الرأي

مالك بن نبي والقطة “لويزة”

قبل الحديث عن تلك الصورة الراقية للإمام وليد مهساس، وهو يقطف لجمع من المصلين، آيات بيّنات من قرآن الخير والرقي والصلاح، وقطة آمنة مسالمة تسافر على كتفه بحب وتعايش، في رسالة، لا داعي لشرحها من قوة وضوحها، يجدر التنبيه إلى العلاقة الوطيدة بين علماء الأمة مع كل ما هو حيّ في الحياة، فقد أذهل الأمير عبد القادر في منفاه في دمشق زواره من المسيحيين، ومنهم الكاتب البريطاني شارل هنري تشرشل بحبه للعصافير والخيول، وربّى الشيخ عبد الحميد بن باديس في بيته غزالتين ظل يعتني بهما إلى أن توفاه الله، فكان طبيعيًّا أن يفهم الجميع بأن الإسلام لا علاقة له بتلك الصور الهمجية التي حاولوا إلصاقها به، لأنه دين حياة مربوطة كل فرائضه بالخير للناس أجمعين ولكل من دبّ على الأرض.

في كتابه الراقي “مذكرات شاهد للقرن” الذي يروي فيه جزءا من حياته، كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي عن يومياته في باريس عندما كان طالب هندسة، مع زوجته الفرنسية المسماة خديجة وقطتهما “لويزة”، يقول مفكر عصره وكل العصور، إنه كان في كل مساء يضع مصحفا كبيرا أمامه، ويقرأ بصوت خافت أمام أسماع زوجته التي لم تكن تفهم اللغة العربية، ما تيسّر من القرآن الكريم، وعلى مدار سنواته الباريسية، كان يلاحظ بأن القطة “لويزة” تتجول على كتفه وعلى حِجره، فتتوقف هنا وهناك وتقترب منه ومن زوجته ولكنها لم تدس المصحف الشريف بقدميها قطّ، في ظاهرة أراد المفكر مالك نبي أن يرويها للقراء كما حدثت له، ولكن من دون تعليق عليها، حتى لا يفهم الناس بأنه يريد أن يجعلها قاعدة حياة، أو يزكّي نفسه وقراءته لكتاب الله، وهو المفكر الذي لم يكن له من همّ في الحياة سوى دعوة الناس للتفكير.

وبقدر ما تطوَّر تعامل الناس مع الأحداث من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وسافر الخبر في لمح البصر عبر قارات العالم، فإن التعامل معه بالإيجاب هو الذي يمكّنه من بلوغ المبتغى، لأن ما تتعرض له الأمة الإسلامية في الفترة الأخيرة وفي رمضان الحالي، من محاولة تشويه لركن الصيام كما حدث في لعبة كرة لقدم في فرنسا، ومن خلال استفزاز المسلمين في القدس الشريف في فلسطين، يتطلب استعمال كل الوسائل الممكنة، ليس من أجل الدفاع عن الدين الخالد، وإنما لتقديمه للناس كما هو، دين رحمة مُنزَّل من رحمان رحيم.

قرأنا بعض التعاليق الطيّبة عن حادثة الإمام وليد والقطة العابرة في قنوات عرفناها بعدائها للمسلمين ومنها “سي. آن. آن” الأمريكية، وقرأنا في المقابل تعاليق جارحة من بعض المحسوبين على الإسلام، ولكن على المسلم أن يتعامل مع كل هذه التعاليق كما تعامل الإمام مع القطة البريئة، مُربتًا على ظهرها تاركا إياها تمضي إلى شأنها، من دون أن يوقف رحلته هو مع كتاب الرحمة والرقي.

مقالات ذات صلة