الرأي

ما هذا الحب المفاجئ لإفريقيا؟

محمد سليم قلالة
  • 1841
  • 0

في نفس اليوم الذي يُعلِن فيه وزير خارجية بريطانيا ضرورة تغيير الأسلوب في التعامل مع الجنوب الذي سينتقل إليه مركز الثقل الجيوسياسي العالمي، يَفتح البيت الأبيض أبوابه لـ49 دولة إفريقية لعل وعسى يكون معها “حُبّ” آخر… وباستثناء غينيا والسودان ومالي وبوركينا فاسو واريتريا، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة لكل الدول الإفريقية الأخرى لعقد “قمة” مع الرئيس الأمريكي “جو بايدن” تدوم إلى غاية الخميس القادم.

 قال وزير الخارجية البريطاني في خطابه عن السياسة الخارجية أول أمس أنه ينبغي على “لندن” أن تَتَبنى أسلوب الإقناع وكسب ودّ هذه الدول على نطاق واسع، وأن بريطانيا لن تشترط من الآن فصاعدا توفر الديمقراطية أو الحرية في هذا البلد أو ذاك لتتعامل معه! تكفي المصالح المشتركة… وذات المحتوى تَبنّته الخارجية الأمريكية، وكأنها تقول انتهى عهد التلويح بحقوق الإنسان والحرية لربط علاقات اقتصادية مع القادة الأفارقة أو غيرهم… اليوم مصالحنا مُهَدَّدَة من قِبَل الصين وروسيا وسَنَغُضّ الطَّرف عما تفعلون…

وكأنهم كانوا من قبل بحقّ رعاة للحرية والديمقراطية!

وكأنهم كانوا بالأمس يعملون ليل نهار لكي تُصبِح إفريقيا وأمريكا اللاتينية حرّة!

وكأنهم لا يعلمون أنهم هم سببُ مآسي هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، وهم مَن دَعَّموا الدكتاتوريات بها وخططوا للانقلابات الدموية حتى تستمرّ مصالحهم، بل إنهم منذ قرون خلت سواء عندما جاءوا في صفة استعمار فرنسي أو بريطاني أو أوروبي، أو في صفة إمبريالية أمريكية، وهم ينهبون خيرات بلداننا ويُحرِّكون النعرات القبلية والعرقية، ويُؤجِّجُون نيران الحروب الأهلية لكي يستمر نهبهم للثروات وهيمنتهم عل كافة النقاط الإستراتيجية…

يكفي أن نعلم أنه خلال سنة 2015 فقط نهب الغربُ من الجنوب ما مقداره 10.8 تريليون دولار (12 مليار طن من المواد الخام، 822 مليون من الأراضي الفلاحية، 21 إكساجول من الطاقة… الخ) وهو ما يكفي لإنهاء الفقر المدقع في العالم 70 مرة!

 (انظر Imperialist appropriation in the world economy: Drain from the global

South through unequal exchange, 1990–2015) لمجموعة من المؤلفين من بينهم Jason Hickel…

ويكفي أن نعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية الداعية لهذا “الحب” الجديد كانت ترعى 73 بالمائة من دكتاتوريات العالم (Rich Whitney) (انظر المقال الصادر سنة 2017 US Provides Military Assistance to 73 Percent of World’s Dictatorships)، ناهيك عن فرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية التي لا توجد أزمة من أزماتنا إلا ولها اليد الطولى فيها، إِنْ لم تكن هي التي افتعلتها بالأساس.

كل هذا يجعلنا نشك في هذا “الحب الجديد” القادم لنا من الغرب، بل ونُكذِّبه أصلا، كما كذَّبته الوقائع الحاضرة ووقائع القرون السالفة من الاستعمار والاستعباد والاستغلال.

إلا أن كل هذا أيضا ينبغي ألا يجعلنا نقع في يد قوى أخرى بديلة، أو الخروج من هيمنة للوقوع ضمن أخرى مختلفة الأسلوب والغايات، بل ينبغي لهذا التلاعب، أَنْ يُعلِّمَنا من الآن فصعدا كيف نأخذ زمام الأمور بِأيدينا، ونخوض معركة الاستقلال الفعلية بوعي وبنظرة استشرافية ثاقبة للمستقبل.

إننا ندرك أننا مازلنا دون القدرة على منافسة الغرب أو الشرق على حد سواء، ودون القدرة على الاستغناء عنهما، في كافة المجالات الحيوية، ولكن هذا لا يعني أنه علينا أن لا نشرع في الخروج من حالة الحب الواهم هذه، إلى حالة الفعل المدرِك لمصالحه.

 لقد تعبنا من الضحك على الأذقان، وتعبنا من النصح بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعبنا من ادِّعاء التعامل معنا بِنِدِّية… كل ما نُريده أن تعاملونا بوجهكم الحقيقي.

إلى حد الآن مازال الروس والصينيون، في هذه، أصدق منكم.

مقالات ذات صلة