“ماحدّش يطلع من غزة”!
كم هي عظيمة تلك السيدة الفلسطينية التي عادت إلى غزة أخيرا بعد فتح معبر رفح، وهي تصرخ: “ماحدّش يطلع من غزة”، ناصحة سكان القطاع بالبقاء فيه ورفض مخطط التهجير ولو كان الثمن هو الموت.
صرخة هذه السيدة جاءت بعد أن تعرّضت رفقة فلسطينيين آخرين إلى مضايقات كثيرة وإهانات وإذلال فاق الوصف على يد جنود صهاينة بسبب عودتهم من مصر إلى غزة؛ إذ استجوبوهم طيلة ثلاث ساعات وهم مقيّدو الأيدي، معصوبو الأعين كأنّهم مجرمون، ثم عرضوا على هذه السيدة أن يجلبوا لها أولادها من داخل غزة لتعود برفقهم إلى مصر، لكنَّها رفضت وأصرّت على دخولها وصبرت على كل المضايقات والضغوط والتنكيل إلى أن حقّقت مرادها وعادت إلى بلدها وأولادها.
الفضائيات العربية ومواقع التواصل الاجتماعي نقلت على نطاق واسع الشريط المصوّر القصير لهذه السيدة، ليقدّم شهادة حيّة عن الضغوط الهائلة التي يمارسها الاحتلال على سكان غزة لتهجيرهم ومنع من خرج منهم خلال الحرب إلى مصر من العودة إلى بلدهم وديارهم، حتى أنّ ضابطا صهيونيا سأل أحد العائدين: “لماذا ترجعون إلى غزة وقد أصبحت كلُّها خرابا وركاما؟” وبقدر ما يكشف هذا السؤال عن الاستغراب والذهول من الصّمود الأسطوري لهذا الشعب وتشبّثه بأرضه، فهو ينمّ أيضا على مدى المرارة والإحباط والخيبة التي يشعر بها الصهاينة جميعا، حكومة ومستوطنون، من فشل مخطط التهجير الذي شرع فيه الاحتلال منذ الأيام الأولى للحرب من خلال تدمير كل مظاهر الحياة في غزة لتحويلها إلى منطقة غير صالحة للسكن وإجبار سكانها على الرحيل الأبدي منها وتركها لشذّاذ الآفاق الصهاينة، لكنّ الفلسطينيين قاوموا المخطط الجهنّمي باستماتة كبيرة وصبروا أمام المجازر المهولة والتجويع المنهجي والدمار الواسع لبيوتهم وبنيتهم التحتية، واكتفوا بالنزوح من منطقة إلى أخرى داخل القطاع، ولم يخرج منهم إلى مصر سوى عدد قليل خلال الحرب، واليوم يريد نحو 80 ألفا منهم العودة إلى غزة مجددا لدقّ آخر مسمار في نعش التهجير، وهو ما أغاض الصهاينة وحيّرهم في الوقت ذاته؛ إذ كيف يعود سكان إلى منطقة لا بيوت فيها ولا مدارس ولا مستشفيات ولا ماء ولا كهرباء ولا طرقات معبّدة ولا حتى خيام جديدة تخفّف عنهم برد الشتاء بعد أن أغرقت مياه الأمطار خيامهم المهترئة ومزّقتها الرياح؟! لقد كان الصهاينة ينتظرون رؤية أمواج بشرية كبيرة تتدافع أمام معبر فتح فور فتحه للخروج من غزة إلى أيّ مكان في العالم، وبدا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو واثقا من ذلك، وقد صرّح مرارا بأنّ سكان غزة يعيشون في سجن وهم يتطلّعون إلى الخروج منه وسيفتحه لهم، ولكن ها هو نتنياهو الآن -والصهاينة جميعا- يصدمون بشدّة وهم يرون مدى إصرار الفلسطينيين الذين خرجوا من غزة خلال الحرب على العودة إليها برغم كل ما لحق بها من دمار وخراب!
وحينما يقدم جنود الاحتلال على كسر لعب الأطفال التي جلبتها بعض الفلسطينيات من مصر لأطفالهن لحرمانهم من الشعور ولو بقدر ضئيل من الفرحة، فإنّ هذا الإجرام والانحطاط والحقارة يعدّ دليلا صارخا على مدى شعور هذا العدوّ بالقهر والغيظ وهو يرى مشروعه للتهجير يسقط في الماء.
هو درس عظيم للعالم كلّه في مقاومة الفلسطينيين ومدى تشبّثهم بأرضهم وصمودهم أمام مخططات الاحتلال لتهجيرهم؛ إنّ شعبا يتعرّض لحرب جهنمية طيلة سنتين، ومذابح مهولة، ويقع أزيد من ربع مليون من أبنائه بين شهيد ومفقود وجريح، وتدمّر بيوته وبنيته التحتية على نطاق واسع، ويشرّد عن بكرة أبيه، ثم يصرّ على البقاء في أرضه حتى لا يستوطنها العدوُ أو تحوّلها الولايات المتحدة إلى ماخور كبير أو “إبتسين” أخرى.. هو شعب عظيم ينبغي تسجيل تجربته المقاومة بأحرف من ذهب وتدريسها لشعوب المعمورة ولأجيالها القادمة كواحدة من أعظم دروس التاريخ. ترى من قال إن الفلسطينيين قد خسروا الحرب؟