الرأي

ماذا لو أن الرسول ظهر بيننا..هل نؤمن به؟

صالح عوض
  • 2295
  • 0

أشعر أحيانا أن الأمر سيكون مربكا ومحرجا لكثيرين فيما لو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بيننا.. وعلى الأقل لو استشعرنا بوجوده بيننا استشعارا قويا بحضور نتلمسه بأرواحنا وقلوبنا وعقولنا ..فلقد مرت القرون حاملة تسريبات نفسية وضلالات سلوكية وانحرافات فكرية التصقت بدين محمد ورسالته وهي تقدم أحيانا على أنها الرسالة والأصيل فيها..ماذا لو تمثلنا حضور الرسول بيننا..إن هناك أوضاعا بكاملها ستنهار وهناك أفكار برمتها ستسقط وهناك عناوين وأحزاب وطوائف وزعامات ستتبخر وهناك مقولات واستدلالات وبراهين ستنكشف عن زيفها..

إن ثورة كبيرة يحدثها حضور النبي بيننا.. أولها على الإطلاق التجرد من عبودية الأحزاب والطوائف وأقوال الرجال والتجرد بعبودية أساسها التوحيد نحو الله العلي العظيم رب العالمين الخالق الفعال لما يريد الحكيم الخبير .. من هنا من حيث التدبر الايجابي والتعرف على الله كما يدلنا القرآن والرسول، تأمل يبعث في النفس الرضى والحب والنباهة والقوة والوعي والمسؤولية..تبدأ العملية الثورية بخروجنا من تحت ركام التصورات المشوّهة والمفاهيم المعوجة والأديان المستحدثة التي حطمت أرواحنا وشوّهت قيمنا وأربكت وعينا  إلى وجه الله الكريم نتلقى من نبيه الكريم عليه وآله الصلوات والتسليم الآيات البينات، يعني الآيات الواضحات المشرقات المضيئات بقلوب مستقبلة وعقول متفتحة ونفوس صافية وأرواح مشرقة.. ننبعث من عند حضرة النبي لمهمات رسالية يحرضنا عليها إحسانا للناس ورحمة بهم وإماطة الأذى عن طريقهم وإنفاقا في سبيل الله بتحسس فقيرهم وطعام مسكينهم وجمعا لصفهم، ليتعاونوا لتأدية المطلوب منهم إعمارا في الدنيا ليكونوا بحق خليفة الله في الأرض ودرءا للفتن التي تسقط المهمة وتصرف عن الواجب ونصرة للانسان وكرامته وإعزازا للوالدين وإكراما للمرأة وودا في الأسر ومحبة في المجتمع.. ودعوة للعمل والعلم.

هنا نتحسس كتبا كثيرة قد كتبت وبحوثا مستفيضة قد نشرت، فلا نجد لها مكانا سوى الموقدة ..هنا في حضرة النبي سنستمع إلى الكلام الواضح المحدد وتأويله بأي الوجهين رحمة وهنا سنرى ممثل الرسالة وزعيمها يعيشها ينحاز الى المظلوم ويتصدى للظالمين ويرفض الطغيان من أي جهة جاء لأن رسالته رسالة التوازن والدعوة إلى التعاون لكل مافيه خير الناس.

هنا يقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمزق ايهاب الطائفيين والقوميين، يدفعهم حيث لابد من استغفار وتوبة لأن ذلك نتن وجاهلية لا تستوي مع الروح الانساني المستقيم وتتعارض مع التوجيه الإلهي الكريم ..فالدين متين ولكن على الأتباع أن يوغلوا فيه برفق لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه..والحياة جد وكفاح وهذه هي العبادة بمعناها الدقيق ولكن ساعة وساعة لأن القلوب تمل ..فرضى الله وليس رضى الناس هو الغاية، ذلك لأن آراء الناس متبدلة حسب المعرفة والمصلحة.

