقوعها. كانت تحركات الشوارع العربية مفاجئة للجميع، ولم يكن هناك تصوّر لإمكانية وقوعها لا من قبل سياسيين ولا من قبل أكبر المحللين والخبراء. ولكن، فيما بعد، كل وسيلة إعلامية تعاطت مع مجرياتها بالطريقة التي تناسب مصالحها وسياساتها، ومن بينها، طبعا، قناة الجزيرة.
-
-
تحدثت في الكتاب عن تغيّر في القناة منذ وصول وضاح خنفر لمنصب مديرها العام، فما الذي تغير بالضبط؟
-
ما تغير في الجزيرة بعد وصول وضاح خنفر إلى إدارتها هو طريقة تعاطيه المتعالية مع الموظفين، وإغلاق أبوابه أمامهم، حتى وصل به الأمر إلى إلغاء الاجتماعات الخاصة بالمذيعين واجهة القناة. كما أنه صرف العديد من “الطقم القديم”، واستبدله بمستشارين ومساعدين لا عدّ لهم ولا حصر. كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة تخص المذيعات، إلى درجة أنه وصفهن بتماثيل الشمع، وأصدر تعميماً منعهن فيه من انتعال الكعب العالي!!
-
يوجد من يتحدث عن سيطرة الإخوان على شؤون القناة، بل يوجد من وصفها أنها صارت أصولية، فهل هذا صحيح؟
-
ليس خافياً على أحد سيطرة فكر عقائدي متشدد على القناة، بدءا من المدير، مروراً بنائب رئيس التحرير، وصولاً إلى بعض موظفي الشؤون الإدارية والمالية. واسمح لي هنا أن أوضّح أمراً أعتبره مهماً. فأن تكون ملتزماً دينياً أو متشدداً عقائدياً أو لديك أفكارٌ من أي نوع، فهذا ليس عيباً أو اتهاماً. ولكن العيب وغير المسموح به أبداً، هو أن تفرض أفكارك ومعتقداتك على الغير في صرح إعلامي لم يعد ملكاً لهذا الشخص أو ذاك بقدر ما هو ملك للجماهير. كان البعض يتصرّف معنا وكأننا في جامع، مع احترامي لكل المتديّنين، ولكننا في النهاية لسنا في جامع!
-
-
ظلت الجزائر لها أجندة خاصة في برامج الجزيرة، مما دفع السلطات لمنعها من فتح مكتب لها، فما تعليقك؟
-
من المعروف أن مكتب قناة الجزيرة في الجزائر أغلق لأسباب عديدة، لعل أبرزها إقدام القناة على قطع حوار كانت تجريه مع الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي كان مترشحا للانتخابات الرئاسية عام 1998، عبر برنامج “بلا حدود” للزميل أحمد منصور، من أجل نقل تغطية لأحداث كوسوفو على ما أذكر. وقد تسبب ذلك في توتّر كبير بين قطر والجزائر. ثم بعد ذلك نشر الجزيرة لاستفتاء عن مدى تأييد الناس لهجمات تنظيم القاعدة في الجزائر… وجاء الاستفتاء عقب مقتل عشرات الجزائريين المدنيين نتيجة أحد الإعتداءات الإرهابية. وكان هذا برأيي خطأ فادحا وقعت به الجزيرة. كما أذكر تماما تلك الحلقة نفسها التي إتهم فيها الرئيس بوتفليقة الزميل أحمد منصور بالترويج لإشاعات خطيرة، كما قال، ضد الرئيس بومدين ونظامه الذي وصفه بالعهد الذهبي للجزائر منذ استقلالها.. يضاف إلى ذلك ملفات كثيرة أهمها إعتقاد كثيرين بأن قناة الجزيرة كانت تدعم المعارضة الجزائرية وخاصة أولئك الذين يتهمون المؤسسة العسكرية بالمجازر، وظلت تفتح لهم شاشتها للهجوم والنقد اللاذع.. الخ، علما أنها جرت عدة محاولات لإعادة فتح مكتب قناة الجزائر في الجزائر ولكن دون جدوى.
-
-
لماذا في رأيك تمّ تغييب برامج الرأي الآخر سواء ”أكثر من رأي” الذي جرى توقيفه من قبل أو ”الإتجاه المعاكس” الذي غاب عن الشاشة في حمى هذه الثورات؟
-
منذ اندلاع الثورات العربية أعتقد أن قناة الجزيرة ارتأت إلغاء برامجها وإفراد مساحات واسعة من بثها لتغطية هذه الثورات من خلال النشرات الإخبارية لئلا تضطر إلى قطع برامجها في كل مرة يحدث فيها تطور في الشارع. أما عن برنامج “أكثر من رأي” الذي كان يقدمه الزميل سامي حداد فقد تم توقيفه منذ فترة حيث كنت مازلت أعمل في القناة، وذلك في إطار عملية تجديد برامجية كاملة كما قيل يومها. ولم أعرف سبب توقيف هذا البرنامج بالذات!
