-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى يُلتفت إلى المربّي الراحل بلقاسم جبايلي؟

متى يُلتفت إلى المربّي الراحل بلقاسم جبايلي؟

مضت، منذ أسابيع قليل، الذكرى السادسة عشرة لرحيل المربي الكبير، الأستاذ بلقاسم جبايلي، (الثامن أوت 2008 ـ الثامن أوت 2024م). والفقيد هو من كبار الرجالات وأخلصها الذين خدموا التربية في الجزائر منذ فجر الاستقلال حتى ذهابه على المعاش. واستطاع أن يقدم على مدار مسيرته المهنية الفياضة مثالا عن المربي الحازم والمنضبط والجدي بعد أن عاش للتربية بكل جوارحه، وخدمها بفكره وجهده خدمة عظيمة لا ينكرها إلا جاحد، ولا يبخسها إلا مريض حاقد.
يستحق الأستاذ بلقاسم جبايلي أن يقترن اسمه بلقب: المربي عن جدارة مؤكدة لا يمكن الطعن فيها. وهو لقب سام وعال عند من يحيط بمعناه، ويستحضر مغزاه، ويستوعب مدلوله. وقليل جدا من أهل التربية، رجالا ونساءً، من استطاعوا تسنم مدارجها حتى بلغوا هذه الرتبة الراقية. فما أكثر المعلمين والأساتذة، وما أقل المربين؟ ولو أحببنا أن نضيف صفات تكميلية أخرى إلى لقبه الفخم، لجاز لنا أن نقول عنه: إنه المربي القوي الأمين.
إذا كان المعلمون والأساتذة يكتفون بأداء واجب نقل المعارف إلى المتعلمين نقلا سلبيا من دون سعي حثيث إلى التجويد والتحسين والتقليص من مساحة الخلط والخطأ كما يجري في مستودعات الدروس اللصوصية، ولا يهتمون بصقل مواهب من يجلسون أمامهم، فإن المربي يثمن كل النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية في شخصية متعلميه، ويحاول صياغتها صياغة مهذبة حتى تبلغ تمامها وتستوفي كمالها. وبذلك يجعل منهم أفرادا فاعلين ومؤثرين في مجتمعهم، لا يتوانون في خدمتهم بصفاء فكر ونضج تصوّر.
أتم الأستاذ بلقاسم جبايلي دراسته النظامية الأولى الابتدائية والإعدادية، بعد أن جلس يحفظ القرآن الكريم في أحد الكتاتيب لعدة سنوات، أتمها في مدينة خنشلة وباتنة وقسنطينة حتى بلغ مرحلة التعليم الثانوي في فرع الرياضيات. ثم انتقل إلى إحدى ثانويات هذه المدينة الأخيرة لمواصلة تعليمه الثانوي في الشعبة العصرية مما يعني أنه كان طالبا نجيبا ومتفوّقا. وفي هذه الفترة، انضم إلى تنظيم “الطلبة الثانويين المسلمين الجزائريين”، وكان من عناصره النشطة.
لم يقض في مرحلة تعليمه الثانوي في مدينة الجسور المعلقة سوى سنة واحدة. وبعد ذلك، رحل إلى فرنسا، والتحق بثانوية “ألفونس دوديه”، وهي ثانوية مشهورة وذات ذكر حسن تقع في قلب مدينة “نيس”. ودرس بها لمدة ثلاث سنوات بعد أن غيّر شعبة تخصصه من فرع الرياضيات إلى فرع العلوم الطبيعية. وفيها تحصل على الجزء الأول من شهادة الباكالوريا، ثم أردفه بالجزء الثاني من نفس الشهادة. وتمكن من الالتحاق بكلية العلوم في جامعة “مونبيليه” ذات السمعة الكبيرة، وواصل بها تعلمه حتى أحرز على شهادة عليا في علوم الأحياء “البيولوجيا” بعد سنوات من الكد والجد والمثابرة. وخلال كل السنوات التي قضاها بالجامعة، جمع بين طلب العلم والنضال من أجل الدفاع عن القضية الوطنية بعد انخراطه في “الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين”. ولم يكن يتخلف عن المشاركة في نشاطات هذا التنظيم في مختلف المدن الفرنسية.