ولكن في حضرة النبي نطرح الأسئلة الكثيرة والمتنوعة والتي ترهقنا محاولات الإجابة عليها..نطرحها فيما ينبغي أن نخلع من عقولنا وقلوبنا مسبقات مواقفنا وثوابت رؤانا..هل أنت يا نبي لنا نحن العرب فقط أو نحن المسلمين فقط، هل نحن جماعتك والناس الأغيار أولئك خصومنا وأعداؤنا؟ يا رسول ماذا تقدم السيف أم السلام؟ يا رسول أي سيف يلمع في يديك كم حرب أنت أشعلتها وأي حرب سعيت لها؟ ماذا تقدم يارسول العدل أم الحكمة ماذا تقدم الوحدة أم الرأي؟ يارسول هل نقطع أعناق الكافرين بك ونشتت شملهم ونفتت جمعهم ونهتك سترهم؟ ماذا نفعل سيدي يارسول الله بمن قتل حمزة وهجر المسلمين من بيوتهم في مكة وماذا نفعل بالأفاكين من شاكلة أبوسفيان وفئته؟ يا محمد يا نبي الله ماذا نفعل بأحزابنا التي سميناها باسمك وتربع على رأس كل منها زعيم أصبح الآمر الناهي والمعصوم المقدس المنزه والمنزل؟ يارسول تفرقت أمتك طوائف، فهؤلاء سنة وأولئك شيعة وأولئك زيديو وأولئك خوارج وأولئك معتزلة يتناحرون، وقد تحوّلت مذاهبهم الى طوائف وعلى كل رأس كل طائفة من يحرض وينفخ روح الجاهلية ويحتكم الى مصالح الطائفة.

في حضرة النبي تحضر الآيات الالهية وتحضر الهمة للالتفات إليها والالتزام بها لأن الأعراض عنها يورث العيشة الضنكا..في حضرة النبي نستمع لقصص المعصومين بنص القرآن من الانبياء وكيف أن الله سبحانه وتعالى يفتح أمامنا العمق الانساني على تجارب الشعوب والمصلحينو فتستبين لنا العبر والمحددات للمنهج الأقوم..في حضرة النبي تضمحل أقوال الناس وتسطع شمس الوحي الأمين عليه السلام بحكمة تبنى النفوس والمجتمعات والأمم وبالنور يرى الناس سبيلهم ويتحرر الناس من عتمات النفوس.

ماذا لو استدعينا النبي عليه السلام ليتصفح وجوهنا فردا فردا ويرقب سلوكنا وتتلى عليه أفكارنا عن الإسلام والحياة ياترى ماذا سيفعل؟ ماذا لو وجدنا الآن في آخر الامم وفي قاع التخلف والمهانة والذل نتقاتل ونتذابح فيما عدونا يستبيح الديار والمقدسات؟ ماذا لو وجدنا نتودد للمجرمين والطواغيت فيما نحن قساة فيما بيننا؟

بالنسبة لنا سنحتاج جهودا مضنية لعل أمرنا يستقيم، أما بالنسبة له عليه الصلاة والسلام فإنه سيعيد فينا سيرته الأولى دون زيادة أو نقصان..سيأخذ بأيدينا ليعلمنا أبجدية الإسلام الأساسية التي عمادها الرحمة والتسامح لكل العالمين من بشر وحيوان وحجر، لأن مقاصد الشريعة كلها تتجه للرحمة بالإنسان.

ماذا سيقول أولئك الذين يحملون السياط والسكاكين مطاردة لعباد الله ذبحا أو ضربا يأزّونهم في المهالك أزّا..؟ ماذا سيقول لمن فرقوا أمته وجعلوها نهبا للفتن؟ ماذا سيقول للغربيين وكيف سيخاطبهم؟ ماذا سيقول لأمريكا وكيف يخاطبها؟ أجل نعيد السؤال بوضوح ماذا كان سيتصرف رسول الله إزاء الولايات المتحدة الأمريكية؟؟

ثم كيف كان سيأكل هل يستخدم الأدوات المعاصرة أم يبقى على ما وجد عليه قومه؟ والملابس والزي كيف سيتصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم وكيف كان يمكن أن يختار العطور أم أنه سيكتفي بالبخور؟ كل هذه الأسئلة وسواها كثير نلقي بها في حجر الرسول عليه الصلاة والسلام دفعة واحدة وقد شتتنا الحيرة بعد أن تزوّد نفر منا بسكاكين والسنة شداد حداد تسلق كل مختلف بأقذع الشتائم وتهدر دمه على أول الطريق..

احترنا يارسول الله..وهكذا فجأة نكتشف أن الرسول لن يعود وأن استحضاره مسألة وجدانية شخصية لا يمكن تعميمها..هكذا فجأة نصاب بخيبة الأمل فيما جميع الصنف البشري بحاجة الى يديه الحانيتين تمسح دموع المقهورين وعرق الكادحين الفقراء المسحوقين ..ما العمل وقد غاب الدليل والمرشد الأمين.

ماذا لو كان الرسول بيننا ؟..هل كان هؤلاء أصحاب الأحزاب ومروّجو الروح الطائفية سيؤمنون به..ما أنا واثق منه أنه يوجد ناس كثيرون سيفرون إلى رسول الله من جحيم هذه الأحزاب والطوائف والقوميات إلى حيث رحمة الله بالإنسان.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة