ماذا بقي من فرص إنجاز الدستور التوافقي؟
هل يمكن الوصول إلى دستور توافقي في ظل المعطيات الراهنة والتي يطبعها فراغ مدير الديوان برئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، من المشاورات مع الشركاء السياسيين دون مشاركة المعارضة الموصوفة بـ “التمثيلية”؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال الرأي العام قبل أقل من نصف العام من اعتماد الدستور الجديد، مثلما وعد القاضي الأول.
وكان الرئيس بوتفليقة قد عبر في خطابه الذي أعقب أداءه اليمين الدستورية لولايته الرابعة عن “إرادة حازمة” في إعادة “فتح ورشة الإصلاحات السياسية التي ستفضي إلى مراجعة الدستور مراجعة توافقية“، وهو الخطاب الذي توج فيما بعد بتكليف مدير ديوان الرئاسة لإدارة المشاورات حول الدستور.
غير أن الرياح لم تجر وفق ما تمنته سفن الرئاسة، فمن لبّى دعوة المشاورات من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، لا يتعدى تلك التي تعتبر واجهة السلطة، أو تلك التي تدور في فلكها، أما المعارضة الإسلامية والديمقراطية (باستثناء الأفافاس)، وبعض الأحزاب الوطنية الصغيرة، المنضوية ضمن “تنسيقية الانتقال الديمقراطي” و“قطب التغيير“، فضلا عن وجوه سياسية بارزة مثل مولود حمروش وعلي بن فليس وعلي يحيى عبد النور.. فقد قرروا المقاطعة.
وتعليقا على هذه المسألة، يرى وزير الاتصال والثقافة الأسبق، عبد العزيز رحابي، أن “الدستور التوافقي” بات من الماضي في ظل مقاطعة أبرز أحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية لدعوة أحمد أويحيى، وقال: “أستبعد تماما الوصول إلى دستور توافقي، لأن الدستور التوافقي لا يكون دستورا أفقيا، بل يجب أن يكون حصيلة إجماع وطني“، ويقصد هنا رحابي طغيان وجهة نظر السلطة وانفرادها برسم معالم الوثيقة الأسمى في البلاد، في ظل غياب مقترحات المعارضة.
ويعرض سفير الجزائر الأسبق بإسبانيا في لقاء مع “الشروق” أمس، إلى بعض مؤشرات ضياع مشروع “الدستور التوافقي“، والتي في مقدمتها “ترسّخ الشعور لدى الطبقة السياسية بأن الرئيس بوتفليقة يسعى من وراء إحياء مشروع تعديل الدستور، إلى ربح المزيد من الوقت، بعدما وقف على رغبة كبيرة لدى الجزائريين في التغيير وإرساء الشفافية في تسيير الدولة خلال الحملة الانتخابية للرئاسيات الأخيرة“.
وبرأي المتحدث، فإن الرئيس بوتفليقة يسعى من خلال المهمة التي كلف بها أحمد أويحيى، إلى خلق “ورشة سياسية” تكون شعار عهدته الرابعة، التي تبدو، يضيف رحابي، خالية من الرهانات، حتى ينشغل الرأي العام بهذه الورشة.
غير أن سليم قلالة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، ينظر إلى القضية من وجهة نظر مغايرة، ويرى بأن فرصة إنجاز “دستور توافقي” لا تزال قائمة، لكنه رهن تحقيق هذا المبتغى بوجود إرادة سياسية لدى السلطة والمعارضة، وتساءل: “الآمال تبقى معلقة، لكن هل الإرادة موجودة؟“
وشدد قلالة في لقاء مع “الشروق” أمس: “يجب توفر الإرادة السياسية، لأن التوافق لا بد منه في قضايا من هذا القبيل“. وأضاف: “إذا اقتضى الأمر، يجب استمرار المشاورات، ولو ننتظر لفترة أطول. لا ينبغي أن نرتبط بأجندة لأن المسألة تتعلق بالمصلحة العليا للبلاد“.
وبالمقابل دعا سليم قلالة المعارضة إلى تحمل مسؤولياتها في إنجاح مشروع الدستور التوافقي قائلا: “العبء لا يقع على السلطة وحدها، لأن التوافق يهم الجزائر قبل السلطة. لذلك على تنسيقية الانتقال الديمقراطي وقطب التغيير، تقديم البدائل وعدم الاكتفاء بالنقد“.
وعلى الرغم من ذلك، فمسؤولية السلطة في حالة الفشل لا يمكن مقارنتها بمسؤولية المعارضة، التي تقول إنها قدمت مقترحاتها بشأن الدستور و“حزمة قوانين الإصلاحات” لهيئة عبد القادر بن صالح في المشاورات التي جرت في عام 2011، لكنها لم تر أثرا لمساهماتها في قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام.. وهو ما يعزز من صدقية اتهامها للسلطة بالانفراد بصناعة القرار السياسي.