“ما يجري ليس حربًا بل مشروع اقتلاع شامل”
تحوّلت غزة، بحسب ورقة تقدير موقف لرئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني “حشد” د. صلاح عبد العاطي، إلى النموذج الأوضح لانهيار منظومة القيم الدولية، حيث لم تعد ساحة صراع عسكري فحسب، بل مسرحًا لإبادة ممنهجة تُنفَّذ بأدوات القتل المباشر وغير الصاخب، من تجويع وحصار وتدمير للبنية التحتية وتفكيك للاقتصاد والمجتمع المدني.
وتؤكد الورقة أن الاستجابة الدولية ما تزال حبيسة منطق “إدارة الأزمة” بدل إيقاف الجريمة، ما أتاح لدولة الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض عبر التفريغ الديموغرافي وإعادة رسم الجغرافيا وتطويع السياسة، في ظل غطاء سياسي وعسكري دولي.
إبادة بطيئة وقطاع غير قابل للحياة
تُظهر المؤشرات التي تقدمها الورقة حجم الكارثة: عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، انهيار شبه كامل للاقتصاد، بطالة تتجاوز 80%، وانعدام أمن غذائي يطال 96% من السكان، مع كلفة إعادة إعمار تفوق 70 مليار دولار. ويخلص عبد العاطي إلى أن هذه ليست نتائج حرب، بل أدوات متعمدة لدفع السكان نحو الرحيل، في سياق “تهجير هادئ” بلا إعلان.
وتلفت الورقة إلى أن خنق المعابر وعرقلة المساعدات ليست أزمة لوجستية، بل سياسة ممنهجة لقتل مقومات الحياة، معتبرة أن الهدف الإسرائيلي “غزة بلا سكان”، لا إدارتها.
فراغ داخلي وضغوط خارجية
داخليًا، تحذّر الورقة من أخطر أزمة شرعية وقيادة منذ النكبة، مع انقسام سياسي وغياب رؤية لإدارة غزة بعد الحرب، ما يفتح الباب لوصايات وترتيبات مفروضة. وتناقش قرار مجلس الأمن 2803 بوصفه فرصة منقوصة قد تتحول إلى وصاية دولية طويلة الأمد تُقصي الفلسطينيين عن صياغة مستقبلهم.
غضب شعبي عالمي وفعل حكومي هش
على الصعيد الدولي، ترصد الورقة مفارقة اتساع الغضب الشعبي، خاصة في أوروبا، مقابل ضعف الفعل الحكومي، حيث لم تُتخذ إجراءات رادعة كالعقوبات أو حظر السلاح. أما الولايات المتحدة، فتُوصَف بأنها “الشريك المركزي” في استمرار الجريمة عبر المظلة السياسية والدعم العسكري وتعطيل المحاسبة.
الدور العربي وإعادة الإعمار
تُبرز الورقة الموقف المصري الرافض للتهجير والوصاية وفصل غزة عن الضفة، مقابل غياب مبادرة عربية موحّدة فعّالة. وفي ملف الإعمار، تؤكد أن التحدي إنساني وسياسي في آن، داعية إلى صندوق عربي–إسلامي، ونموذج “إعمار متمركز حول الإنسان”، وخطة تعافٍ اقتصادي طويلة الأمد بضمانات دولية تمنع تكرار التدمير.
العدالة شرط السلام
تشدد الورقة على أن لا سلام بلا عدالة، مطالبة بتفعيل مسارات المساءلة أمام محكمتي العدل والجنائية الدوليتين، وفرض عقوبات وملاحقة المتورطين، وبناء تحالف قانوني عالمي للمقاطعة.
سيناريوهات مفتوحة
وتختتم الورقة باستعراض سيناريوهات غزة المقبلة، من الوصاية الدولية، إلى الإدارة الفلسطينية الموحدة بوصفها الخيار الأمثل، مرورًا بـ“القوس الأمني” الإسرائيلي الأخطر، وصولًا إلى سيناريو التدهور طويل الأمد.
ويخلص د. صلاح عبد العاطي إلى أن غزة “هزمت الرواية ولم تهزمها الجريمة”، معتبرًا أنها باتت معيارًا أخلاقيًا للنظام الدولي، ورسالة صمود ترفض أن يُكتب مستقبلها بعيدًا عن إرادة أبنائها.