الرأي

مالك بن نبي شهد لقرنه.. فأين شهودُ هذا القرن؟

محمد بوالروايح
  • 2890
  • 0

مهما تحدَّثنا عن عبقرية مالك بن نبي رحمه الله وعن نبوغه الفكري واستشرافاته التي أصبحت منطلقا لكل الدراسات الحضارية فلن نوفيه حقه. لقد عاش بن نبي رحمه الله في زمن الاستعمار الذي حكم الناس بقوة الحديد والنار فلا صوت يعلو على صوته، استعمارٌ همّش كل فكر وحارب كل مفكّر يغرد خارج السرب أو يرى ما لا يراه هو.
كتب الله لمالك بن نبي أن يعايش ميلاد أيديولوجيات أخرى اشتراكية وأممية متشاكسة ليس هناك ما يجمعها أو يشكل عاملا مشتركا بينها، وكانت خارج هذه الأيديولوجيات فكرة إسلامية، يمرّرها أصحابها على استحياء ويحاولون إزالة ما علق بها من تصورات لا تمتّ إلى إليها وهي قبل أن تكون فكرة كانت عقيدة ثم انحرف بها بعض المتعاطين معها عن جادتها، فكان لزاما أن تنبري فئة خاصة من صفوة هذه الأمة لكي تزيل ما علق بها من أوهام وتفسيرات العوامّ وتأويلات علماء السلطان لكي تعود بيضاء نقية كما كانت. ويعدّ بن نبي رحمه الله واحدا من هذه الفئة التي سخّرت موهبتها الفكرية لتجلية الفكرة الإسلامية وتمكينها لكي تستعيد مكانتها في المجتمع الإسلامي ولتهيئتها لتخوض غمار الصراعات الأيديولوجية الشرقية والغربية ولتكون كما أرادها الله لا شرقية ولا غربية.
المفكرون صنفان: صنفٌ رحيله لا حدث لأنه عاش منطويا على نفسه، رهينا داخل شرنقة أفكاره التي لم يتجاوز أثرُها محيطه ولم يصل صداها إلى غيره، وصنفٌ يمثل رحيله فقدا حقيقيا لأنه عاش منفتحا على غيره، متحررا من ذاتيته، مندفعا نحو العالمية فخلَّد اسمه وخلُدت أفكاره ولا يزال الناس يحتفون بذكراه ويغترفون من علمه حتى وجسده قد انحلّ في التراب ونبت الربيع على دمنته. أعتقد -ويشاطرني في ذلك كثيرون- أن بن نبي رحمه الله من الصنف الثاني الذي نذكره فنفتقده ونكتب عنه فيعجز اليراع عن الإحاطة بمواهب هذا الرجل الذي بدأ مهندسا كهربائيا وانتهى مفكرا حضاريا مرموقا تقرأ له فتجد في كتبه متعة فكرية وشوقا إلى معانقة الأفكار الكبيرة بآليات جديدة مبتكرة لا تجترُّ القديم المعاد بل تأخذك في فضاءات حضارية رحبة، تجدد ما رثَّ من أفكار وتزيل عنها ما ورثه الناس من أوهام.
قد ينتقدنا بعض الجاهلين بشخصية بن نبي رحمه الله فيقولون إن ما نكتبه عنه إطراء على طريقة الأدباء والشعراء الذين لا يرون في ممدوحهم إلا الجوانب المضيئة ويغضُّون الطرف عن الجوانب المظلمة، لكن العالمين بشخصية بن نبي رحمه الله يدركون بأن كل مدح له لا يوفه معشار ما يستحقه؛ فهو الرجل الذي كسر القوالب الفكرية الحضارية البالية وبنى على أنقاضها قوالب أخرى أكثر نضجا وقبولا وتماهيا مع العصر. هذه هي الجوانب التي ارتقت ببن نبي رحمه الله وجعلتنا نقرّ بأن فكره يقدِّم إجابات لكثير من الإشكالات الحضارية وبأن في سيرته ما يستلهم منه الباحثون في الدراسات الحضارية ما يعينهم على تشكيل رؤية حضارية أكثر صدقا ومصداقية وأكثر قبولا لدى العقل الإنساني في زمن الذكاء الاصطناعي.

أفكار بن نبي الحضارية لا تحتاج إلى من يبعثها لأنها ليست من قبيل الأفكار الميتة، بل تحتاج إلى من يستوعبها ويعيد قراءتها بعقل مدقق، يتجاوز ظاهرها إلى ما تحمله في طياتها من مقترحات حضارية رائدة، تعيد إلى الإنسان دوره المركزي في هذا الكون، وتعيد للفكر دوره المحوري في بناء الحضارة على أسس متينة ووفق رؤية استشرافية لا ينتهي أثرها عند الراهن المعيش بل تتعداه إلى المستقبل بكل تفاصيله وتحدياته وتجلياته.

