العالم
الانتصار يسقط الأقنعة ويفرح العالم العربي والإسلامي

ماذا يعني “انتصار المقاومة”؟

الشروق أونلاين
  • 9360
  • 28
ح.م

تقف المقاومة الفلسطينية بانتصارها العسكري والطّموح إلى انتصار سياسي أمام حدث تاريخي هام في مسيرتها النضالية من أجل استعادة الأرض المغتصبة منذ الاحتلال البريطاني، مرورا بوعد بلفور وقرار التقسيم المشؤوم سنة 1948 وقرار سيادة الدّول العربية المنهزمة على أراضيها سنة 1967.

 نظر العديد من المتابعين والمناصرين للقضية الفلسطينية تبعا لأواصر عقدية أو قومية أو إنسانية لأحداث العدوان الصهيوني على قطاع غزّة إلى أنّ محادثات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية بقيادة سلطة رام الله من جهة، والكيان الصهيوني من جهة أخرى في حال استطاع الفلسطينيون تحقيق الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني التي رفعتها المقاومة مع كل صاروخ يسقط على فلسطين المحتلّة الواقعة تحت سيطرة الكيان الصهيوني؛ ستكون حدثا تاريخيا هامّا يجب الوقوف عنده كثيرا، خاصّة وأنّ ما يعتبر “نصرا” بكل المعايير العسكرية والسياسية يأتي في ظروف إقليمية ودولية جد معقّدة أفرزتها رياح ما يسمّى بالربيع العربي وما أعقبه من توتّرات وحروب أهلية في العديد من الدّول العربية.

فالمقاومة اليوم رفعت سلاحها في وجه الكيان الصهيوني والقوى العالمية وكانت ستلام إن هي بادرت بالاقتتال، لكنّ الله سلّم بأن كان ما قامت به كان ردا على العدوان الصهيوني، فتأتي الأحداث الأخيرة وصمود المقاومة في ظل عداوة صريحة من السلطات “الانقلابية” المصرية لحركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي لارتباطهم العضوي بجماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها الجماعة المنقلب عليها في مصر، ما جعل غزّة وفصائل المقاومة محلّ اتّهامات خطيرة وحرب طاحنة شنّها سياسيو مصر وماكنتهم الإعلامية، وصلت إلى تصنيف المقاومة كجماعة إرهابية والتحريض على غزو غزّة، فضلا عن ارتفاع وتيرة الحصار الذي بلغ ذروته أيّاما قبل العدوان، بحيث لم تكد المعابر تفتح لا لقوافل إغاثة ولا لدخول آهالي.

فلم تعد مصر بالنّسبة للمقاومة والشعب الفلسطيني طرفا منحازا لهم، فضل أن يدعمهم، بل جزءا من العدوان عليهم وإن حاولت المقاومة تجنّب الحديث عن ذلك باعتبار مصر النافذة الوحيدة للقطاع على العالم.

كما تأتي الحرب على قطاع غزّة والهزيمة المذلّة للصهاينة بعيدا عن نسبة الاستحقاق التاريخي لأي قوى داعمة للمقاومة على حساب أوضاعها الدّاخلية، فلا شكّ أنّ العديد من الأنظمة التي طالما تاجرت بالقضية الفلسطينية ودعمها لعقود كالنّظام السوري والإيراني قد أصبحوا جزءا  من الماضي وليس لهم أدنى فضل في هذا الإنجاز التاريخي، ما يعطي المجاهدين في فلسطين رصيدا إضافيا ودفعة أقوى من أجل التعويل على القدرات المحلّية في حرب كفاحهم المستمرّة مع الكيان الغاصب.

إضافة إلى كلّ هذا، فقد أثبتت المقاومة أنّ ما تمّ الترويج له من طرف أبواق الأنظمة العربية على أنّه فوضى خلاقة صهيونية على بلدانهم قد يخدم المقاومة أفضل منهم على سوء كليهما، لهذا كان من اللافت جدّا أن نسمع بأسلحة غراد قد وصلت المقاومة تهريبا من ليبيا بعد سقوط نظام معمّر القذّافي، وهو ما يبيّن حجم الخيانات العربية من المحيط إلى الخليج لدويلات كثيرا ما زعمت نصرة المقاومة فكان للتمرّد عليها أثرا طيّبا على المقاومة.

