لِتهنأْ بتوبتك
بعد أيام من الترقّب والتلهّف، حل رمضان، شهر الخيرات والرّحمات الذي وصفه النبيّ المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- بأنّه شهر مبارك حينما كان يبشّر أصحابه بقدومه فيقول: “أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَك”؛ وهو الوصف الذي يعاين المسلمون أثره في قلوبهم وأحوالهم وفي بيوتهم وواقعهم؛ مبارك في أرزاق النّاس، وفي الصّدقات التي تجمع وتوزّع حتى تطرق أبواب بيوت نائية وأخرى تكاد تكون منسية.. ومبارك في الخير الذي يجده النّاس في قلوبهم وأرواحهم وجوارحهم، وفي المساجد التي تعمر بعد أن كانت مهجورة قبله، وفي أجور الأعمال الصّالحة التي تضاعف فيجد النّاس أثر ذلك في إقبالهم على الخير ونشاطهم فيه.
حلّ رمضان يحمل معه هدايا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين لعباده المسلمين: أبواب الجنّة تفتّح فيحسّ المسلمون بشوق قلوبهم إليها وتلهف أرواحهم لها، وأبواب النّار تغلّق فيحسّ عباد الله ببعدهم عنها وبعدها عنهم، الشياطين تصفّد وتغلّ فيقبل النّاس على الخير ويقصرون عن الشرّ، والملائكة تؤزّ النّاس إلى طاعة الله وتسوقهم إليه سوقا، ولله في كلّ ليلة عتقاء من النّار.. لهذا فلا غرابة أن نرى أفواج التائبين والعائدين إلى الله يحثّون الخطى إلى المساجد، وكلّهم أمل في أن يبدؤوا صفحات جديدة من حياتهم، ينّظمون فيها أوقاتهم ويسعدون فيها بالمحافظة على الصلاة وتلاوة القرآن وعمران المساجد.. ولعلّ كثرة التائبين وما يجدونه من أنس في قلوبهم هي واحدة من أجلّ بركات هذا الشّهر.
ما أكرم الإنسان وأسعده حينما يعود إلى الطّريق الصحيح الذي ينتهي به إلى الجنّة، ويعود إلى فطرة الخير في نفسه ويكشف عنها غشاوة الغفلة والجهالة التي ألبسها إياها الشيطان! وقبل هذا وذاك يلبّي نداء خالقه وراحمه –سبحانه-: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)).. إنّ أسعد لحظة في حياة العبد المؤمن، هي تلك اللحظة التي يحسّ فيها بمسيس حاجته إلى عفو مولاه ورحمته، فيعترف بتفريطه في جنب مولاه ويقرّ بذنوبه التي قسا بها قلبه وأبعدته عن خالقه جلّ في علاه، ويعلن التوبة والعودة إلى من يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النّهار ويبسط يده بالنّهار ليتوب مسيء الليل.. ورغم طول العهد والبعد ورغم أنّ الذّنوب ربّما بلغت عنان السّماء، إلاّ أنّ الرّحيم سبحانه يتلقّى عبده ويكرمه من أوّل لحظة بفرحة يجدها العبد بين جوانحه وحلاوة في روحه ورقة في قلبه، لا يستطيع التعبير عنها بلسانه. كلّ ذلك يجده العبد مع أنّه لم يسمع ما يدلّه على أنّ الله قد قبل توبته. فكيف ترى تكون حال العبد لو وجد من يبشّره بأنّ الله تقبّل منه توبته؟ يروي الصحابيّ كعب بن مالك –رضـي الله عنه- حاله عندما جاءته البشرى بتوبة الله عليه بعد أن تخلّف عن غزوة تبوك (9هـ)، ثمّ ندم أشدّ النّدم بعد ذلك، يقول: “بيْنَا أنَا جَالِسٌ علَى الحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللَّهُ؛ قدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أوْفَى علَى جَبَلِ سَلْعٍ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعَى سَاعٍ مِن أسْلَمَ، فأوْفَى علَى الجَبَلِ، وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إيَّاهُمَا ببُشْرَاهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بالتَّوْبَةِ، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْك”.
هكذا تحوّل التوبة حياة العبد من الضيق والهمّ ونفور النّاس، إلى الفرح والسّعادة وإقبال الخلق، والأهمّ من ذلك إقبال الخالق سبحانه.. إنّنا نخطئ كثيرا حينما نظنّ أنّ التوبة لا يخاطب بها إلا تاركو الصلاة وهاجرو المساجد وأولئك الشّباب الذين غرقوا في أوحال الكبائر، بينما الحقيقة أنّنا جميعا معنيون بالتوبة في رمضان وفي كلّ وقت، ولو كنا نصلّي الصّلوات الخمس في المساجد ونختم القرآن كلّ شهر، لأنّنا نذنب بالليل والنهار، ونقصّر في جنب ربّنا العزيز الجبّار، وبيننا وبينه من معاصي القلوب وكبائرها ما لا يحصيه إلا هو سبحانه.. وكلّنا معنيون بأن نفرح بتوبتنا، ونحمد الله على أن أمدّ في أعمارنا ووفّقنا لنعلن بدء صفحة جديدة في شهره المبارك.. كلّنا معنيون بأن نفرح بتوبة من تاب من شبابنا وإخواننا وجيراننا في رمضان، ونسأل الله لنا ولهم الثبات.. ولا يجوز لنا أبدا أن نلمز من قصدوا المساجد في رمضان، ونحرجهم بنظراتنا وكلماتنا الجارحة، ونتّهمهم بأنّهم “أصحاب الكونطرا” ونعاملهم باستعلاء وكأنّنا قد ضمنّا الجنّة لأنفسنا وأخذنا مفاتيح أبوابها بأيدينا.. كثير من العائدين في رمضان، يتوبون بصدق ويتمنّون حياة جديدة بكلّ حُرقة، لكنّهم لا يجدون من يتقبّلهم ويحتضنهم، بل ربّما يجدون من يتّهمهم وينفّرهم، فما يلبثون طويلا حتى يعودوا إلى ما كانوا عليه! وويل لمن ينفّر تائبا قصد بيتا من بيوت الله فرارا من الأوكار والزّوايا المظلمة ويكون سببا في رجوعه عن توبته: يقول الله –تعالى-: ((وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيم))، في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أنّ رجلًا قال: واللَّه لا يغفر اللَّه لفلان، فقال الله –تعالى-: “مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ، فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ”. هذا فيمن يجزم في الحكم على عبد صادّ عن التّوبة، كيف بمن يجزم بكذب عبد ظهر عليه ما يدلّ على رغبته في تغيير حاله؟