متى يعودون؟
لم يخطئ الشيخ سلطان بركاني، عندما نبّه إلى شغور المساجد في الأشهر الأخيرة من المصلين، بين متكاسل وغافل وتارك لشعيرة أساسية في حياة الإنسان، تزامنا مع رفع كل القيود الخاصة بوباء كورونا، وعودة الحياة بالكامل إلى مجراها الطبيعي، فاسترجعت كل المواضع من شوارع وأسواق ومساحات راحة، جنودها، وبقيت المساجد تنتظر فرسانها الذين يصدحون بكتاب الله وتمنحهم هي الأمان، بالرغم من أنه في بداية الجائحة عندما تقرَّر غلقُ المساجد لتفادي انتشار الوباء، قامت الدنيا ولم تقعد بين ناقم ومنتقد للقرار، ورابط إياه بـ”مؤامرة عالمية ضد الإسلام”، حتى والجزائر تحصي عشرات الآلاف من حالات الإصابة ومئات الضحايا بالوباء المُعدي والفتاك.
ومرّ أول رمضان من حقبة كورونا، حزينا، افتقد الناس فيه إلى صلاة التراويح، وبقي الأذان مقتصرا على الدعوة إلى الصلاة في الرحال، فكانت تغريدات الجزائريين والجزائريات عبارة عن بكائيات وتحسُّر ولهفة لليوم الذي تُفتح فيه أبواب بيوت الله، ودعوات لا تنقطع لأن يُهزم الوباء أمام بيوت الله ويعود الركّع السُّجود إلى المساجد.
وتحقق الحلم، وصرنا على مشارف فتح بيوت الوضوء ومصليات النساء وتجاوز التباعد الجسدي، ولكن المساجد بقيت شبه شاغرة، من دون أن نفهم سببا لهذا العزوف، ومن دون أن يجتهد الأئمة، لأجل استرجاع “رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة”، كما جاء في سورة النور، أو على الأقل معرفة السبب الرئيسي لهذا العزوف.
كل من يتجوّل في الشارع الجزائري في النصف الثاني من شهر شعبان، يلاحظ مدى الاستعداد لشهر الصيام، من خلال شراء الناس لما يريدونه من متاع وطعام، وحتى القائمون على المساجد، باشروا تطهير وتهيئة بيوت الله للشهر العظيم، وسيكون أمرا رائعا لو استرجعت المساجد تلك الجباه النيّرة التي كانت تصنع الحدث في صباحات وليالي رمضان، منتصرة لعماد الدين الذي لا يريد له أحدٌ أن يتزلزل بالوباء وبما بعده. يشهد تاريخ الجزائر الحديث، على أن المساجد هي من صنعت كبارها الذين قادوا البلاد، وهي التي فكّكت قيود الجزائريين في سنوات الظلام من الجهل والاستعمار والإرهاب، فلا يمكن أن نذكر الأمير عبد القادر أو ابن باديس أو الإبراهيمي، من دون ذكر المساجد التي تعلّموا فيها وعلّموا، وجعلوا الأمة مثل البنيان المرصوص، الذي يشدّ بعضه بعضا أو كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضوٌ من حمى أو وباء سهر الجميع توجّعا وألما.
قدرُنا أن ندخل عهدا جديدا بعد عقودٍ من الخيبات، ولا يمكن أن نحلم بالتغيير، بعيدا عن المساجد، التي قادت كل ثوراتنا، فكلنا نئنُّ من الانحراف والتردّي الأخلاقي، ومن تسلُّط وسائل التواصل الاجتماعي التي نفّرت بعض الناس من بعضهم الآخر، ومن الضروري أن نعود وبقوة إلى الجامع الذي جمعنا دائما، ومنحَنا القوة والأمان، وساهم في كل الانتصارات التي حققتها الجزائر.