تصادف تخرجه من الجامعة مع استرجاع الجزائر لاستقلالها. ورغم فرص العمل التي توفرت بين يديه للاشتغال بفرنسا إلا أنه آثر العودة إلى أرض الوطن. وباشر رسالة التربية والتعليم في الموسم الدراسي 1962/1963، واشتغل أستاذا في العلوم الطبيعية في ثانوية “ابن شنب” بمدينة المديّة. ثم عين مديرا للدراسات بمرسوم ظهر في الجريدة الرسمية في ثانوية “عبان رمضان” الواقعة في حي “الحرّاش” بالجزائر العاصمة. وبعدئذ، حُوّل لتولي تسيير إدارة ثانوية الشهيد مصطفى بن بوالعيد القديمة (ثانوية العمراني، حاليا) بمدينة باتنة، وقضى بها موسمين دراسيين. ثم نقل إلى مدينة “دلّس” التي تقلد بها منصب مدير ثانويتها التقنية. وبعد افتتاح ثانوية الشهيد مصطفى بن بوالعيد الجديدة، أعيد إليها لتسييرها بداية من الموسم الدراسي 1968/1969.
في الموسم الدراسي 1972/1973، زاوج تحت ضغط الحاجة بين منصب إدارة ثانوية مصطفى بن بوالعيد ومنصب مفتش عام لمادة العلوم الطبيعية في التعليم الثانوي. وإثر ذلك، رُقي لشغل منصب مفتش أكاديمية ومدير التربية لولاية الأوراس، ومكث فيه من سنة 1973م إلى سنة 1975م. وتولى نفس المنصب بولاية قسنطينة، وبقي يشغله من سنة 1975م إلى سنة 1982م. وأما بين سنتي 1982 و1984م، فقد عُين مفتشا عاما لإدارة الثانويات، وكان يشرف على عدة ولايات. وعاد مرة أخرى إلى ولاية باتنة في منصب مدير التربية الذي مكث فيه حتى نهاية سنة 1988م تقريبا. واختتم رحلته الوظيفية منتدبا إلى وزارة التربية الوطنية، وكُلف للإشراف على مكتب الدراسات والتلخيصات لشهور قليلة. ثم أسند له منصب مفتش عام للإدارة بوزارة التربية الوطنية قبل أن يصبح مفتشا عاما مشرفا على المناحي البيداغوجية والإدارية والمالية بمرسوم وزاري مؤرخ في الرابع جوان 1991م. وأحيل على التقاعد بطلب منه بتاريخ 31 مارس 1991م بعد أن أمضى اثنتين وثلاثين سنة جنديا يقظا ونبيها في ميدان التربية والتعليم.
عندما كان الأستاذ بلقاسم جبايلي يشرف على ثانوية الشهيد مصطفى بن بولعيد الجديدة، استطاع أن يجعل منها منارة علمية متميزة وذات سمعة لا تضاهى مسترشدا بمبتكرات عبقريته. وبفضل شخصيته القوية وذات المهابة، تمكن من فرض أفكاره في التسيير والتنظيم بصرامة لم يتوان فيها أبدا. ولم تكن عيناه تغفلان عن متابعة كل كبيرة وصغيرة وإيجاد الحلول السريعة لكل المشكلات وخاصة ما كان منها مرتبطا بتعلم المتعلمين في الأقسام. وكان يكفيه أن يقف في باب الفناء العلوي حتى يسود الهدوء والسكون كل الأرجاء رغم كثافة المتعلمين. ولم يكن متسامحا مع الأساتذة، وخاصة الأجانب، الذين يزورهم في الأقسام، ويتفحص تحضيراهم اليومية، وينظر في جديتهم والتزامهم بتنفيذ المناهج. ولم يكن يتردد في توقيف من اكتشف فيه ضعفا أو لمس منه تهاونا، وإنهاء عقد توظيفه. وبمقدار تشدده، كان عطفه موزعا في خفية على المتعلمين لاسيما الفقراء منهم. وكم من متعلم حاصرته الفاقة وأتعبته الحاجة انتشله من براثن التسرب المدرسي، وأبعد عنه الضياع بعد وقوفه بجانبه، ومده بيد العون والمساعدة.
