الرأي
عن الشرعية في مصر

.. ما يجب أن تفقهه النخب العربية

الشروق أونلاين
  • 3011
  • 1

ما يحصل في مصر لا يبعث على الأمل في كثير من جوانبه. مع ذلك فإننا نستطيع أن نخرج بخلاصات حيوية تفيد النخب الفاعلة في الدول العربية التي تعاني مخاض التحول إلى مصاف الدول المستقرة المكتملة البناء. من أهم ركائز هذا الاكتمال هو تحديد القواعد التي يسير على ضوئها بناء مؤسسات الدولة، في صورة مرجعية ثابتة، دون لبس أو الالتباس في المفاهيم والأسس، التي ـ للأسف ـ وقعت ضحية لأغراض سياسية وحزبية في الساحة المصرية.

 لقد حاول مساندو عزل الرئيس مرسي أن يهربوا إلى الأمام بتشكيل الحكومة ولجنة الدستور، لكن النقاش كان يرجعهم دوما إلى أصل المعضلة: هل هو انقلاب أم استجابة لرغبة شعبية؟ أين هي الشرعية: في الصندوق أم في الميدان؟

ومهما تهربوا في اللقاءات الصحفية والبرامج الحوارية عن توصيف ما حدث، أو القفز على هذا الموضوع، رجع بهم الحديث إلى النقطة الأولى.

والحقيقة أن هذا ليس خلافا شكليا، أو اجتهادا سياسيا يحتمل الصواب أو الخطأ يؤجر صاحبه مرة أو مرتين، فالشرعية هي الركن الركين التي تبنى عليه العملية السياسية، وتنظم من خلاله تسيير الدولة في الإطار السليم الذي يضمن الاستقرار. لذا ينبغي أن تكون “الشرعية”، كثابت وضامن، بعيدة عن إمكانية التوظيف التي تخرج به عن مقصدها.

القول بأن الشعب أطاح بمبارك وله الحق أن يطيح بمرسي هو حق لا نقاش فيه؛ لكن الآليات يجب أن تختلف لأن السياق الذي حكم فيه الرجلان مختلف. فالأول استبد ثلاثين سنة، ومنع آليات التغيير الديمقراطي أن تأخذ مجراها. بينما الثاني جاء بشكل نزيه ولم يمنع طرق التداول الديمقراطي حتى يُبَرر لأسقاطه عن طريق الشارع.

وهذا هو الذي يحدد بالضبط حدود الشارع وميادينه بالنسبة للتغيير السياسي في النظام الديمقراطي؛ إذ له فقط سلطة الضغط على الساسة لاختيار توجه معين أو سياسة محددة، ولا يمكن أن يكون بديلا للصندوق؛ إلا إذا عطّل المنتخَبون آليات الاختيار الانتخابي، أو أفسدوها بالتزوير؛ فهنا الانتفاض مشروع لأنه السبيل الوحيد المتاح من أجل التغيير.

وفي حالة الرئيس مرسي، على فرض فشله في التسيير، فإنه لم يمنع انتخابا أو زوّره، ولم يكرس استبدادا، لتبرر الثورة عليه.

ومن أخطر تداعيات هذه الفتوى السياسية، أنها، ـ إذا نجحت ـ فستؤسس لتقليد سيئ، فكل من له القدرة على حشد الحشود سينقلب على الفصيل الآخر بدعوى الشرعية الشعبية والكثرة العددية، وسيتغير معيار التغيير من الصندوق إلى الشارع، وسيدعي كل أكثريته وشعبيته. تصوروا أن الذين انتخبوا على الفريق شفيق خرجوا إلى الشارع في التحرير، ومن انتخب على مرسي في ميدان آخر، هل سنعرف الفرق بينهما على وجه الدقة وهما متقاربان في النسب لا يفصل بينهما إلا 2 %، لولا أن الإحصاء الانتخابي أمكن ذلك!

  وفي شق آخر يظهر اللبس بين مفهوم القانون والدستور، وصلته بالشرعية الشعبية التي هي مصدر هذه التشريعات.

فقد رضي القضاة المصريون بعزل الرئيس وتعليق الدستور، استجابة للشرعية الشعبية، حسب تقديرهم، والتي تمثل الأصل الذي يهيمن على ما تفرع منه.

في المقابل، كانوا يتعاملون بقانونية تفصيلية صارمة مع قرارات رئيس منتخب؛ فلم يتوانوا في حل مجلسين منتخبين بشرعية شعبية وانتخابات نزيهة، لشبهة حاصلة في شروط الترشح لدى المنتخبين. لكنهم علّقوا العمل بدستور بأكمله استجابة لشرعية شعبية – حسب قولهم – كانوا قد حجموها من قبل بصرامة القوانين الإجرائية.

 ولك أن تنظر إلى هذه الحلقة التي يدور فيها هؤلاء، بين القانون والشرعية، ويبررون مواقفهم تارة مع هذا وتارة مع تلك.

وإن لم يرفع هذا اللبس السياسي، ويعالج هذا الخلل المبدئي، فلن تتقدم العملية السياسية، ولن تكون أية مصالحة، ولن تتطور مصر في اتجاه التداول الديمقراطي المنشود.

بل وستمثل قدوة سيئة للنخب السياسية والعسكرية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة