الرأي

متى نستعيد المبادرة ونبدأ عالميتنا الحضارية؟

صالح عوض
  • 1313
  • 0

مما لاشك فيه أن معاناة شديدة يمرّ بها ابناء الأمة في كل أقطارها على اكثر من مستوى من مستويات الحياة، ولعل أقساها وأعنفها ما يواجهه العرب والمسلمين من احتقار لكرامتهم الانسانية واستهداف المقدس لديهم وحرمانهم من التحكم في ثرواتهم والاقتراب من النهضة وشروطها..

وحتى نقترب من اللحظة الحقيقية للتفكير في الانطلاق الفكري والتخطيطي والثقافي لاستعادة المبادرة وبناء عالميتنا الحضارية الثانية، لابد من الإقلاع نهائيا عن الاستسلام النفسي لواقع يروج له العدو ويعمل ليل نهار على جعله ثابتا لا امكانية لتجاوزه.. هنا لابد من التفكير العقلي في الواقع وعناصر تشكّله وشروط بروزه والتفكير العميق في نقاط ضعفه.. كما أنه لابد من استعادة الثقة بالنفس وبالحق وبالرسالة، فالثقة بالنفس هنا تعني اننا قادرون على ان نكون في الحياة كغيرنا صناع حضارة، واننا لسنا عبيدا ولا أقل من عدونا ذكاء وفطنة، وانه بإمكاننا التعلم وامتلاك أسرار التكنولوجيا وقيادة النهضة الانسانية، ويعني اننا نستعيد الثقة بحقنا في تسيير أمورنا وامتلاك ثرواتنا وتوجيهها في الاتجاه الذي يعود بالفائدة على شعوبنا وأمتنا، ويعني اننا نستعيد ثقتنا برسالتنا، ذلك بأننا نمتلك منظمة قيم انسانية هي الأقوم والأجمل والأفضل لبني البشر، وعلينا هنا ان لا نصاب بالقلق جراء ما يرتكبه بعض الجهلة المتنطعين من ترجمة رديئة لبعض مبادئ الإسلام.

 هنا نكون قد قمنا بعملية التصفية النفسية الضرورية واللازمة لتوليد أفكار حية.. ومن هنا نبدأ بصياغة المستقبل اللائق بنا.. ولابد من التكرار بأنه لا يمكن لنا ان نخطو خطوة حقيقية في الاتجاه السليم بدون إحداث التحرر النفسي والثقافي والعقلي، لأن عكس ذلك يعني اننا مستسلمون لمنطق الهيمنة الغربية، ومهما انجزنا او خُيّل لنا اننا قد انجزنا، سننتهي إلى الفشل، لأننا محتكمون أصلا لمنهج ودائرة ثقافية تمتصنا لمصلحة النظام الرأسمالي الغربي وتُلقي بنا أرضا بعد ان تكون قد امتصت منا كل شيء.

اذن، فخطوتنا الأولى ان نُثبت على الأرض وفي الواقع اليقين بأنفسنا وبحقنا وبرسالتنا، وان نستمر في صناعة ثقافة وإعلام وآداب تعزز هذا اليقين وتتصدى لدواعي الهزيمة والانهزام وتوفر لطاقات متناثرة ان تبرز في تعزيز الصمود والثبات في هذه اللحظات القاسية والمشوِّشة.

تكون هذه الخطوة هي فاصلة كبيرة بين مرحلتين متناقضتين: مرحلة الاستلاب والاستسلام للواقع الرديء الذي تشرف على استمراره الإدارات الغربية لأهدافها الشريرة.. ومرحلة الانعتاق الحضاري والعمل من اجل مستقبل يليق بأمة ضخمة موحدة على مرجعية مقدسة لا يأتيها الباطل من أية جهة، إنها القرآن الكريم.

وفي التحرك على أرضية الثقة بالنفس والحق والرسالة، تأتي خطوتنا الأساس في تعزيز الإيمان بالهدف كفكرة مقدسة يتم الترويج لها وتحبيبها وتقريبها للفهم والاقتناع.. وينبغي ان يكون الهدف هنا هو محل اجماع الوعي والضمير الجمعيين وهو بالغ القداسة والتوهج في الطموح بحيث تصبح المشاعر مندفعة لإنجاز هدف له في الوعي حيز اساس.

