الشروق العربي
هروبا من الأزمات النفسية والاقتصادية

متقاعدون يستنجدون بالعودة الى العمل

الشروق أونلاين
  • 5676
  • 7

ساعات طوال أمام شاشة التلفزيون، تجمعات حول طاولة الديمينو، أو القبوع بزاوية بإحدى مقاهي الحي أو الساحات العمومية، تلكم هي الحياة الروتينية التي يحياها معظم المتقاعدين في الجزائر، فبمجرد بلوغهم سن الستين يحول أغلب العاملين في مجتمعنا الى الانطوائية والفراغ، رغم حاجتنا الى هذه الفئة كونها أرشيف الخبرة الطويلة، غير أن القاعدة لا تنطبق على الكل، فهناك منهم من رفض تسليم نفسه لجملة الأزمات النفسية والاقتصادية التي يتسبب فيها الفراغ، فهناك من لايزال يشعر في قرارة نفسه أنه قادر على العطاء رغم بلوغه سن المعاشية، فتجدهم يواصلون ممارسة المهن التي شبوا عليها في اطار آخر أو يتوجهون الى مهن غيرها، فيما يجد بعضهم نفسه أمام حرفة تعود به عبر الزمن الى ميولاته أيام الشباب، يهربون بها من شبح العلل والعجز البدني الذي يعاني منه الكثيرون في هذا العمر، بعد ابتعادهم عن ميدان العمل..

حفاظا على شعورهم بالفعالية الاجتماعية، يواصلون..

  يقسم العديد من الباحثين والمهتمين في علم النفس والاجتماع، العاملين بعد سن التقاعد الى ثلاث فئات أشخاص يعملون حبا في العمل، هؤلاءيصابون بالخوف والهلع عند توقفهم لشعورهم بأنهم سيصبحون غير نافعين، ومن يتعلقبعمله بشدة يصاب بالاكتئاب إذا واجه قرار التقاعد، * أشخاص يعملون حماية لذواتهم، ومن يعمل حماية لذاته ينظر للتقاعد على أنه فترة عزلة وحاجة ماسة إلى مسؤولية الآخرين فضلا عن إحساسه بالتبعية، و*أشخاص يعملون استغلالا لذواتهم، وعادة ما يختارون وظائفهم بأنفسهم، وهم من يقررونالاستمرار في العمل من عدمه وحينما يجبرون على ترك العمل يصابون عادة بالاضطراب النفسي والاكتئاب، ولأن الامر كذلك بات التقاعد هاجسا يطارد العاملين حتى قبل حلول موعده، ولكن الوعي الذي اكتسبه البعض جعلهم يفكرون في برنامج ناجح لهذه المرحلة، من شأنه أن يبعدهم عن شرنقة الضيق النفسي والشعور بعدم الفاعلية، هو تماما ما خلص اليه صالح، في عقده السادس، ممرض في السلك العام لمدة تفوق الثلاثين عاما، قضاها يطوف بين أسِرَةِ المرضى يطبب جراحهم ويعتني بوضعهم الصحي، الى أن شارف على التقاعد، وهنا صار من الضروري أن يبحث له عن سبيل يجعله دائم الارتباط بالميدان، نظرا الى أن صالح حسب ما لاحظناه هو شخص حيوي للغاية رغم تقدم عمره، بالإضافة الى كونه يعشق عمله تماما كما يجد متعة في مساعدة الآخرين وعمل الخير، وقبل أن يحال قانونيا الى التقاعد، نظرا لإتمامه سنواته الاثنين والثلاثين في المستشفيات العامة، استأجر له عيادة صغيرة بالبليدة، أين يزاول حاليا عمله بشكل عادي، فبين قاعة العلاج والتنقل لخدمة المرضى العاجزين عن التنقل يقضي الممرض النشيط يومياته في مهام انسانية، بدل التسكع بالشوارع والأسواق من دون وجهة ولا هدف، مرتاح البال راضيا عن تفانيه.

