الرأي
من بعيد

ما خاب فريق روراوة رئيسه.. سعدان مدرّبه.. وشاوشي حارسه

يبدو أن مسألة الشرعية ستظل تطارد العرب إلى زمن بعيد، خصوصا بعد نقلها من المجال السياسي إلى المجال الرياضي وتحديدا كرة القدم، لكونها تمثل فضاء واسعا يمكن للسفهاء والفاشلين أن يدلوا فيه بآرائهم باعتبارهم خبراءَ.. هنا يتحول الحديث اليومي بين الناس إلى تفاخر أو انتقام أو ردود فعل، وهذا يشترك فيه سكان العالم ولكل شعب طريقته في الخروج من ذلك سواء في الفرح أو الترح.

خطاب العالم اليوم، نشارك فيه عربيا من خلال تصعيد ما تراكم في الأعماق من مظالم أو مخاوف لنطهره ولنقيم حروبا بالوكالة مع آخرين ليسوا أعداء لنا، لكن لا تحكمنا في ذلك حميّة الدفاع عن الأعراض والأراضي، مع أننا نفقد كل يوم موقعا جديدا، هذا في الوقت الذي اختلفنا فيه إلى درجة الفتنة حين تعلق الأمر بمقابلات في كرة القدم، وقد يقول البعض هذه حال كل الشعوب، والرد يأتي في القول: إننا أمة تستمد شرعية وجودها من الإيمان الذي وضع له دستورا هو القرآن وكتاب تفصلي هو الكون وما فيهما من آيات الله، لذلك لا يقبل أن تكون قدوتها الأمم الأخرى، ثم لماذا لا تأخذ من نهج الآخرين ورؤاهم، جانبها الإيجابي ونعتبره مسلكا في حياتنا.

مناسبة الحديث في هذا الموضوع هي تلك الحملة التي يتعرض لها الفريق الجزائري ومدربه رابح سعدان من أنصاره بعد هزيمته في مقابلته الأولى في كأس العالم بجنوب إفريقيا، فقد كبرت بحجم الآمال الكبرى للشعب، وفيها نلاحظ النكران والجحود للجهود التي بذات وللانتصارات التي تحققت خلال الفترة السابقة، فقط لأن هناك كبوة حصلت للفريق الوطني نراها أكثر عمقا لدى الفرق العالمية الأخرى، وهو الأمر الذي يعدونا إلى النظر للمسألة من زواية الشك في الحملة التي يقودها بعض من الذين يصنعون الرأي العام، مثلما عملوا في السابق على تضخيم خلافاتنا الداخلية سنوات الإرهاب وأيام الفتنة الإعلامية بين مصر والجزائر.

وبعيدا عن التحليل الرياضي للحدث ـ والواجب أن يظل كذلك ـ فإن الرؤية السياسية لما حققه روراوة وسعدان بواسطة الفريق الوطني يعتبر الإنجاز الأكبر لجهة تحريك الشعور بالانتماء للوطن في وقت تكالب فيه رجال السياسة بمن فيهم الشرعيون عن نهب خيرات البلاد، لهذا لن تفلح محاولات دق الأسافين بين روراوة وسعدان ليس لكونها غير مؤسسة وفاشلة، ولكن لأن العلاقة بينهما قامت على أسس متينة تخدم في النهاية المصلحة العامة، حتى لو بدت لنا في جوانبها الإنسانية أكثر وضوحا، وعلى دعاة الخلاف والفتنة أن يظلوا بعيدين عن مسار الحركة الرياضية في الجزائر.

واضح أن قيم التّضحية نفسها تغيرت، مثلما تغيرت مسألة التقييم للأفعال، وما حدث من حملة ضد اللاعبين غزال وشاوشي، تؤكد ما ذهبت إليه آنفا، فقد قدّما خلال الفترة الماضية الكثير، ولا ينكر جهدهما إلا جاحد، والمتابعون لنشاطهما يشهدون على ذلك، فكيف توجه إليهما السهام وهم لا يزالان في الميدان.. أعرف أن الرغبة العارمة في الانتصار تحرّك الجميع، جزائريين وعرباً، خصوصا بعد الفشل في كل قضايانا الأخرى، غير أن هذه الرغبة ليست مبررة للقيام بجلد الذّات أو تحميل الفريق وقائده ومدربه كل أوجاع وأمراض المجتمع الجزائري من الفساد المالي والإدراي إلى التراجع على مستوى العلاقات الدولية.

عودة المجتمع ـ أي مجتمع ـ إلى برّ الأمان مرهونة بالثقة وهذه تتحقق من خلال عنصر الزمن، وقد أثبتت الأيام مصداقية رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم محمد روراوة والمدرب رابح سعدان من ناحية صناعة الانتصار، فقبل عودتهما لقيادة الفريق الوطني وأثناءها كانت أحلامنا لا تتعدى المشاركة ـ مجرد المشاركة ـ على مستوى كأس الأمم الأفريقية، بل أن العرب الأفارقة بمن فيهم المصريون كانوايتخوفون من عدم المشاركة، وفرصتهم كانت قليلة إلى حد بعيد.. اليوم، وقد تمّكن العرب من الوصول إلى كأس العالم، وهو بالطّبع أحسن من الغياب بغض النّظر عن النتائج التي حققها الفريق الوطني علينا أن نعيد النظر في ردود فعلنا من حيث إحلال الانتقام من الرياضيين بالنقد أو التهجم بدل الاهتمام بما أسفرت عنه السياسة من هزائم على المستوى المحلي والقومي.. ومهما يكن فإن الآمل لا تزال قائمة في الانتصار، لأن فريقا رئيسه روراوة، ومدربه سعدان وحارسه شاوشي لن يخيب أبدا، وماذا سيفعل دعاة الهزيمة في حال الفوز؟

على العموم إن مقابلة في كرة القدم ليست معركة حربية، تحرر فيها الأرض، إنما هي مجرد لعبة شعبية قد تعبر عن دخولنا إلى مرحلة الأمان، لكنها على صعيد آخر لعبة خطيرة هي: مثل السياسة تماما تظهر خلاف ما تبطن، توظّف فيها الأموال وتطغى فيها السياسة وتتقاطع فيها المصالح ومواقع النفوذ في الجزائر، ولن يكون سعدان ولا أي لاعب في الفريق الجزائري ضحية مطالب أولى للحكومات أن تحققها، ولو حارب الجزائريون الإرهاب أو واجهوا الفساد خلال السنوات الماضية بقدر حربهم هذه الأيام على سعدان وغزال وشاوشي لتغير الوضع في الجزائر.. وبالنسبة لي، وقد قضيت عمري السابق كله لا أتابع كرة القدم، فإني واثق من فوز الفريق الجزائري، إن لم يكن في هذه الجولة، ففي جولات أخرى.

مقالات ذات صلة