منوعات
تخلّى عنها الجيل المُعاصر فحاصرته الأدوية

مأكولاتنا التقليدية.. حائط صد ضد الأمراض

نادية سليماني
  • 1164
  • 0
ح.م

 لطالما كان النظام الغذائي الجزائري؛ المشكل من أكلاتنا الشعبية والتقليدية، من بين أفضل الأنظمة الغذائية، التي تساعد في إعطاء الجسم مناعة ضد الأمراض، لكونه غنيّا بمختلف العناصر الغذائية المفيدة.
فبعض الأطعمة تساهم بنسبة 50 بالمائة في علاج أمراض مُعيّنة، بحسب مُختصّين.. فأجدادنا لم يعرفوا مضادات حيوية أو فيتامينات مصنّعة لمجابهة فيروس الزكام مثلا، بل يكفيهم تناول صحن “مرْدُود” حارّ أو شَربة دِهان طبيعي أو سلْق وحبّات بيض دجاج “عْرب”، ليتمكنوا من مواجهة مضاعفات المرض، في حين انتقل الجيل الحالي إلى اتباع أنماط وأنظمة غذائية مختلفة تماما، تعتمد على “الفريت” وقارورات المشروبات الغازية، مع اللجوء إلى الكثير من الوصفات الطبية لمواجهة الأمراض التي كانت تعالج عبر ذلك النظام الغذائي المتوازن.
تخلّى الجيل المعاصر عن كثير من الطرق التقليدية للشفاء، وصارت أكياس الدواء والمضادات الحيوية أفضل رفيق له في رحلة المرض، رغم أن مطبخ أجدادنا يضم قائمة ثرية بالأكلات التقليدية الصّحية، التي تُغنينا أحيانا عن استهلاك الدواء، بل أصبح كثير من شباب اليوم ينعتون الأطباق التقليدية بـ “أطباق الشيوخ والعجايز”، والتي لا تناسب ذوقهم المعاصر ولا بحثهم عن رشاقة شكلية مغلّفة بالأمراض..! ولأننا عوّضنا طعام أجدادنا “الغنيّ” بأكل سريع مُشبع بالدهون والزيوت المهدرجة، حاصرتنا الأمراض والعِلل من كل جانب.
ويؤكد آباؤنا وأجدادنا أن فيروس الزكام أو الأنفلونزا مثلا، لم يكن منتشرا في زمانهم بالشكل والتعقيد الذي نراه حاليا، فحتى وإن كان الأطباء يؤكدون على تحوّر الفيروسات وتطورها مع مرور الزمن، ولكن تلعب التغذية الصحية دورا مهما جدا، بل إنها تصنع الفارق أحيانا، في علاج كثير من الأمراض، حتى الخطيرة منها.

“البوزلوف”.. غني بالجيلاتين والكُولاجين و7 فيتامينات مهمّة
وتكشف المختصة في التغذية الصحية، آسيا مهماه، لـ”الشروق” أن كثيرا من الأطباق الجزائرية التقليدية تساهم في علاج أمراض مختلفة. فمثلا طبق “البوزلوف” الذي ينفر من تناوله كثير من أبناء الجيل الحالي، “وتعوّدنا، للأسف، على مشاهدة عشرات رؤوس “البوزلوف” مرمية في القمامة خلال أيام عيد الأضحى المبارك، مع أن هذا الطبق غني جدا بالعناصر الغذائية، فهو يحتوي على مادة الكولاجين المفيدة للعظام ونضارة البشرة وتجديد خلايا الجلد، ويحتوي على أهم الفيتامينات والمعادن من كالسيوم وفوسفور وحديد وزنك وفيتامين 12 وفيتامين ب”6.
وتقول محدثتنا، إن مرق البوزلّوف الذي يرميه كثيرون بحجّة أنه مجرّد دهون لزجة، هو سائل غني جدا بمادة الجيلاتين التي تدخل في ترميم العظام وتسهيل مرونتها واحتكاكها، ويعالج التهاب المفاصل. ولا تزال كثير من الجدّات اللواتي يعانين هشاشة العظام، محافظات على عادة تناول البوزلوف بشكل دوري، عن طريق الاحتفاظ بمرقه في الثلاجة، وتناوله مرتين على الأقل في الأسبوع.

