الرأي

متحف‮ ‬ألماني‮ ‬في‮ ‬وامبلي

الشروق أونلاين
  • 2981
  • 7

لا يمكن أن يحلم الإنسان بدرس ممتع ومفيد، وبالمجان، مثل ذاك الذي قدمه الألمان من لندن في لعبة كرة حوّلوها إلى ثقافة، قدّموا من خلالها أنفسهم، بعد أن عاقبهم العالم على جرائم النازية، فحاصرهم وقسّمهم دولتين عبر جدار سياسي وحروب باردة وجدار إسمنتي، ابتلع جزءه الشرقي الشيوعيون، وجزءه الغربي الأمريكان، فالألمان الذين صمدوا برغم العواصف الإقتصادية التي زلزلت أوربا وصاروا الأقوى سياسيا واقتصاديا، قرّروا أيضا أن يتحوّلوا إلى القمة الأوروبية في الرياضة الأكثر شعبية، وبمجرد أن بلغ فريقاهما بيارن ميونيخ وبوريسيا دورتموند نهائي الكأس الأوروبية الأقوى، حتى أصبحوا مثل البنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضا، وتنقلوا إلى بريطانيا في شبه متحف ألماني متنقل، قدموا أنفسهم لقرابة مليار نسمة تابعوا المقابلة بتوابلها التي صنعها المشجعون الألمان في شوارع لندن، من خلال المعارض الجماعية والإنضباط‮ ‬وحتى‮ ‬الشغب‮ ‬الألماني‮ ‬المليىء‮ ‬برسائل‮ ‬الق‭.‬

وعندما تعلن لندن عن توافد مئتي ألف سائح على عاصمة انجلترا لأجل مشاهدة الأنصار الألمان في الشوارع، وتعلن ميونيخ عن وصول مئة ألف سائح ليعيشوا في مدينة غير معنية بالمقابلة بتتبع نبض شارعها، ونفس العدد إلى دورتموند، فمعنى ذلك أن ما دخل ألمانيا من سواح أجانب في مقابلة كرة زمنها تسعين دقيقة، لم يدخل الجزائر في سنة كاملة، ويبقى الدرس الأهم هو تعامل الألمان والأوروبيين عموما مع الهزائم الكروية التي جعلت فريق مثل بيارن ميونيخ يخسر خمسة نهائيات ضمن رابطة أبطال أوربا، ويواصل العمل والتحدي إلى أن توّج باللقب، وفريق مثل بوريسيا دورتموند يخسر النهائي ويأمل ويصبر على معاودة الإجتهاد لأجل الظفر باللقب في مناسبات قادمة، ويساهم في هذا التحدّي الجمهور الصبور والمتحضر الذي يمنح لممثليه التشجيع نظير اجتهادهم، ضمن مشاهد يتابعها منذ سنوات الجزائريون بكل فئاتهم دون أن نرى مثيلا لها‮ ‬في‮ ‬ملاعب‮ ‬الكرة‮ ‬الجزائرية‮ ‬التي‮ ‬تمثل‮ ‬التجمعات‮ ‬الأقوى‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮ ‬التي‮ ‬يلتقي‮ ‬فيها‮ ‬عشرات‮ ‬الآلاف‮ ‬من‮ ‬الناس‮ ‬في‮ ‬مكان‮ ‬واحد‮.‬

 

كثيرون قارنوا ما بين مباراة نهائي كأس الجزائر والنهائي الألماني، فبينما بيعت تذاكر الدخول إلى ملعب وامبلي بالأنترنت، ترك مشجعو المولودية والاتحاد أعمالهم ودراستهم وتعاركوا وسقط منهم جرحى ونقل آخرون إلى مخافر الشرطة من أجل الحصول على تذكرة، وبينما نقل الألمان فنانيهم التشكيليون ومشاهرهم في مختلف العلوم والفنون إلى انجلترا، حاول بعض مشجعي العاصمة الجزائرية الاستعانة بقطّاع الطرق والمتابعون قضائيا لأجل ترهيب الطرف الآخر، وبينما تحوّل ملعب وامبلي القديم الذي تم تحديثه إلى لوحة زيتية، كان ملعب الخامس جولية القديم التي ساءت وضعيته يهتز تحت أقدام أنصار الفريق الخاسر وحتى الرابح، ضمن معادلة العداء حتى للكرسي الذي نجلس عليه، وبينما تقبّل الفريق الألماني الخاسر الهزيمة وصعد لاعبوه ومسيّروه باسمين، نحو منصة التتويج ليتسلموا أوسمة الحصول على المركز الثاني، لعن الخاسرون في‮ ‬الجزائر‮ ‬المنصة‮ ‬الشرفية‮ ‬بما‮ ‬فيها‮ ‬والملايين‮ ‬من‮ ‬المتفرجين،‮ ‬وبينما‮ ‬يصرّون‮ ‬هم‮ ‬أن‮ ‬يكونوا‮ ‬جادّين‮ ‬حتى‮ ‬في‮ ‬لعب‮ ‬الكرة،‮ ‬نصرّ‮ ‬نحن‮ ‬أن‮ ‬نلعب‮ ‬حتى‮ ‬في‮ ‬الأمور‮ ‬الجادة‮ ‬التي‮ ‬تعني‮ ‬مصير‮ ‬الأمة؟‮ ‬

مقالات ذات صلة