“مذكرات شاهد للقرن” التي كتبها بن نبي رحمه الله قبل عقود ليست مجرد مذكّرات من شاكلة ما يكتبه القادة السياسيون، بل هي كتاب مفتوح من شاكلة ما يكتبه المفكّرون الملهمون الذين لا تأخذهم العزة بالإثم ولا تستهويهم خلافاتهم مع الآخرين، بل يستهويهم صناعة الأفكار الحية التي لا تموت بموتهم. لقد كتبت سابقا عن أفكار بن نبي الحضارية وقلت إن أفكاره لا تحتاج إلى من يبعثها لأنها ليست من قبيل الأفكار الميتة، بل تحتاج إلى من يستوعبها ويعيد قراءتها بعقل مدقق، يتجاوز ظاهرها إلى ما تحمله في طياتها من مقترحات حضارية رائدة، تعيد إلى الإنسان دوره المركزي في هذا الكون، وتعيد للفكر دوره المحوري في بناء الحضارة على أسس متينة ووفق رؤية استشرافية لا ينتهي أثرها عند الراهن المعيش بل تتعداه إلى المستقبل بكل تفاصيله وتحدياته وتجلياته.
سأورد في هذا المقال بعض ما يفتقده هذا القرن برحيل مالك بن نبي رحمه الله استخلصته مما كتبه في كتابه “مذكرات شاهد للقرن” التي أقدّمها للمهتمين بتراثه الحضاري لعلها تكون لهم عونا لاكتشاف ما خفي من جوانب هذه الشخصية الفذة ولتكون إطارا معرفيا لمن يريد التعمق في فكره الذي يحوي دُررا فكرية كثيرة لا تمثل براءات اختراع وحسب بل تمثل فكرا متولدا متجددا كأنما شمله شيء من التوفيق الإلهي والفتح الرباني.
ما كتبه عمر مسقاوي في تصديره لكتاب “مذكرات شاهد للقرن” يلخص ما ذكرته آنفا، فهو يقول عنه: “.. هذا الكتاب يكشف لنا مكوّنات فكر مالك بن نبي، وهاجسَه العميق الذي رافقه طوال حياته. إنه هاجس الحضارة ومشكلاتها، وما كان لبن نبي أن يروي لنا شهادته لولا أنه قد رغب في تأصيل الأساس الفكري لنهضتنا، وآثر الحقيقة والتزم جانب الصدق والكفاح حتى أسلم الروح. لم تفتر له عزيمة في بيان، ولم يهُن له عزم في كشف كل زيف تروج بضاعته في أسواق الثقافة ومراكز التوجيه. إنه شاهد القرن ومبلِّغٌ فيه لما شهد والتبليغُ في منعطفات التاريخ رؤية فكرية وروحية معا، في صيغته روح المعالم وفي حرارته شرارة الإقلاع”.
إن أهم ما يستوقف القارئ فيما كتبه عمر مسقاوي عن شخصية ورؤية بن نبي رحمه الله في كتابه: “مذكرات شاهد للقرن” هي تأكيده أن بن نبي رحمه الله لم يكن من شاكلة من تستهويهم “أسواق الثقافة” ممن لا تمثل الثقافة بالنسبة لهم إلا بضاعة معدَّة للتسويق وليس شيئا آخر. كان فكر بن نبي رحمه الله أنموذجا مختلفا تماما عن هذا الهُزال الثقافي والابتذال الفكري الذي لا يرى للفكرة قيمة إلا بقدر ما تدرُّه من نفع مادي لا أقلّ من ذلك ولا أكثر. إن الضياع الفكري الذي تشهده الثقافة اليوم مرده إلى هذه النظرة الاختزالية والدُّونية للثقافة على أنها بضاعة للتسويق وليست عاملا من عوامل تحقيق الإقلاع الحضاري الذي ننشده ولما ندركه بعد لأننا أسَّسنا الثقافة على أسُس دخيلة عنها وكل دخيل لا يمكنه أن يوصلنا إلى الحقيقة أو يكشف لنا ما خفي من جوانب الحضارة.
يمكننا أن نقف في كتاب “مذكرات شاهد للقرن” على جوانب أخرى يفتقدها هذا القرن وهي ضرورية له لتحقيق الإقلاع الحضاري الحقيقي الذي برع كثيرون في توصيفه ولكنهم أخفقوا في إيجاد الوصفة السحرية التي تخرجه من طور التنظير إلى طور التفعيل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. ومن هذه الجوانب أن الوعي بالماضي واستيعابه أساسٌ لفهم الحاضر ولبناء المستقبل، وهنا يركز بن نبي عن القطيعة الفاضحة والخطيئة الفادحة التي حدثت في فترة من الفترات في المجتمع الإسلامي بين الماضي والحاضر والمستقبل مما جعل الطبقة المثقفة تتعامل مع نثار فكري لا يصلح لتحقيق الإقلاع الحضاري ولا حتى للمحافظة على الصورة الرديئة التي ارتسمت في أذهان من سبقوهم إلى هذا الميدان عن التحول الحضاري.
لا يرى بن نبي رحمه الله في “مذكرات شاهد للقرن” جدوى من العمل الإصلاحي إلا إذا كان هذا الإصلاح في إطار رؤية حضارية شاملة، فهو يعيب على دعاة الحركة الإصلاحية جعل الدين وعاء لهذا الإصلاح وإهمال العقل، ويعيب على دعاة الإصلاح الطريقةَ الغربية في إقصاء الدين واعتمادهم المطلق على العقل، فالإصلاح عند بن نبي رحمه الله لا يتحقق بالتركيز على الجوانب الشكلية من الدين ولا يتحقق باستبدال العمامة بالطربوش بل يتحقق بعمل حضاري متوازن يجري بآليات فعالة ويسير وفق سياقات محددة.
إن الفكر غير قابل للاستنساخ ولو كان ذلك متاحا لاستنسخنا فكر بن نبي رحمه الله لنصلح به ما فسد من أفكارنا وما اعوجّ من مناهجنا في التعامل مع المعطى الحضاري. لقد شهد بن نبي رحمه الله لقرنه فأين هم شهودُ هذا القرن؟ سؤالٌ ملحٌّ موجَّه لكل النخب التي تهتم بالفكر الحضاري لكي تقدم مساهماتها الحضارية ولتسدّ بعض الفراغ الذي تركه مالك بن نبي رحمه الله.

مقالات ذات صلة