وحتى لا تظل المسألة فقط على صعيد المشاعر والوعي والثقافةمع اهمية ذلك كلهلا بد من الإشارة إلى نقطة البدء في هذه العملية الكبيرة، انه المزاوجة جنباً إلى جنب بين الاهتمام البالغ بالبحث العلمي والتعليم والمدارس من جهة، والاهتمام البالغ بإحياء القيم بين أفراد المجتمع وجعل الأسرة والمجتمع البيئة اللازمة لإنشاء جيل من الأبناء قادرين بما يكسبونه من مناهج تعليم وبحث علمي على ان يكونوا طليعة نهضتنا والمبادرين بما جمعوه من قيم وعلم نحو مستقبل مشرق.

عندما تبرز قيمة الهدف المنطقي الحقيقي الكبير المقدس ويبدأ التحرك بقوة نحو انجاز الهدف يكون التسجيل لنقطة البحث العلمي هو المهيمن على البرنامج كله.. وهنا ينبغي الالتفات إلى حجم التخريب الذي مارسته سلوكات كثير من الأحزاب والجمعيات السياسية التي انخرطت في الصراع الثانوي تاركة المجتمعات نهباً للاستهلاك والتناحر والتشتت..

البحث العلمي وتطوره في مستوياته جميعا هو السلاح الاستراتيجي بأيدينا الآن، ولكنه غير مفيد إن لم يكن يخدم قضية مقدسة، ويصبح غير ذي اهمية ان لم يكن قادرا على اخضاع الفرد لمصلحة المجتمع وإقناع كل شرائح المجتمع انه الأفضل لرفاهها ويسرها وراحة بالها واستقرارها الأمني والمدني.

هنا يظهر لنا بن نبي المفكر الجزائري الفذ وهو يشرح كيفية اتمام عملية بناء مجتمع، ويظهر لنا سيد قطب ايضا وهو يتكلم فيمعالم في الطريقعن معالم الطريق لبناء المجتمع والأمة.. لكن الجدير بالإشارة هنا ان مالك بن نبي اعتبر ان المجتمع العربي والاسلامي كله مسلما ولسنا بصدد اعادة أسلمته أو  فرز من هو الأتقى ومن هو الأشقى او تعليمه صلاة وصياما او نوافل.. في حين ذهب سيد قطب إلى الحديث عن فئة جديدة وأمة جديدة تتمثل الإسلام في حالة يقظة كاملة، وان المعركة ستكون حتما بلا هوادة مع الطاغوت الجاهلي.. وهذا يعود بنا مجددا للإشارة إلى تحديد رؤيتنا للمجتمعات التي نعيش فيها..

نحسم أمرنا بأن جسم الأمة هو القائم اليوم من طنجة إلى جاكرتا.. وانها هي الحزب المقصود لا ينبغي العمل بعيدا عن الامتلاء بحضورها، وانه لا يمكن التعامل مع الأشياء بتوجّس وحيرة، بل بيقين ان الأمة قائمة بكل ما فيها من تجاوزات او اخطاءوينبغي التفاعل مع اشيائها بترتيب هادف وإحياء القيم بين أفرداها وعلى رأس القيم الوحدة والتعاون والتكامل والتماسك.

هكذا نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق النهضة.. وفي الطريق إلى النهضة نتخلص من الكيان الصهيوني، لأنه حجر العثرة وصديق التخلف والتجزئة وحليفهما والضامن لاستمرارهما لدينا.. تولانا الله برحمته.

هوامش:

* البحث العلمي وتطوره في مستوياته جميعا هو السلاح الاستراتيجي بأيدينا الآن، ولكنه غير مفيد إن لم يكن يخدم قضية مقدسة، ويصبح غير ذي اهمية إن لم يكن قادرا على إخضاع الفرد لمصلحة المجتمع وإقناع كل شرائح المجتمع انه الأفضل لرفاهها ويسرها وراحة بالها واستقرارها الأمني والمدني.

مقالات ذات صلة