ماكرون سينفذ وعوده بشأن تجريم الإستعمار ويكتب صفحة جديدة مع الجزائر
يعتقد الكاتب والمحل السياسي الفرنسي بيار لويس ريموند، أن الرئيس الفرنسي ايمانوال ماكرون، ماض فيما تحدث به بشأن بشاعة الاستعمار عند حله الانتخابية هنا بالجزائر، ويقول في هذا الحوار مع الشروق “الرئيس إيمانويل ماكرون عاقد العزم على تنفيذه وسنراه بالتأكيد يكتب فصولا جديدة من كتاب دبلوماسية فرنسية جديدة في هذا المجال”.
55 سنة من استقال الجزائر ما زالت العلاقات بين البلدين رهينة لرواسب الماضي، هل يمكن تجاوز هذه الجدلية، خاصة وأن هنالك مطلبا شعبيا بضرورة اعتراف فرنسيا بجرائمها؟
المؤكد أننا لا تستطيع أن نتغنى بلازمة “لا أهتم بالماضي” كما تغنت المطربة الفرنسية Édith Piaf في أغنيتها الشهيرة، أكيد أن كلمة “رواسب ” التي استعملتها تنتمي إلى الحقل الدلالي لذاكرة مجروحة تعول على ما للرصيد الرمزي، كما قال عالم الاجتماع Pierre Bourdieu في وقته، من قدرة على توحيد الوعي الجماعي حول مشروع قادر على توحيد الصفوف لضمان مستقبل هادئ وأيضا مثمر بين بلدين مرا بفترة عصيبة جدا في علاقاتهما على خلفية السياق التاريخي الذي نعرفه جميعا.
وأكيد أيضا، على فرنسا أن تراعي الجانبين الرمزي والعملي من جدلية لا تزال قائمة في النفوس، الجانب الرمزي سيتجلى في طبيعة الرسالة التي سيكيفها رئيس فرنسا الجديد وقد بدأ يقطع شوطا في هذا المضمار وبأسلوبه الخاص الذي لا أحد ينكر انه بدأ يترك الآثار. أما الجانب العملي فهو قائم بشكل خاص على مدى استعداد فعاليات المجال الاقتصادي من الجانبين لتثبيت المزيد من دعائم التعاون والشراكات.
أبدى الرئيس ماكرون خلال حملته الانتخابية من الجزائر أسفا وإقرارا ببشاعة الاستعمار، هل يمكن لهذا الرئيس الشاب أن يحقق ما تجاوزه رؤساء فرنسا السابقين؟
حسنا فعلت بذكر كلمة “الشاب”، فالرئيس ماكرون ينتمي إلى جيل أنتمي إليه أنا أيضا، وهو جيل شباب لم يعايشوا فترة الاستعمار بل درسوها كمادة في كتب التاريخ، ذهبوا إلى مكتبات مدارسهم للوقوف عند دراسات الباحث الأكاديمي الشهير Benjamin Stora ذهبوا إلى السينما ليشاهدوا فيلم “معركة الجزائر” للمخرج الإيطالي Pontecorvo الذي طالما بقي ممنوعا على شاشاتنا، صادقوا جزائريين وفرنسيين من فئات عمرية مختلفة.. اعتمد إذن جيلنا على معرفة سأسميها بالـ”تنقيبية” قادتنا إلى إلا ندير ظهورنا إلى ماض مشترك لا يمكن ولا ينبغي أن نسقطه من المعادلة، لكن في المقابل، وهنا سأواصل الاستعارة الرياضية، لا بد من إدخال متغيرات في هذه المعادلة، وهو ما أعتقد أن الرئيس ماكرون عاقد العزم على تنفيذه وسنراه بالتأكيد يكتب فصولا جديدة من كتاب دبلوماسية فرنسية جديدة في هذا المجال.
تدعو فرنسا إلى إقامة علاقات هادئة مع الجزائر في إبعاد اقتصادية وإنسانية وثقافية، بعيدا عن الماضي يظهر هذا المنحى صعب المنال ونحن نتذكر أن ايطاليا قد اعتذرت وعوضت عن استعمارها في ليبيا، وفرنسا تتهكم على تركيا بسبب ما تسميه جرائم العثمانيين في حق الأردن، لماذا هذه الازدواجية التي تنتهجا فرنسا؟
في الموضوع التركي لم يصدر بعد صوت عن الأسرة السياسية الفرنسية الحاكمة الجديدة، أسرة “الجمهورية إلى الأمام “، لكن هناك ثوابت بشأن هذا الملف لا يمكن تجاهلها.
أولا تركيا عضو حلف الشمال الأطلسي إذن هي حليف دولي ذو وزن ليس بالهين، ومن جهة أخرى نعلم جيدا أن قضية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لا يمكن بحال أن تترك جانبا على الأبد كما “يترك الحبل على الغارب”.
ولا أستبعد أن الأمر كان له تأثيره في الإسراع بوضع حد لاحتجاز الصحفي Lou Bureau في تركيا وهو أمر جسد معطى دبلوماسيا هاما جدا وهو أن قنوات الحوار مفتوحة بين فرنسا وتركيا وأكثر من ذلك، فهي قائمة على ثقة متبادلة.
أما عن مسألة الاعتذار التي ذكرتها، وأنا اربطها بالرصيد الرمزي الذي تحدث عنه في بداية المقابلة، كل السيناريوهات محتملة طالما لم تتناول الدبلوماسية الفرنسية الكلمة في هذا الموضوع.
لكن قراءتي للوقائع الراهنة كالتالي: يمكن تصور سيناريو لن نسمع فيه من الدبلوماسية الفرنسية بعد الآن لا عبارة “اعتذر”، ولا عبارة “نطالب بالاعتذار”، وهذا لن يكون معناه أن الشعور بالألم والأسى و حتى بالذنب سيكون غائبا عن الذاكرة الجماعية، بل العكس تماما. المعنى سيكون أن صفحة أليمة يجب أن تطوى، وأحسن طريقة لطيها تكمن في استشراف أفق جديدة قائمة على مشاريع فعالة بين الضفتين.