مؤتمر القمة فرصة تاريخية.. فهل ينجو العرب؟
في نهاية شهر مارس الجاري يلتئم اجتماع مؤتمر القمة العربية على شاطئ البحر الميت، في ظل وجود ديناميات جديدة في المنطقة، تعزز من حركتها النظرة الأمريكية الجديدة للمنطقة عقب وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما يصدر عنها من تصريحات وإشارات رغم عدم استقرارها فهي تعني ان هناك شكلا جديدا للتعامل مع قضايا المنطقة.. كما انه لابد من الالتفات إلى ما أحدثه التواجد الروسي في المنطقة واثره على صياغة الخريطة السياسية للمواقف فيها.
ورغم كل ما يتنبأ به الكثيرون عن ضعف المؤتمر وعدم قدرته على تجاوز التحديات المطروحة عليه، ورغم ان البعض يرى ان هناك ضعفا او تعقيدات من جهة العمل التحضيري للقمة، فإنه «ضيعف جداً»، كما يقول دبلوماسي مصري، لكن كما يقول بعض المتابعين والمحللين والمقربين من الأجواء «ما قد يُعوّل عليه، فهو بعض القرارات غير الملزمة وبعض الفقرات التي سوف يشملها البيان الختامي، وهي رهن أولاً بقدرة الدولة المضيفة ــ الأردن ــ وزعيمها على إقرارها، وثانياً هي رهن التوافقات العربية على إدخال بعض الإضافات النوعية، وخاصة المرتبطة بالسياسة الإقليمية».
في الأردن حيث سيعقد المؤتمر تعيش المملكة تحسبات من اختراقات للمجموعات المسلحة التي تواجه ظروفا صعبة في سورية والعراق بعد ان خسرت كثيرا من مواقعها. وهذا الواقع دفع بالأردن إلى الاقتراب من سياسات جديدة ليصبح جزءا من الحل بدل ان يكون جزءا من المشكلة، الأمر الذي يعني ان روحا جديدة تسكن الموقف السياسي الأردني ترتكز على جو المصالحات والتوافقات الإقليمية، ورغم ان السياسة الأردنية هي محصلة إدراك ما للخارجي والإقليمي من أدوار وأجندات الا انها في هذه الأيام تعيش حالة قلق حقيقي من ان تصبح ميدانا للعمليات المسلحة والتي تخفي وراءها مشاريع سياسية قد يكون التوطين أحدَها.
لا نعتقد ان تتجه قمة البحر الميت إلى إفرازات تعقّد المشهد، فلقد تكلفت الحروب المشتعلة في المنطقة ثروات وأرواحاً بشكل لم يسبق له مثيل ولا احتمال ابدا بأن تصعيدا عربيا سيكون في الإقليم، بل دعوة إلى تفاهمات عميقة من باب الثقة بالنفس.
ويبدو ان المصالحات العربية ستجد فرصتها في هذا المؤتمر لاسيما بين الدول العربية الفاعلة التي تشتت موقفها في السنوات السبع السابقة إزاء الاشتباك الدامي في كل بلد عربي من بلاد المشرق العربي وليبيا، وأيا كان الأمر فإن مصالحات عربية ستسهم بلا شك في ملء فراغ مذهل في الساحة ويمكنها ضمن توازنات اقليمية من التقدم لوضع تصورات لحلول واقعية تخص القضايا الإقليمية بصيغة عربية.. ولا يمكن اعتبار ان التقارب العربي – العربي والتصالح العربي سيكون لصالح العدو كما يعتقد البعض، ولا يمكن ان يكون بتوجيه من ترمب كما ذهب البعض إلى القول.. لأن الضعف الذي يكون عليه النظام العربي يتولد نتيجة التوجُّس الداخلي والقلق الناتج عن الشعور بالوحدة وتفرد الخصوم به.. من هنا تصبح اية خطوة للتقارب العربي – العربي تصب في محصلة إزاحة التوترات وإنشاء مناخ صحي لمعالجات ضرورية لواقعنا.
عندما تتم المصالحات العربية يصبح من غير الوارد خضوع النظام العربي لإملاءات امريكا، بل نصبح أكثر قدرة على التقدم بمنطق واحد وخطاب واحد فيما يخص قضايانا المتفجرة في الإقليم.. فلا يمكن لأحد في الإقليم ان يستغني عن المجموع العربي او عن مراكز الفعل العربي، لأنه حينذاك سيجد نفسه اما محاصَرا او محارَبا او مخترَقا.. ومن الواضح ان كل مشكلاتنا المتفجرة في المنطقة قد تمت في ظل تصارع داخل النظام العربي وانشقاقاته المدمرة.
