ماءٌ ومِلح
يعرف المقاومون كيف يصنعون أدواتهم وكيف ينتصرون على الطواغيت الفاسدين.. ففي الجزائر كان إضراب الجزائر الشهير في بدايات 1957 إيذانا بتحويل القضية الجزائرية من ملفٍّ فرنسي إلى ملف دولي، وهكذا يمكن التأريخ لهذا اليوم الكبير على أنه اليوم الأول الذي وضع فيه حجر زوال الاستعمار الفرنسي..
أجل، بالماء والملح يوجِّه المضربون عن الطعام في السجون الصهيونية جلادهم.. ويشهرون في وجهه عناصر الحياة الأولية.. فماذا يملك المسجون الأسير في وجه القيود وغرف التحقيق والزنازين سوى جسده مرة يشحذه بإرادة الصمود فيراه وقد أدمته السياط، لكنه لا يخون قضيته وشعبه وإخوانه، ومرة يحرمه القوت وما يسد الرمق وسيلة للمقاومة والتحدي فيأبى جسمه التنازل ويشيح عن كل الحاجيات الضرورية لكي يجدد روح الانتصار والتحدي.
نعم، يتقدم الأسرى الفلسطينيون اليوم بقيادة واضحة محددة مناضلة نحو التأكيد على آدميتهم أمام عدو مشوَّه أخلاقيا ونفسيا.. ويصطف الطيف الفلسطيني السياسي كله في السجون لمواجهة إرادة السجان وقراراته.. ويضعون بذلك خطة عملية لكيفية مواجهة العدو وصلفه من خلال توحيد كل الفعاليات نحو هدف محدد وببرنامج واضح.
يتجلى اليوم في الكفاح الفلسطيني بروز قيادات الصف الأول القابعون في السجون وكيفية إدارتهم للمكوّن السياسي الفلسطيني في مرحلة اتسمت بالانقسام والتشظي.. وكأنهم يقولون إن المقاومة سبيلنا إلى الوحدة العملية الحقيقية وإن التنازع لا يتولد لدينا إلا في معمعة الجري وراء السراب وركون بعضنا إلى عدونا.
في الضفة وفي غزة وفي مناطق الـ48 وفي الشتات يتوحّد الفلسطينيون في فعاليات من لون واحد وفي زمن واحد، كما لم يفعلوا قط في تاريخهم المعاصر.. وهذا معنى جليل من معاني المقاومة والتحدي وهو يعبِّر عن عميق الانتماء الوطني والتمسك بالحق المقدس رغم كل الظروف المعقدة والخطيرة.
يقف المضربون عن الطعام في السجون الصهيونية ليحدِّدوا ملامح المرحلة القادمة ويضعوا حدا لمعالم المرحلة المنصرمة.. فهم اليوم يجددون روح الاشتباك مع العدو والقطيعة معه واللقاء به فقط في ساحات المواجهة.. وهم بهذا يحققون شرط توحُّد فصائلهم ومكوِّناتهم السياسية بعد أن كادت الاختلافات بينها تعصف بكل المكاسب الوطنية، وهم هكذا يكونون قد أعطوا أصدقاء فلسطين وأحبتها فرصة للتضامن والتأثير والضغط عبر العالم للوقوف مع قضيتهم الحقة.. وهم من جديد يحرِّكون الساكن ويصحِّحون الاتجاه ويرسلون برسائلهم إلى الأمة بكل مكوناتها: أن المعركة الحقيقية هنا وأن كل افتعال لمعركة في غير هذه الساحة إنما وُضع ليكون مفرِّقا لصف الأمة ومشتِّتا لطاقتها.
المضربون عن الطعام في السجون الصهيونية يمتلكون اليقين في وحدة شعبهم وفي إرادته نحو تحرير أرضه.. فتحيَّة لهم وهم بجوعهم يرسمون درب الكرامة والحرية وتحية لكل ضمير حي في الأمة وفي العالم انتفض ليساند أو يشارك أو يهتف من أجل حرية المضربين عن الطعام.. تولانا الله برحمته.