“البرْكوكس”.. أفضل علاج للزكام
وأكدت أسيا مهماه، على أن طبق “البرْكوكوس”، الذي تختلف تسميته من منطقة إلى أخرى، فيسمى “المردود” بالمناطق الغربية و”العيْش” بمناطق الشرق، يُعتبر أفضل علاج ومضاد حيوي لنزلات البرد. فهذا الطبق المفتول من دقيق صلب أو كامل يتم تحضيره بالفلفل الحارّ الغني بفيتامين سي والطّارد للبلغم، ويضاف إليه الفول الجاف والكَليلة والمشمش المجفف “الفرماس”، والشحم المقدد مع رشة زيت زيتون، ويُطبخ مع دجاج العرب أو اللحم الأحمر مع أنواع مشكلة من الخضر، ويتم تناوله غالبا في صحون خشبية أو طينية. وأضافت أن جميع هذه المكونات تحتوي على عناصر غنية جدا بالفيتامينات والألياف الصحية الفعاّلة لعلاج الزكام.. “فبمجرد تناولك صحنا من البركوكس يشرع جسمك في التعرق، وتفتح أغشيتك المخاطية، ما يساعد في تحفيز جهازك المناعي على مقاومة نزلات البرد”.

السّمن البلدي.. معالج للسعال الحادّ والكحّة
ومن الأطعمة التي غابت عن المطابخ الجزائرية، إلاّ لدى قلة، دهان العرب أو السّمن البلدي، الذي تمّ تعويضه بالزبدة الصناعية أو المرغرين المهدرجة، وهذا الدّهان يتم استخلاصه من حليب البقر أو الماعز أو النعاج، وبعض العائلات تُضيف للسمن أعشابا خاصة لإعطائه نكهة مثل عشبة العرعار والزعتر الجبلي فيُصبح صحيا أكثر. ويعتبر الدّهان في موسوعة العلاج الطبيعية، من أقوى علاجات السعال أو الكحة، إضافة لفوائده الصحّية العديدة.
هذه العادة غابت عن مجتمعنا المعاصر، وقد نجدها حاليا عبر بعض القرى والمداشر، وكانت الأجيال التي سبقتنا تتحضر لاستقبال مختلف فصول السنة بأطعمة معينة جميعها صحية ومقاومة لمختلف الظروف المناخية الصعبة.. وبحسب ما تذكره “خالتي فاطمة”، المنحدرة من قرية أورياشن بولاية بومرداس، تقول إنهم في قريتهم وعند قدوم فصل الشتاء المصحوب بالثلوج، كانوا يحضّرون طبق البركوكس بشحمة الخروف المقددة التي يحتفظون بها من أضحية العيد، وذلك للحفاظ على سخونة الجسم، ولمنح الرجال خاصة العاملين بالحقول وفي الرعي، طاقة جسدية لمزاولة أعمالهم، خلال أيام البرد الشديد، وكشفت أنه نادرا ما كانت عائلتها تصاب بنزلات الزكام مثلما نشهده حاليا.

“رْفيسْ”.. ينافس مشروبات الطاقة الحالية
وتحضر العائلات في فصل الربيع، ما يعرف بكسْرة الأعشاب، وتسمى في منطقة القبائل “سكسو أذرييس”، وتدخل في تكوينها عدة نباتات صحية تنمو في الطبيعة خلال فصل الربيع، ومن أهمها عشبة الزعيترة التي تمتلك خصائص مضادة للتأكسد ومكافحة للسرطان، وعشبة الخروب التي تعالج الإسهال والسكري وحرقة المعدة والسمنة، مع إضافة أغصان من الزيتون والخزامى إلى هذه الكسرة. وأكلة “رفيس” أو “المبرْجة” أو “البوصلوع” المشهورة بقرى الشرق الجزائري، لا تزال كثير من النساء يحافظن على عادة تحضيرها في فصل الربيع.
وهذه الأكلة، مكونة من قمح وتمر وزبدة، ويضاف إليها أحيانا قليل من “الدهان” العتيق المخزن منذ مدة طويلة في جرة طينية، ويعتبر “رفيس” من أفضل الأكلات التي تمد الجسم بطاقة كبيرة، ما يجعل كثيرا من المُسنين لا يستغنون عنها في رحلات الحج والعمرة الشاقة إلى اليوم، وتضيف الاستشارية في التغذية، آسيا مهماه، بأنه منذ توقفنا عن تناول أكلاتنا التقليدية الشعبية “أصابنا المرض، لأنها أكلات صحية وغنية جدا بمختلف الفيتامينات التي تحتاجها أجسامنا، لأنّ أصل كل داء هو الأغذية التي تدخل لجهازنا الهضمي”.
وتتأسّف مهماه لكون كثير من الجزائرييّن مُخطئين في تصنيف الأكلات التقليدية حاليا “لأن غالبية أكلاتنا التقليدية لا يتمّ تحضيرها بالطريقة الأصلية، مثلما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا، وهو ما أفقدها قيمتها الغذائية”.