بهذه الروح المسؤولة التي بثها القائد الأستاذ بلقاسم جبايلي صاحب الأنفاس المؤثرة والنظرة العصرية في كل معاونيه، كوّنت هذه الثانوية العريقة وذات التصميم البنائي الفريد أفواجا من الطلبة الذين تفوّقوا في دراساتهم العليا، وتخرّجوا إطارات خدموا وطنهم لما وصلوا إلى أعلى الرتب في سلاليم الارتقاء الوظيفي، فكان منهم الوزير والسفير والوالي ناهيك عن بقية الوظائف الأخرى في القطاعين العام والخاص.
يعتبر الأستاذ بلقاسم جبايلي واحدا من جيل المربين الطلائعيين الذين ساروا في المقدمة من أجل توطيد أركان المدرسة الجزائرية الوطنية في مرحلة الاستقلال، وضحّوا تضحيات جسام، وأعطوا كل ما يملكون من أفكار وطاقة في كل المستويات للنهوض برسالة التربية والتعليم. ولم يكن همّهم التفكير البليد في إنشاء نقابات مطلبية بغرض الذهاب إلى الراحة وتقاضي مرتبات باردة من دون اشتغال أو الارتقاء في المناصب من غير وجه حق وعلى حساب غيرهم أو تقديم دروس لصوصية بعد إمضاء عقود بيع الحروف وفتح أكشاك الزبائنية أو إنشاء ما يسمى بالمدارس الخاصة.
كان المربي بلقاسم جبايلي فخورا ومعتزا بالثانوية التي يشرف عليها اعتبارا للنتائج التي كانت تسجلها في نهاية كل سنة في الامتحانات الرسمية. ولا يدخر جهدا للتعريف بها. فلما زار المفكر الكبير مالك بن نبي مدينة باتنة في الثاني عشر ماي 1973م لإلقاء محاضرة، دعاه لزيارتها واكتشاف مرافقها. وقد دوّن المفكر مالك بن نبي انطباعا غمره بالإعجاب بعد أن تفقدها قال فيه: (بمناسبة محاضرتي بمدينة باتنة، تشرفت صحبة الأخ علي بن أوجيت والسيد مدير ثانوية ابن بولعيد الأخ بلقاسم جبايلي، بزيارة المدرسة. فأطلعنا الأخ المدير على البناية بكل تفاصيلها الوظيفية والمرفقية إطلاعا زاد من يقيننا بانتصار الشعب الجزائري على الجهل، وبأهمية الدور الذي سيقوم به الجيل الذي يهيأ في هذه لأقسام وهذه المخابر وفي المسجد البسيط التي تشيد فيه الأرواح بجنب تشييد العقول. إنني أشكر السيد مدير الثانوية الذي أتاح لي هذه الفرصة الثمينة التي أدخلت على قلبي السرور).
إن التكريم الذي يستحقه المربي الأستاذ بلقاسم جبايلي وأمثاله وهم كثر، وأجد نفسي ممتنعا عن ذكر الأسماء لطول القائمة وخشية الوقوع تحت طائلة النسيان الذي يترتب عنه ظلم غير مقصود لبعضهم، ينبغي أن يكون في مستوى التضحيات الجزيلة والخدمات الوفيرة التي قدموها عن رغبة طوعية على امتداد سنوات من دون توقف حتى تظل ذكراهم حاضرة وشاهدة في سجل تاريخ المدرسة الوطنية الجزائرية، ويبقى عطاؤهم مورد استلهام تستوحي منها الأجيال النموذج والمنوال، وتحفظ من النسيان أو التناسي اللذين لا يمكن أن يفسّرا إلا بالجحود والكفران والغمط والبطر.
أقام المربي بلقاسم جبايلي خيوط ألفة نادرة مع مدينة باتنة بعد أن استقر بها لسنوات طويلة، وفضّل المكوث بها حتى بعد أن ذهب إلى التقاعد. وما تزال عائلته تقيم بها، مما يعني أن العهد الذي أبرمه معها وثيق وشديد الصلابة، لا ينقطع ولا ينفصم ولا تنال منه عوادي الدهر. وسيكون من باب الاعتراف الحسن ورد الجميل لو يرفع اسمه فوق جبين مدخل ثانوية من ثانوياتها الجديدة تكريما وتخليدا له على مر الزمن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!