-
-
استقال بعض الإعلاميين ويشاع أن آخرين تراجعوا عن الإستقالة تحت أسباب مختلفة كما أنه هناك إتهامات عن الولاءات لإيران، فما تعليقك؟
-
بعض الزملاء كالزميل غسان بن جدو مثلا ارتأوا أن يستقيلوا من القناة، لقناعاتٍ لديهم، وليقينهم بأن هذه القناة غيـّرت بوصلتها وانحرفت عن مهنيتها، ولم تعد تتناسب وانتماءاتهم. أما فيما يتعلق بما حكي عن ضغوط مورست على البعض فلا علم لي بالموضوع. وكما قلت سابقاً، لا أحد يستطيع فرض أفكاره أو قناعاته على الآخر. كلٌّ حرّ في خياراته، وطوبى لمن ينسجم مع ذاته ويتصالح معها، سواء أيّدنا أفكاره أم لم نؤيدها. ومن هذا المنبر الكبير، صحيفة الشروق، الأكثر انتشاراً في المغرب العربي الغالي جدا على قلبي، أوجه نداء لجميع الإعلاميين، وأخص بهم زملائي وأحبائي في قناة الجزيرة ألا تكونوا شركاء في أي قطرة دم تسفك أو أي روح تزهق. فعليكم بالدرجة الأولى، تقع المسؤولية الكبرى. لديكم ملايين المشاهدين والمتابعين حول العالم. تستطيعون توجيه البوصلة في هذا الاتجاه أو ذاك. لقد بنـيتُم سمعة طيبة في الماضي، وأنا أعتز بأنني ساهمت بشكل أو بآخر في إيصال رسالتكم إلى العالم أجمع حين كنا ندافع عن المظلومين في كل أرجاء المعمورة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو أديانهم أو طوائفهم. أذكـّركم بأنكم ناصرتم حركة حماس وشعب غزة المظلوم، ودعمتم حزب الله وساهمتم في انتصاره على أعتى جيش في المنطقة، ووقفتم في وجه الاحتلال الأميركي للعراق. واظبوا على ما بدأتم به، فوالله إن الشعوب العربية ستكون مدينة لكم بحياتها.
-
-
بعد نشر كتابك وإثارته لجدل واسع، هل من شيء تمنيت التحدث فيه ولكن لم يحدث، أو ربما تذكرت أشياء أخرى غابت عنك أثناء تحرير فصول مؤلفك؟
-
لم أتوقع ان يأخذ الكتاب هذا الصدى الواسع في الشارع العربي. الكل يبعث لي برسائل لسؤالي عن كيفية الحصول على نسخة من الكتاب. للأسف، أتوقع ألا يصل الكتاب إلى الجميع، في ظل بعض الإجراءات التي تُفرض على هذه المسائل في بعض الدول. واسمح لي أن أوجه شكراً خاصاً لدار “بيسان للنشر” التي أخذت على عاتقها نشر وتوزيع الكتاب في لبنان وباقي الدول العربية وبعض الدول الأوروبية، على الرغم من الصعوبات التي تواجهها في ذلك. ما لم أقله في الكتاب هو الكثير من الأسرار التي حدثت في قناة الجزيرة، لأن الأمانة المهنية والصحفية فرضت علي ذلك. كان بودي الحديث بعمق في الشأن السياسي وطريقة تناول الجزيرة للعديد من المواضيع السياسية بالشكل الذي يخدم مصالحها، لكن انتمائي إلى هذه القناة لمدة ثماني سنوات منعني من البوح بالكثير من الأسرار، وأنا لست نادمة على ذلك.
-
-
ماذا قدمت الجزيرة للينا زهرالدين؟
-
أعترف أن الجزيرة قدمت لي الكثير. قدمت لي الخبرة والشهرة والprestige والمال، وأنا في المقابل قدمت لها جهدي ووقتي، وجعلتها أولويتي، وقدمتُـها على عائلتي في وقت من الأوقات، وأتمنى من كل قلبي أن تعود لتطبيق شعارها “الرأي والرأي الرأخر” وعدم الانحياز لطرف دون آخر.
-
-
هل من مشروع إعلامي في الأفق وخاصة أنه صار يشاع عن مفاوضات جارية في الظل مع قناة خليجية كبيرة؟
-
لا أخفيك سراً أنني تلقـّيت الكثير الكثير من العروض بعد تركي لقناة الجزيرة، وكانت كلها عروضاً مغرية، من مصر والخليج والأردن وفرنسا ولبنان. ولكنني تريثت كثيراً، لأنني كنت بحاجة إلى العودة إلى ذاتي وإعطاء عائلتي الأولوية بعد أن “أهملتها” لفترة، والتفكير ملياً بالمرحلة المقبلة وبالمستقبل. واليوم هناك مفاوضات مع إحدى الجهات التي لن أكشف عنها الآن، لحين الالتزام بشكل جدي ونهائي معها. وآمل أن يكون ذلك قريباً جداً بإذن الله.
-
-
كلمة أخرى لقراء الشروق ومحبيك في الجزائر.
-
أقول لكل قراء صحيفة الشروق وأعرف أنهم كثر، إن الجزائر غالية على قلبي، والله على ما أقوله شهيد، وأتمنى أن أزور هذا البلد المقاوم في القريب العاجل. الجزائر بلد المقاومة. منكم تعلمنا الكثير. أنتم كطائر الفينيق الذي يولد من تحت الردم. عانيتم تماماً كما عانينا في لبنان من حروب وصراعات أهلية. ولذلك أنتم تتفهمون واقعنا أكثر من غيركم. إيماننا بقضايانا سيجلب لنا الانتصار والفخر والعزّة. أنتم ونحن أصحاب حق، وما ضاع حق وراءه مطالب. أما لصحيفة الشروق فأقول إن ازدياد عدد قرائك باضطراد في كل أنحاء الوطن العربي ما هو إلا دليل على نجاحك وإيمان جمهورك بخطّـك ومهنيتك.