الرأي

ما أحلى الرجوع إليها

هذا الضمير المؤنث في إليـ(ها) لا يعود إلى والدة ، ولا إلى مولودة، ولا إلى زوج، ولا إلى كاعب ولكنه يعود على “جماد” ينبض بـ”الحياة”، إنه مكان كان يضم مدرسة ومسجدا في حي محمد بلوزداد، وقد أسستهما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي ودشنهما الإمام محمد البشير الإبراهيمي، وتلك هي “فلسفة” جمعية العلماء التي تجمع بين المدرسة لتعليم العقول والمسجد لتزكية النفوس فلا تبقى إلا صورة اللّحم والدّم، وهي قدر مشترك بين جميع الحيوانات الماشية على أربع، أو على اثنتين أو الزاحفة على البطن.

دخلت هذه المدرسة لأول مرة في شهر أوت من سنة 1960، عندما زرت مدينة الجزائر قادما إليها من مدينة جيجل، وأنا فتى ابن ثلاثة عشر عاما، وكان القائم على المدرسة آنذاك هو الأستاذ الدراجي بورويس وعدت إليها تلميذا في 15/1/1963. وقد أخذت اسم “ثانوية ابن خلدون”، والتعليم الثانوي آنذاك كان يشمل التعليمين المتوسط والثانوي وهذه الثانوية، هي أولى ثانوية معرّبة في الجزائر بعد استرجاع الاستقلال وتطهير الجزائر من الأنذال الفرنسيين.

كان يؤطر المتوسطة – الثانوية ستة أساتذة هم محمد كحلة، وجموعي مشري والشريف (…)، ومحمد بدوي (أستاذ تونسي معارض لنظام بورقيبة)، وسوريان هما الدكتور إبراهيم دلول وعدنان كُردي، ويدير المتوسطة – الثانوية الأستاذ عبد المجيد حيرش (1910 – 1985) من مدينة فرجيوة، والمراقب العام هو الأستاذ محمد بوراس، رحم الله من انتقل من الفانية إلى الباقية، ومتّع بالصحة والعافية من نسأ له الله في أجله.

وها أنذا أعود إلى هذه المؤسسة بعد يوم وثلاث وستين سنة، وقد اشتعل الرأس شيبا، ووهن العظم وثقل السمع، وكلّ البَصَرُ، وصِرْتُ – كما يقول الشيخ طاهر شنتير -: “تعقلني شعرة، وتحجزني بَعْرَة”. كانت مناسبة العودة إلى هذه المؤسسة دعوة كريمة من فضيلة إمام المسجد الذي يسمى الآن مسجد “الشيخ أحمد حفيظ” .. وهو أحد الأئمة الذين تداولوا على هذا المسجد .

في المنزل التابع لهذه المؤسسة، كان يقيم الشيخ العربي التبسي، الذي انتقل من قسنطينة إلى مدينة الجزائر ليدير شئون جمعية العلماء بعدما سافر الإمام محمد البشير الإبراهيمي إلى المشرق العربي في مارس 1952، معرّفا بالقضية الجزائرية، وساعيا إلى الحصول على منح لطلبة معهد الإمام عبد الحميد بن باديس في ثانويات وجامعات الدول العربية.

ومن هذا المنزل، اختطف المجرمون الفرنسيون الشيخ العربي التبسي، نائب رئيس جمعية العلماء، في يوم مشئوم – وكل أيام فرنسا في الجزائر أيام شؤم – من سنة 1957، وقد عذّب عذابا نكرا، ولا يعرف له خبر ولا قبر إلى يوم الناس هذا …

لقد شرّفني فضيلة الإمام، فطلب مني أن ألقي درس الجمعة، وهو “بدعة” من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فذكّرت بمنن الله – عزّ وجل – علينا، وأجلّ نعمة هي نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة.. وهي نعمة أوصي نفسي وجميع الجزائريين أن نعضّ عليها بالنواجذ، إذ لولا الإسلام لما بقيت الجزائر، ولن تبقى – إن شاء الله – إلا به.

مقالات ذات صلة