ماذا وراء الغبار؟ أي خديعة تنتظرنا؟
تقتضي الرجولة أن نعترف ونقول لقد تحركت الشعوب في معظم البلاد العربية ضد حكامها فأسقطت بعضهم وحاصرت بعضهم وشنعت ببعضهم فماذا كانت النتيجة؟ كان الظن بأن الطاغية الصنم واحد بزواله تنصلح أمور الناس واذا بالطاغية الصنم يزول لتزول معه أسباب الاستقرار والسلم الاجتماعي بل والأخطر أن تتعرض وحدة الأوطان إلى التقسيم الجغرافي والتقسيم الديمغرافي.. وبدلا من طاغوت صنم واحد يتولد لدينا مئات الطواغيت الأصنام.
سنضطر للعودة إلى الأسئلة التقليدية التي طالما استعنا بها ..أين الخلل؟ من هو المتسبب في هذه العملية الإجرامية الكبيرة التي أودت بنا في مهلكة طاحنة؟ وبعيدا عن الهروب إلى الأمام واقترابا من الحقيقة لابد أن نؤكد على أن هناك أزمة عميقة في مجتمعاتنا وحتى لا نذهب للتعميم المسيء نخصص أن الأزمة العميقة تكمن في النخب الثقافية والسياسية في بلداننا.
إن الخلل في وعينا المحدود المحاصر والسطحي والساذج عن السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية ومصالح الاخرين ومخططاتهم..هذا الوعي الرديء المتمكن من نخبنا السياسية والثقافية في أحزابنا العربية كان هو الخلل الكبير في واقعنا ..وعندما تقدم هذا الوعي الرديء ليقود الجماهير للتغيير لم يكن لديه أي فكرة علمية جادة عن عناوين الحكم والحياة فارتفع بالجماهير إلى أعلى سقف ثم هوى بها إلى السحيق من المأساة.. وتكمن خطورة هذا الخلل عندما يتلبس بالدين فيصبح التصرف الجاهل والمنحرف عبادة وهنا تفتح أبواب الكارثة على مصراعيها..
والخلل على صعيد الوعي يلازمه انحراف على صعيد السلوك والأخلاق ..فتصبح الأزمة أخلاقية وسلوكية لتتعمق الكارثة ومعها تغدو الأفكار سيوفا والشعارات مبادئ..ومن تعقيد إلى تعقيد نصبح أسارى القيود الحزبية والنعرة الناجية فكل فرقة هي الناجية، وسواها إما كافر أو منافق أو خائن مستباح الدم لأنه يعطل مسيرة الهدى والرشاد والحكم الإسلامي..
لسبب أو لآخر خلت المنطقة العربية من الأحزاب والقوى والنخب الثقافية المستنيرة بغض النظر عن الايديولوجيا التي تتبناها..وكأن أمرا علويا جاءها بالانسحاب تاركة الميدان لعناوين التشكل الاسلامي في مؤامرة تتبدى نتائجها الأن بعد أن تمت عملية تشويه الإسلام على نطاق واسع .. والأمر لا يتوقف على تشويه الاسلام مع أن هذا بحد ذاته أمر خطير يذكرنا بما تمناه أحد اللوردات الانجليز عندما طالب مجلس اللوردات أن يمزقوا القرآن الكريم إن هم أرادوا السيطرة على العالم الإسلامي ودلهم على ضرورة أن يمزقوه في صدور المسلمين..مع خطورة هذا الذي نعيشه من تشتت المسلمين والعرب وتذابحهم في البلد الواحد فإن هناك خطوات منهجية تتم مترافقة مع ذلك انها محاولات تفريغ المجتمعات وضرب بنيتها الاجتماعية وأدوات حياتها الاقتصادية لجعلها في حالة ارتباك لا تقوى معها لتشكيل مجتمع حيث تتناثر الأفكار ويفقد المجتمع فكرته وهدفه ويفقد احترامه لأي جهة فيه ولا يعود لأي طرف فيه مرجعية مقبولة روحيا وماديا وهكذا يفقد الناس الأمل ويصبح اللجوء لبلاد الغرب رغم الموت المتوقع سبيلا للحياة..
في المقابل هناك الغرب الذي يعمل على امتصاص الموجات الارتدادية للكارثة العربية.. يفتح أبوابه للاجئين ولكنه يضع جملة معايير على رأسها أن لا تصبح هذه الهجرة مؤثرا ثقافيا على هوية المجتمعات الغربية المسيحية وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الادعاء كاذب..لأن المجتمعات الغربية لم تعد مسيحية بعد أن كسر الماديون في الغرب تقاليد الدين المسيحي وقيمه وأصبحوا عتاة الجريمة والبطش والأنانية الاستحواذية..هم في الحقيقة يخشون من هذا الحطام اللاجئ إن يلتئم جرحه ويتماسك إنسانيا بعد حين وينفخ في المجتمعات المادية المستعبدة شيئا من روحه وقيمه التي يكتنزها فتعود المسألة من جديد إلى ضرورة قمع الروح الدينية التي تدعو إلى التعاون والتكاثف والايثار والعطاء والبذل والكرم وسوى ذلك..العجلة الرأسمالية الاقتصادية لها أنياب ولها ثقافة وهي تحمي ثقافتها بالأنياب..لذا فإن اللاجئين العرب الى الغرب سيتعرضون إلى واحدة من أسوأ محاولات التفريغ الحضاري والقيمي وستعمل الرأسمالية الغربية على امتصاصهم وإلقائهم كالنواة بعد أن ينتهوا منهم كما سبق وأن عمل الفرنسيون بملايين المسلمين المغاربة في المجتمع الفرنسي حيث حوّلوهم إلى كتلة هامشية محطمة مشوهة.
وهكذا تبدو الأمور متكاملة بين نخبنا الثقافية والسياسية وبين المشروع الاستعماري الغربي.. بالتأكيد لا يمكن الجزم أن هذا حدث من خلال تفاهمات مشتركة لأن الغرب لا يحتاج للتفاهمات هو يصنع الوقائع التي تجد النخب نفسها مدفوعة إليها بحس الغريزة والتلقائية بلا وعي ولا حسابات..فيما الغرب المستعمر يراقب كل شيء ويضع لكل شيء حسابات وإجابات على الاحتمالات الممكنة..ولا يملك الواحد منا وهو يرى المشهد كله إلا القول إن الجهل الذي ابتليت به نخبنا شريك موضوعي للمخطط الاستعماري وقد نتج عن هذه الشراكة تدمير جيوشنا وتبديد طاقاتنا وتشتيت مجتمعاتنا وتقسيم بلداننا.
إن عملية ضرورية من التحرك المسؤول على كل الأصعدة لإيقاف المخطط الاستعماري تفرض على الأحزاب أن تغير خطابها ليصبح خطاب طوارئ وأن تتحول ثقافتها إلى ثقافة مقاومة وأن يحصن الشعب وان تلجم كل الأفواه التي تثير النعرات الجاهلية مهما كان لونها ومبعثها لأننا لسنا في سعة من أمرنا..وبالتأكيد نحن قادرون على ايقاف المشروع الاستعماري نحو بلداننا ولكن بشرط الرجولة التي تستدعي الجرأة في نقد البرامج والسياسات الحزبية..تولانا الله برحمته.