مال بلا “بنون”!
لا أحد أجبر أمين عام الحزب العتيد، السيد جمال ولد عباس، ولا أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي، السيد أحمد أويحيى، أن يحاولا إقناعنا بأن قوائمهما الانتخابية لتشريعيات شهر ماي القادم، ستخلو من الأثرياء الذين لا يملكون من الشهادات، ولا من الكفاءة غير شهادة الحساب البنكي المنتفخ، أو ما صار يُعرف شعبيا بأهل “الشكارة”، ولا أحد أجبرهم على تكرار هذا التعهّد أمام الناس وفي الصحافة، بعد أن شعروا بأن عامة المواطنين، عرفوا بأن المال تمكنّ من السلطة والقطاع العام، بعد أن اكتسح القطاع الخاص، وبنى لنفسه جمهورية، لا فضيلة فيها.
ومع ذلك أكد أهل الحزبين وليس غيرهم، بأن المال وحده من كان “زينة” هذه القوائم، المرشحة وبقوة لأن تجلس في مبنى زيغود يوسف لمدة خمس سنوات قادمة، تمارس رياضة رفع اليد اليمنى و”يوغا” الآذان الصماء والألسن الخرساء.
أن يكون المرشح للتشريعيات أو الرئاسيات من أثرياء البلاد، ليس عيبا، بل “إن المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف”، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان من أثرياء قريش، وصاحبا رسول الله، وشاركاه في كل الغزوات، وتوليا الخلافة الراشدة، ونجحا في حماية الدين الحنيف ونشر الإسلام في كل أصقاع العالم، وكان عبد الله بن عوف وطلحة بن عبيد الله من أغنياء العرب في فجر الإسلام وبشّرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولكن أن يتحوّل الثراء إلى عيب أو يبقى أجوف من دون علم ولا أخلاق، فتلك هي المشكلة التي وقعت فيها الجزائر، التي تركت جمهورية المال الفاسد _ حتى لا نقول ساهمت فيها _ تُبنى على أنقاض الأخلاق، ثم راحت ترجم هذه الجمهورية، على طريقة من نحت تمثالا لعبادته، وكلما جاع راح يلتهم بعض أطرافه المنحوتة.
لقد فشلت الدولة في التعامل مع الفقراء، بسبب تعالي بعض الأطراف في القمة على انشغالاتهم، فهام بعضهم في وادي الإجرام والانحراف، وفجّروا كل جسور التلاقي بين القمة والقاعدة، وعطّلوا نهائيا لغة التواصل، فصار العنف هو اللغة الوحيدة المتبادلة بينهما، ولا طريق للحصول على الحقوق سوى بالاعتداء على حقوق الآخرين، من خلال قطع الطرقات وإرهاب الأبرياء بصور الانتحار حرقا أو شنقا أو من خلال مناطحة أعلى قمم مقرات البلدية والولاية، وفشلت الدولة أيضا في التعامل مع الأثرياء، بسبب غضّ الطرف وأحيانا المساهمة في جعل المال زينة لوحده، من دون بنون ولا علم ولا أخلاق، فهام معظمهم في وادي الانحلال، وفجّروا كل جسور التلاقي مع القمة والقاعدة، وبكموا صوت الحق لصالح صوت رنين المال، فصارت “الشكارة” اللغة الوحيدة للتخاطب، ولأول مرة في تاريخ البشرية، يتحسّس الناس من المال، وتصبح الثروة التي هي مبتغى وهدف وزينة الحياة الدنيا.. جريمة.