حتى الآن لا توجد ضغوط أمريكية واضحة منتظمة على المنطقة.. من جهة السيناريو فلا زال الرئيس الأمريكي وطاقمه في مرحلة التجريب والترتيب، وفي هذه المرحلة يكون مهما ان يتقدم العرب بصيغة واضحة واحدة لحل مشكلاتهم تقوم على روح التوافق.
قد يكون هذا الكلام مجرد أمان وأوهام ويذهب البعض بأن الأمريكان وليس ترمب لهم عملهم الدءوب في بناء تحالفات وأوضاع ويغرون بعض العرب ببعضهم وهم يملكون أوراق ضغط على كل طرف لجعله في مرحلة ما يلتقي بمشروعهم هنا او هناك.. وعندما يعتقد كثيرون ذلك فإنهم يستندون إلى تاريخ من الأداء السلبي تجاه قضيتهم الجوهرية فلسطين، فلقد أضاعوا فرصا كثيرة كان من الممكن ان تصبح رافعة لخطوات حقيقية في حل القضية التي تراكمت مآسي ونكبات.
بين الرؤيتين المتفائلة او الوهمية على حسب رأي البعض والواقعية المتشائمة كما يرى البعض الآخر تقف المصالح العربية معلقة على رأس مؤتمر القمة.. ولا مصلحة لأحد من المجتمعين في مؤتمر القمة في تكريس الانقسام والتشتت العربي ولا قدرة لأحد ان يكون بديلا عن العرب او ان يتحول العرب إلى أداة حرب بالوكالة ضد قوى إقليمية، بل هم من باب المصلحة الإستراتيجية مدعوين إلى بناء علاقات أكثر توازنا وجدية تحفظ لهم وجودهم ودورهم الإيجابي في المنطقة، بل والعالم الإسلامي والعالم كله..
نقطة مهمة (لا بل مفصلية) أخرى، يجري التحضير لها للقمة، ويُعتقد أنّ هناك توافقاً عربياً أكبر حولها: علاقة النظام العربي الرسمي بإسرائيل. في الإعلام وفي البيان الختامي، المرجح أن تكرر الدول العربية موقفها المؤيّد لـ”حل الدولتين”، ولكن المطلوب هنا ليس فقط الوقوف عند حدود المبادرة العربية، بل وتناول موضوع الاستيطان وتهويد القدس ومستقبل القضية الفلسطينية جملة.
لا نعتقد ان تتجه قمة البحر الميت إلى إفرازات تعقّد المشهد، فلقد تكلفت الحروب المشتعلة في المنطقة ثروات وارواحاً بشكل لم يسبق له مثيل ولا احتمال ابدا بأن تصعيدا عربيا سيكون في الإقليم، بل دعوة إلى تفاهمات عميقة من باب الثقة بالنفس.
مؤتمر القمة العربية القادم قد يكون رقما اضافيا لمؤتمرات القمة السابقة، هذا صحيح، ولوجهة النظر هذه مبرراتها، ولكن خصوصية الظرف الذي تمر به المنطقة والوطن العربي يلح على الجميع من باب المصلحة القطرية، بل والشخصية ان يتقوى الجميع ببعضهم البعض في مواجهة تحديات نتجت عن انفلات الأوضاع نهائيا في المنطقة بحيث اصبحت النيران قريبة من أقدام الجميع ولن يكون هناك أحد بمنجاة منها.
العقل والمنطق والدين والقومية والمصلحة.. كل اولئك يدفعون إلى مواقف عربية تحافظ على الحد الأدنى للخروج من ورطات معقدة تولدت في ظل التشكك والتصارع وعدم المسئولية.. وبهذا يقدم العرب للأمريكان والروس موقفا يملي عليهم ضرورة أخذ مصلحة العرب في الاعتبار وان لا امكانية لصناعة مستقبل العرب بدونهم، فهل تدفع المصلحة والحاجة الضرورية المجتمعين في الأردن لاتخاذ ما ينبغي اتخاذه؟ تولانا الله برحمته.