الرأي

مانديلا صاحب القلب الأبيض

جميلٌ أن تحتفل بالعظماء في غير ذكرى ميلادهم أو وفاتهم، والأجمل أن تسترجع ما أبدعوه من أقوال وأفعال ونيات صادقة، كما حدث مع الزعيم الإفريقي الأسطوري نيلسون مانديلا في الجزائر، بعد أن ثُبّت اسمه على مركّب رياضي، سيبقى راسخا في أذهان الجزائريين وجزءا من أفراحهم كما كان الخامس من جويلية خلال أكثر من نصف قرن.

يشعر أي قارئ لسيرة الزعيم الخالد نيلسون مانديلا، بأنه أمام واحد من كبار الجزائر، فقد ظل الرجل في عزّ محنته وسجنه يذرف حِكَما لا ينطق بها ويعيشها إلا أمثال العربي بن مهيدي والبشير الإبراهيمي في صورة مقولته الخالدة وهو في سجنه في جنوب إفريقيا: “الحرية لا تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرا أو لا يكون”، وقد أسّس بشخصيته الخالدة لبلاده جنوب إفريقيا حرية حقيقية، فتحوّلت إلى قوة عالمية لا تخشى لومة أي لائم مهما كانت قوته، بدعمها للفلسطينيين، واعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية، وانضمامها إلى مجموعة “بريكس” الاقتصادية، بعد أن استلهمت الحرية الحقيقية التي تنفسها زعيمها “نيلسون منديلا”، وعاش لأجلها، وقال أيضا: “أنا لست حرا حقا إذا أخذت حرية شخص آخر، والمظلوم والظالم على حد سواء قد جُرّدا من إنسانيتهما والرجل الذي يحرم رجلا آخر من حريته هو سجين الكراهية والتحيُّز وضيق الأفق”.

وعندما يلتقي رجلٌ بهذا الحجم، عاش في السجن عشرين سنة وما كان ينطق سوى حرية للناس، مع بلد عاش قرنا وثلث قرن في سجن الاستعمار، وما كان ينطق سوى حريةً، فإن الأمر سيكون اندماجا وتواصلا بين ثائر وثوار وحرّ وأحرار، ويصبح ذكر اسمه في الجزائر، كذكره لاسم الجزائر على مدار سنوات كفاحه.

عودة نيلسون مانديلا إلى الجزائر، كان هذه المرّة في جو احتفالي ببُعد شعبي، وكما نجحت الجزائر في تذكير العالم بالشعب الفلسطيني طوال ساعات القمة العربية، ستنجح أيضا في تذكيرهم بكل المظلومين الذين دافع عنهم الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، وعلى رأسهم الشعب الصحراوي، وهذا خلال أيام كأس إفريقيا للمحليين.

أعطت محنة كورونا وبعدها أزمة أوكرانيا، بصيص تغييرات ممكنة في العالم، فالقويُّ ليس بالضرورة يبقى قويا إلى ما لا نهاية، والضعيف إنما بالتطبّع وليس بالطبع وبكروموزومات الضعف، والأفارقة يمكنهم أن يستلهموا من كبارهم، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا، ليحققوا حريتهم في جميع المجالات، مع قليل من الوحدة والتحدي، ليصنعوا لأنفسهم مستقبلا أبيض في قارة سمراء، توهّم الرجل الأبيض بأنها ستبقى بين يديه إلى آخر العمر، وتوهّم بأن تسمى المصانع والجامعات والمدن والملاعب بأسماء أبطاله، فجاءه الردّ من نيلسون مانديلا من قلب الجزائر، بعد عشر سنوات من وفاته.

مقالات ذات صلة