ما بعد … الأزمة !
رسم الجزائريون منذ أكثر من عشرة أشهر بريشتهم المتعددة الألوان، حراكا مازال برغم تقدمه في الزمن، يتميز بسلميته، حتى صار مرجعا في العالم، ورست سفينتهم على انتخابات رئاسية برغم إختلاف الرؤى حول حيثياتها وجزئياتها، فإنه لا أحد تحدث فيها عن تزوير أو ميلان لكفة حيث مال النظام، وفقدوا قائدا عسكريا لبس الثوب المدني وعاش مع الجزائريين في حراكهم وانتخاباتهم، وزج لأول مرة في تاريخ الجزائر بالمفسدين جماعات في غياهب السجون، وصنع الجزائريون في بعض جمعات الحراك صورا تضامنية قلّ مثيلها، وخطّطوا في جنازة قائد الأركان خرائط أخرى، ظن الناس بأنها دفنت يوم دُفن الرئيس الراحل هواي بومدين، حيث كانت النيات الخالصة عنوانا للسلوك الجزائري.
المشكلة الكبرى أن هذه المحن والأزمات لم تلد، بعد أية همّة، ومازال المخاض العسير والطويل لم يطلق صيحة المولود الجديد.
والذي يقول بأن الجزائر قد انطلقت نحو عهد جديد أو مباشرة بناء جمهوريتها الجديدة أو جدّدت دماءها يكون قد غالط الناس وغالط نفسه، فإلى حد الساعة مازال الحراك لم يعط ثمرة واحدة في طريق النمو، ومازالت الرئاسيات غير مختلفة في سنابلها عن التي سبقتها على مدار عقود، وما زال الأوفياء للراحل قايد صالح من المشيعين لم يباشروا العمل لأجل أن يكونوا في مستوى الوفاء للرجل الذي دكّ البلاد مدّا وجزرا وهو في الثمانين من العمر.
لم يعد يفصلنا عن بداية سنة 2020 إلا بضع ساعات، وسيقول الجزائريون حينها بأن حراكهم الذي أدهش العالم بدأ السنة الماضية، وتقول السلطة بأنها كسبت لأول مرة رئيسا شرعيا عبر انتخابات شعبية خلال السنة الماضية، ويتذكر الجزائريون دائما بأن قائد الأركان الذي رافق السلطة والشعب قد أنهى رسالته وغادر بحر نهاية السنة الماضية، ومع ذلك لا شيء تغير، ولم تبدأ البلاد جهادها الأكبر الذي يتركز على فتح ورشات عملاقة ومشاريع أمة، تنطلق عبرها نحو حياة أفضل، وأمام ناظرها الكثير من النماذج العالمية الناجحة في مختلف القارات التي أظهرت للعالم قوى اقتصادية وعلمية جديدة، أما أن يبقى الحراك يكرّر “جمعاته” وتبقى السلطة مبتهجة بانتخاباتها، ويبقى المعزون يتبادلون صور يوم الأربعاء الأخير، فمعنى ذلك أن أزمتنا قد ولّدت للأسف أزمات أخرى.
تمنى الجزائريون بأن يكون حراكهم مثل إسمه من أجل غد مزدهر، لا فضل فيه لمن سار في الجمعة الأولى أو من واصل إلى غاية الجمعة الأخيرة، وتمنوا أن يكون الرئيس الجديد لا يشبه من سبقوه ولا يشبه المحيطين من حوله من سبقوهم من عهد أحمد بن بلة إلى عهد عبد العزيز بوتفليقة، وأن يخرج من موتاه أحياء بإراداتهم وعزمهم على رفع التحديات، وتنتهي للأبد السلوكات السلبية التي عششت لعقود في الجزائر من سلطة وشعب، لأن توثيق صور المسيرات والتباهي بالتواجد فيها، وتقديم قرابين الموالاة للرئيس الجديد والسير في الجنازات لأجل مآرب سريعة، يعني أننا بعد عشرة أشهر من الحراك لم نبدأ بعد، وبدلا من الزج بمن أسسوا لجمهورية فساد في السجون، ما زلنا متمسكين بجمهورية الرذيلة من دون أنذالها !