الرأي

مارغريت تاتشر

مارتن روبر
  • 3776
  • 8

توفت يوم الاثنين إحدى عمالقة السياسة البريطانية، إذ كانت مارغريت هيلدا تاتشر، والتي عرفت لاحقا بالبارونة، واحدة من أشهر رؤساء الوزراء البريطانيين في التاريخ، لذا أود أن أغتنم هذه الفرصة لأكرر أحر التعازي لعائلتها وأصدقائها، وجميع المتأثرين برحيلها عن عمر يناهز -87- عامًا.

 

إن الغاية من هذا المقال هو إعطاء بعض الآراء الشخصية، وليس آراء حكومتي، حول حياة السيدة تاتشر. ولدت مارغريت هيلدا روبرتس في عام 1925، وكانت ابنة بقال في “شرق إنكلترا” والذي أصبح فيما بعد ناشطا في كل من الكنيسة والسياسة المحلية. بفضل تربية صارمة كسبت مارغريت تاتشر الصغيرة أخلاقيات الاجتهاد في العمل، وكانت تبلي بلاء حسنا في المدرسة والكلية وانتهت باختيار دراسة الكيمياء في جامعة أوكسفورد. بعد الجامعة وبعد بدء العمل ككيميائية، أصبحت السيدة تاتشر مهتمة في السياسة، ربما بإلهام من والدها، وصارت ناشطة في الساحة السياسية المحلية المحافظة في الجنوب الشرقي لإنكلترا.

أصبحت السيدة تاتشر في نهاية المطاف نائبة في البرلمان سنة 1959 بعد حملة انتخابية صعبة. وبعد الفترات التي أمضتها كوزيرة للتربية، وزعيمة للمعارضة، تولت السيدة تاتشر رئاسة وزراء بريطانيا سنة 1979 وظلت في هذا المنصب حتى عام 1990. تقاعدت من مجلس العموم سنة 1992، بعد إمضاء 33 سنة كعضو في البرلمان، ثم أصبحت عضوا بمجلس اللوردات (الغرفة العليا في البرلمان البريطاني) في عام 1992 ومنحت لقب البارونة.

لقد كانت سنواتها كرئيسة للوزراء (أول امرأة تصبح رئيسة وزراء في بريطانيا) من 1979 إلى 1990 الفترة التي يتذكرها فيها الناس بشكل أكبر. أرى شخصيا، أنها كانت بالتأكيد شخصية قسمت الأمة. يتذكر الناس فترة رئاستها للوزراء بسبب إلغاء القيود المالية للأسواق والتركيز على خلق المشاريع والثروات وخصخصة المصانع الحكومية والتقارب السياسي مع الولايات المتحدة ومعارضة الاتحاد السوفياتي والقرارات الضريبية وحرب جزر فوكلاند والعلاقة مع أيرلندا الشمالية والعلاقات مع قطاع الصناعة والنقابات.

إن هذه كلها مواضيع محركة للمشاعر، وكثير منها لايزال يناقش الآن في بريطانيا، لكن أيا كانت سياستك، وأيا كانت وجهة نظرك، فإنني أعتقد أن قلة من الناس يمكنهم أن ينكروا أن مارغريت تاتشر كانت رئيسة وزراء بريطانية ذات نفوذ هائل وشخصا يتميز بقوة إرادة جبارة وانضباط كبير (إذ وصفتها إحدى الصحف السوفياتية بالسيدة الحديدية)، وأنها طورت وحافظت على موقف قوي للمملكة المتحدة على الساحة الدولية.

ولعل القراء الجزائريين يتذكرون رابطا بين السيدة تاتشر والجزائر، إذ هناك حسب رأيي رابطا لابد أن يعلق بالأذهان. في عام 1982، كان ابن السيدة تاتشر، مارك، والذي كان متحمسا لرياضة السيارات، يتنافس في سباق باريس – داكار والذي من الواضح أنه كان يعبر قدرا كبيرا من الصحراء. انفصل مارك وشريكه عن قافلة السيارات الأخرى في الصحراء، وكان مفقودا لمدة ستة أيام في المنطقة الممتدة بين تمنراست وتيمياوين. وفي وقت لاحق كتب مارك تاتشر حول الحادث قائلا:

  “إذاً قامت الزعيمة (رئيسة الوزراء) تماما بالشيء الصحيح، حيث التقطت الهاتف واتصلت بالسفير في الجزائر وقالت: “هل يمكنك معرفة ما يجري؟”، ثم اتصل السفير بوالي المنطقة الذي قال أن هناك أربعة أشخاص في عداد المفقودين، وأنني أحدهم، لذا قرر والدي، دنيس تاتشر، الاتجاه إلى تمنراست في اليوم الموالي، أين قال العقيد في الليلة الخامسة: “لا تقلق، سوف نجده في الصباح”. وبالفعل فقد وجدوني في الساعات الثلاث والنصف الأولى من صباح اليوم التالي. كان للجزائريين خطة منظمة ومدبرة بشكل جيد وإمكانات برية وجوية جيدة، إذ تم تنسيق الخطة بأجهزة راديو لاسلكية، وقد سمعت طائرة هرقل خلال عملية البحث، فأطلقت إشارة مضيئة وفي غضون خمس دقائق ظهرت اثنتين من سيارات لاند روفر”. وظلت السيدة تاتشر ممتنة جداً للسلطات الجزائرية على مساعدتها الكبيرة للعثور على ابنها.

إن فتحنا لكتاب التعازي في السفارة، يذكرني بكلمات رئيس الوزراء الحالي، ديفيد كاميرون: “ينبغي أن ينصب معظم تفكيرنا اليوم على عائلتها، فلقد فقدنا شخصية كبيرة في حياتنا العامة، لكن عائلتها فقدت أما وجدة محبوبة، ويجب أن نفكر فيهم اليوم”. وأضاف أن السيدة تاتشر لم تقم بإصلاح بريطانيا فقط وإنما أنقذتها، وبالنسبة لكثير من الناس في بريطانيا فإن ذلك سيكون إرثها الدائم.

 

مقالات ذات صلة