أغذيتنا المُعاصرة لا تحمينا من الأمراض
وبحسبها، البركوكس، زمان، كان يُحضر بالقمح الكامل وحتى بالشعير، أما الآن فغالبيته مصنع بالفرينة البيضاء غير الصحية، ومثله الكسكسي أو البربوشة والرشتة، وبالتالي، لا يمكن القول بأننا نتناول طعاما تقليديا صحيا، وذكرتْ أيضا، بأنه حتى ولو افترضنا أننا نحضر وجبة تقليدية، ولكن إدخالنا فيها مكونا واحدا غير صحي يفقدها قيمتها الغذائية، مثل زيوت القلي المهدرجة، التي تعتبر خطيرة جدا على الصحة، وقالت استشارية التغذية: “السمن الحيواني الذي لا يفضله الجيل المعاصر ويعتبرونه غير صحي هو أفضل بأشواط من السّمن النباتي، وزيت الزيتون أفضل في الطبخ من الزيت النباتي الذي يصيب الجسم بأمراض مختلفة”.
وترى مهماه بأن أجدادنا حافظوا على صحتهم ومناعتهم بفضل تناولهم أكلا صحيا وغنيا، فكانوا لا يستعملون إطلاقا طماطم العلبة المصبرة، وإنما يكتفون بحبات الطماطم، ويستعملون توابل صحية محضرة بطريقة يدوية في المنازل، وقالت: “مثلا، طبق البركوكس المصنوع من الشعير أو القمح الكامل، كانوا يحضرونه بزيت الزيتون والبصل والثوم، وحبات طماطم وفلفل أحمر وتوابل رأس الحانوت الصحية، ويضيفون الحمص والبقوليات واللحم أو الدجاج..فهذا طبق غني متكامل وصحي يحتوي على جميع أنواع الفيتامينات والعناصر المفيدة للجسم”.
وتنصح مهماه الباحثين عن جسد نشيط وخال من الأمراض، بالعودة إلى أكلات أجدادنا، وتحضيرها بوصفاتها الأصلية، شرط عدم الإفراط في أكلها تجنبا للسّمنة.

العودة إلى الخضر والفواكه لتعزيز المناعة
وبدوره، يرى استشاري التغذية والرياضي، محمد بركان، بأن الأكل الصحي المفيد للجسم، هو ذلك الطعام الذي لا تدخل في تركيبته عناصر غير صحية في أثناء طبخه، وهو ما نجده في وصفات جدّاتنا القديمة.
وقال: “لمقاومة مختلف الأمراض المعاصرة، خاصة الفيروسات وأمراض الجهاز الهضمي، علينا بالأكل الصحي الكامل والمتوازن، الذي يحتوي على ألياف وكربوهيدرات وفيتامينات وبروتينات، مثل البيض والسلطات والخضار المفوّرة”.
وذكر بركان أنه حان الوقت لاستبدال سُلوكاتنا الغذائية غير الصحية، في ظل توفر تشكيلات من الخضر والفواكه التي لابد من تناولها في مواسمها، حتى نستفيد منها صحيا.
فلا يُعقل، بحسب تعبيره، أن تجد مريضا مصابا بفيروس الأنفلونزا يعتمدُ في غذائه على “الفريت والقازوز.. وشْكارة دواء! فمن أين سيستمد العناصر الغذائية لرفع مناعته؟”.

مقالات ذات صلة