حينما تنشد الراحة الاقتصادية بدل البدنية يصبح العمل ضرورة

يعتبر قرار التقاعد بالنسبة للكثير من العمال الجزائريين، بمثابة حكم جائر للحياة، يتنكر فيه الكل لصنيعهم، خاصة أولئك الذين يعيشون وضعا اقتصاديا متدن، لعدم توفر مصادر أخرى للمال غير ما يجنينه هؤلاء من أجر زهيد مقابل مهنهم التي يزاولونها، فان التقاعد سيرديهم -لا محالة- الى واقع أشد قسوة ومرارة، هو حال آلاف الكادحين من عمال الشركات، وغيرهم ممن يشغلون مناصب متواضعة لدى الوظيف العمومي، عمي الطاهر، موظف بإحدى الادارات، أثناء دردشتنا معه كشف لنا أنه مقبل على التقاعد في الأيام القليلة المقبلة، وأنه من ضمن مشاريعه  المستقبلية  فتح  قاعة صغيرة يمارس فيها مهنة كاتب عام، وعندما توجهنا له بالسؤال: لماذا لا ترتاح كجميع المتقاعدين؟، أجابنا: “الراحة بالنسبة لي لا ترتبط ببدني، وإنما بفكري ووضعي الاقتصادي، عليَ التخلي على المسكن الذي أشغله واستجار آخر، وراتبي سينقص، ما يعني أنه عليا خلق مصدر رزق آخر ومواصلة العمل”، غير أن الصورة تصبح أشد عتمة، اذا ما تحدثنا عن واقع متقاعد مثقف، أفنى أكثر من ثلثي عمره البائس يلقن الأجيال قواعد لغة الضاد وأبجديات الرياضيات، ليجد عبد المجيدنفسه يتقاضى معاش تقاعد لا يكفي لإعالة نصف أبنائه الثمانية، بعد أربعين سنة من التدريس كمعلم بالابتدائية، فهل عليهبالاستسلامللفقر والحاجة؟ لا، فقد توجه مربي الأجيال بعد ما أوصدت في طريقه كل أبواب الرزق الى طاولة لبيع الأواني، بالسوق الموازية، يسترزق بها وعائلته، اضافة الى راتب تقاعده المتواضع الذي لا يغطي حاجياته  ومتطلبات ابنائه الكثيرة.. خالد، متقاعد آخر دخل عقده السابع، قابلناه في يوم شديد الحرارة، بمحطة النقل البري 1ماي بالعاصمة، يبيع قوارير الماء المعدني للمسافرين، يقول:” قضيت أزيد من خمس وعشرين سنة كعامل بشركة خاصة، أتقاضى أجرا زهيد، وحينما أحلت إجباريا على التقاعد وجدتني عاجزا عن إعالة أبنائي، الذين من بينهم شاب معاق”.. خالد، بدى راضيا بقسمة الله حينما ابتسم قائلا:” أن تتعب في هذا الجو الحار وتكسب القليل من عرق جبينك أفضل من أن تنتظر مساعدات الآخرين..”.

التقاعد أحالها للفراغ النفسي

يجزم معظم العاملين على ان أدائهم لمهامهم تجعلهم راضين عن أنفسهم، وتشعرهم بالفعالية الاجتماعية، مهما كانت مهنهم شاقة، فإن للعمل اثر كبيرا على نفسيتهم، السيدة جميلة، جدة لثلاثة أحفاد، دخلنا محلها الذي لا تستطيع أن تفسر طبيعة نشاطه من الوهلة الاولى، واستمعنا الى قصتها: “بدأت العمل في سن مبكرة في تسيير شركة للبناء، بعد إفلاسها، تنقلت للعمل كسكرتيرة بإحدى المتوسطات، تزوجت وأنجبت، وعندما كبر ابنائي وزادت متاعبهم، أحسست بضرورة البقاء الى جانبهم، لأدعمهم نفسيا في سنوات مراهقتهم.. قدمت لتقاعد قبل اوانه، ولكن هذه الخطوة اثرت عليَ بالدرجة الأولى، فأصبحت أعاني من فراغ نفسي، بعد أن أقوم بكامل واجباتي المنزلية أخلو لنفسي دون مشاغل، ولا أنيس، فأبنائي يتوجهون للعمل أو للدراسة، وزوجي غائب معظم الوقت بسبب عمله بالجنوب، فاهتديت الى فتح محل للخياطة، وبدأت نساء الحي تزورني دون انقطاع، وشيئا فشيء بدأت أمارس تجارة الملابس بنفس المحل، ثم الذهب والاواني، أشتري من زائراتي وأبيعهن.. يقصدنني لهذا الغرض”.