ولعلّ أهم ما قد يمثّل صدمة عند القوى العربية والصهيونية والعالمية على حدّ سواء بالنّسبة للقضية الفلسطينية هو الفشل الذرايع الذي مني به جميع هؤلاء لمحاولات تطويع الفلسطينيين تبعا لتطويع شعوبهم من أجل التسويق لفكرة أنّ القضايا العادلة في ظلّ التقدّم التكنولوجي الرهيب لقوى الاستبداد العالمي لا حلّ لافتكاكها إلا بمبادرات السلام والاستسلام الانهزامية، فقد لقّنت المقاومة درسا لن ينسى للجميع وخاصّة لسلطة رام الله التي جعلت من الضفة جزءا من فلسطين 48 الواقعة تحت سيطرة الصهاينة؛ وبيّنت أنّه لا مجال لافتكاك الحقوق بغير نضح الدّم والبارود واستعمال كلّ المجهودات والعدّة والعتاد وإن قلّ بفعل المؤامرات والخذلان لإرهاب العدو الصهيوني، وأنّه بغير هذا وبغيّر منطق القوّة والتخويف لا يمكن لمبادرات الاستسلام تحقيق ملموس على الأرض سوى الوعود الكاذبة التي تجعل القضية الفلسطينية على المشنقة ينتظر الجميع وقت إعدامها دون حيلة منهم لوقف ذلك.

كما كان لخطابات المقاومة سواء تلك العسكرية بلسان المتحدّث باسم كتائب القسّام أبو عبيدة أو السياسية بلسان مشعل أو هنيّة الدّور الكبير في توعية الرأي العام بخطورة المعركة ومدى أهمّيتها، ولعلّ أهم ما وقع على مسامع كلّ حرّ ينتظر بشغف انتصار المقاومة تلك الكلمة التي نزلت بردا وسلاما على قلوب الملايين يوم أن قال خالد مشعل في موضع العزّة منه وعدم الرضوخ للمبادرات الانهزامية “إن نموت بالقصف خير لنا أن نموت جوعا” تحت الحصار، فضلا عن قوله بأنّ تلك المقاومة الفقيرة بمعدّاتها القويّة برجالها وإيمانهم بصدق قضيّتهم قد أصبحوا يحاصرون الصهاينة كما يحاصر الجميع القطاع الأسيف عن طريق قصف المطارات واستهدافهم.

 

وكشفت الحرب الأخيرة وانتصار الرصاص على مبادرات العار الوجه القبيح للعديد من الوجوه الإعلامية والدينية والسياسية العربية التي بدا واضحا سريان ثقافة “التصهين” في عروقها، فأصبحت تنطق بما توحيه الآلة الصهيوصليبية من زخرف القول غرورا، لقدّ بيّنت الحرب على أنّ المخبوء مّمن يدّعي الوصال والنّضال إلى جانب الفلسطينيين ليس جميعه كذلك، بل لابدّ من تمحيص يعرّف المحقّ من المبطل، فظهر من أعلن ولايته علانية للصهاينة في حربهم وشكره للكيان وفي مقدّمة هؤلاء الإعلام المصري إلا من استثني من حرائره الذين يواجهون إعلاما فقد أدنى مقوّمات بقائه، كما فضحت الحكومات والأنظمة العربية ما بين متواطئ في ذبح فلسطين لخلافاتها السياسية مع جماعة الإخوان المسلمين وطامع للقرب والزلفى من قوى الاستكبار، أملا في رضاها، فجاء الانتصار ليصفع كلّ هؤلاء ويجعلهم يواجهون مصيرهم مشؤوم أمام شعوب سئمت خياناتهم وتلاعبهم بقضاياها المصيرية، وأنظمة أخرى ظهرت بموقف الشيطان الأخرس إلا بمواقف التنديد ومبادرات الخنوع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ما فضح الموازنات العالمية التي دخلتها نتيجة تقديمها التنازل تلو التنازل للاعتبارات الدّاخلية والخيارات السياسية لها، وكلّ هذا طمعا في السكوت على قرصنتها لأنظمة الحكم في بلادها، كما عرّفت بشيوخ الدّين ومنهم من يقف مع القضايا العادلة عن قناعة ممّن يحاول ركوب الموجة إرضاء لحكّامه ونعراته الطائفية، خاصّة أولئك الذين برزوا بشكل ملفت مع الحرب السورية ليعودوا للانزواء بأنفسهم مع الحرب الصهيونية. 

مقالات ذات صلة