العمل بعد التقاعد مرتبط بظروف المعيشة 

العمل بعد التقاعد، ظاهرة باتت حثيثة في المجتمع الجزائري، ويرجعها الأخصائيون الاجتماعيون الى أساب وعوامل عدة، حيث تقسمها الدكتورة مسايد أمينة حسناء، الى أربع عوامل أساسية، أولها: ارتفاع مستوى التعليم والتكوين، فالعامل الذي يحال الى التقاعد، يملك مؤهلات وكفاءات، يكتسبها من خبرته، فيشعر انه لا يجب التخلي عنها، ويحاول توظيفها وتطويرها من خلال العودة للعمل، وتقديم خدمات. أما العامل الثاني فأرجعته الأخصائية إلى تحسن الأوضاع الاجتماعية مع مرور السنوات، حيث تغير نظام التقاعد اليوم عنه قبل خمسين سنة، فبتحسن الإمكانيات الصحية وتوفر سبل العلاج، والمساعدات الاجتماعية، وارتفاع مستوى التسهيلات على جميع الأصعدة، أصبح بإمكان الفرد أن يواصل نشاطه لمدة إضافية من العمر، الذي قدره الديوان الوطني للإحصاء ب 72 سنة كمدى للحياة في الجزائر، بالنسبة للجنسين، اي ان تحسن ظروف المعيشة بالنسبة للكثيرين يساعدهم على مواصلة العمل، ولا يشعرهم بالرغبة في التراجع عن العطاء، ومن جهة أخرى يعتبر العامل المادي لدى فئة واسعة من المتقاعدين، دافعا للانخراط في العمل مجددا، بسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة المعاشية، بالإضافة إلى ارتفاع سن الزواج، بمتوسط 30 سنة حسب الإحصائيات، ما يجعل رب العائلة الذي يحال إلى التقاعد وأبنائه لا يزالون في طور التمدرس، وتحت نفقاته، ملزما على العمل، أما العامل الرابع فيرتبط بالقيم الثقافية، حيث يعتبر الفرد العامل في جميع شعوب العالم، أفضل قيمة من الفرد المتقاعد، والمجتمع الجزائري من المجتمعات الديناميكية التي تقدس الفرد المنتج، وتنظر إلى الفرد الذي لا يعمل، على أنه يساهم في الركود الاجتماعي، وهذه الفكرة الأخيرة حتى وان لم تكن صحيحة إلا أنها راسخة في ثقافة الجزائريين.

الوقت الميت يشعرهم بالدونية ويدفعهم للعمل

لا ينكر الواحد منا أن المتقاعد يشعر بحالة نفسية مغايرة عن تلك التي تمتلكه وهو عامل معطاء، رغم أن التقاعد أمر طبيعي بعد سنوات العمل الطويلة، فهده المرحلة حسب الدكتور محمد شطوطي باحث ومستشار شخصي، تشكل مشكلا فعليا للشخص الذي يمر بها، خاصة في المدن الكبرى حيث تتجلى حركية الحياة، ما يشعر المتقاعد بالدونية جراء ملاحظته للمحيط الناشط من حوله، بالإضافة إلى نظرة الأهل له على انه ليس بصاحب قرار، هنا يحاول المتقاعد جاهدا لاستعادة مكانته وفرض وجوده، مقارنا نفسه بأيام الماضي، فيعود إلى العمل تلقائيا.. ويقول الدكتور شطوطي الباحث في علم النفس، بأن النفس معرضة للإصابة تماما كما يصاب الجسم، فالمتقاعد يمر بحالة نفسية قد تتحول الى أمراض نفسية مستعصية، تحتاج الى متابعة طبية، كالكآبة نظرا لانزوائه وتجاهل الناس له، وقليل من المتقاعدين من يستطيعون النجاة بحالتهم النفسية في وقت مبكر فيلهون أنفسهم بالعمل والنشاط المتواصل، ومن الأمراض النفسية التي يحاول المتقاعدون تحاشيها بالعمل هي التوحد، الذي يشعرون به وهم يعيشون وقتا ميتا بمفردهم، دون مرافقة من الأهل والأصدقاء، ثم أن الإحساس بالنقص وعدم الفاعلية، له أن يؤثر كذلك على المدركات العقلية للمتقاعد ويجعله يتكلم بخوف وقلق، ويتصرف بعدم ثقة.

مقالات ذات صلة