مجازر لغوية وكوارث معرفية بين أيدي التلاميذ
أقر قانون الكتاب الأخير، الذي صادق عليه البرلمان بغرفتيه “إخضاع” طبع ونشر واستيراد الكتاب شبه المدرسي وتسويقه إلى ترخيص من وزارة التربية، كما أقرت المادة 16 من نفس القانون فتح المجال أمام الخواص في مجال الكتاب المدرسي، بحيث “تتكفل الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية بنشر الكتاب المدرسي وطبعه وتسويقه” مع إمكانية “فتح هذه النشاطات للأشخاص الطبيعيين والمعنويين”. وقبل خروج القانون للتطبيق الميداني وإقرار النصوص التكميلية والتنظيمية التي تحدد طريقة تطبيق المواد المصادق عليها من طرف نواب الشعب يبقى سوق الكتاب المدرسي وشبه المدرسي في الجزائر يعيش فوضى عارمة، بل وصار طريقا للثراء وتهريب الأموال وبث السموم في نفوس الأجيال الصاعدة.
القانون يفرض الشهادة على الطباخ ولا يفرضها على الناشر
قبل الحديث عن واقع الكتاب المدرسي تبدو مواد قانون الكتاب الأخير مبهمة في شقها المتعلق بتعريف الناشر، حيث يصبح كل من هب ودب من حقه أن يفتح دار نشر، وفي هذا الصدد استغرب أهل الاختصاص من كون جميع القوانين التي يتكفل إنشاء الشركات وفتح الاستثمارات تفرض على صاحب الاستثمار أن يكون صاحب شهادة في التخصص، حيث يقول محمد بغدادي مدير منشورات بغدادي: “إن القانون يفرض على الحلاق والخباز أن يكون صاحب شهادة في اختصاصه بينما لا يلزم القانون الناشر أن تكون له أي شهادة وهذا غير معقول يقول بغدادي”. فكيف بالناشر الذي يتعامل مع مواد علمية وثقافية ويتعاط مع مؤلفين ومثقفين وأصحاب فكر أن يكون أميا؟ حيث تسجل ساحة النشر في الجزائر ناشرين لا يملكون غير شهادة الميلاد”.
فوضى خلاقة
بخصوص الكتاب المستورد من الخارج، فقد أكد محمد بغدادي أنه موجه أساسا للمدارس الخاصة في طوريها الابتدائي والتحضيري، وهي في أغلبها مدارس تدرس المنهج الفرنسي، مع العلم أن هذا المنهج قد تمت إعادة النظر فيه بفرنسا بينما ما يزال الكتاب الفرنسي القديم هو الذي تعتمده المدارس الخاصة عندنا ولكن مهما كان، يوضح بغدادي أنها تبقى كمية محدودة وتقتصر فقط على المدارس الخاصة،

أما بخصوص الكتاب المحلي، فإنه لا يخضع لأي قانون ولا ضابط ولا أي رقابة، بحيث يمكن لكل من هب ودب أن ينشر ما شاء ويطرحه في الأسواق ويقدم للتلميذ والطالب كمادة علمية بينما هي في أغلبها كتب تحتوي أخطاء لغوية ومعرفية وفي أحسن الحالات هي تعلم التلميذ والطالب الكسل، بأن تقدم له الحلول جاهزة وينقلها بدون بذل أي مجهود وبالتالي ضياع الهدف الأساسي من أي تمرين وهو شحذ ذهن التلميذ وتعويده على بذل مجهود واكتساب مهارات التحليل والتركيب والاستنتاج. ويؤكد الأستاذ رشيد شاشوة مفتش اللغة الفرنسية ورئيس الوفد المكلف بإعداد البرامج أنه منع أساتذة مقاطعته من استعمال الكتب شبه المدرسية التي تنتج في الأسواق، نظرا لما فيها من مجازر لغوية وأخطاء معرفية لا تفيد التلميذ بل بالعكس تحطم قدراته المعرفية. ويضيف المتحدث، قائلا إن في الجزائر “خلطا بين الناشر والمطبعي” وأغلب دور النشر عندنا هي مطابع تقدم للتلميذ سموما وهي تساهم بشكل ما في رسوب التلاميذ لأنها تعلمهم الخمول.
مجازر لغوية وعلمية لا تحصى
أما محمد بغدادي، فيؤكد قائلا “منذ 22 سنة ونحن ننادي بوجوب مراقبة الكتاب شبه المدرسي وتقنينه لأن أجيال كاملة من المدارس تتخرج بابتلاعها سموما لغوية ومعرفية، ولأن أغلب دور النشر إلا من رحم ربك لا يهمها إلا الربح المادي، نظرا لما يمثله هذا السوق”. “فإذا عرفنا مثلا أن المدارس الجزائرية بها أزيد من 7 ملايين تلميذ وهناك أكثر من سبع مواد مثلا يمتحن فيها تلاميذ الطورين الثاني والثالث، وإذا كان الكتاب مثلا يقدر ثمنه بـ200 دينار فبإمكاننا تخيل حجم الأرباح التي يحققها الناشر”، وفي هذا الصدد يضيف بغدادي قائلا: “أي ناشر بإمكانه أي يطبع ما شاء ويحصل على رقم الإيداع القانوني بدون أي مشكل ويسوق كتابه بدون أي رقابة على ما يحتويه وقلة قليلة جدا من دور النشر تلك التي تسند المهمة إلى مختصين ومفتشين، حيث يقول مثلا الأستاذ شاشوة إن في مادة اللغة الفرنسية حدث أن طبع حتى المنهج الذي لا يكون عادة إلا عند المفتش والأستاذ.
وخلص بغدادي إلى القول إن الوزارة اليوم مدعوة إلى فرض رقابتها أو على الأقل إشرافها على الكتاب شبه المدرسي، مع العلم أن الكتاب المستورد في هذا الإطار يخضع تقنيا لوزارة الثقافة التي تمنح رخصة الاستيراد، لكن يبقى المضمون خاضعا لهوى الشارع وصاحب المشروع. وفي هذا الإطار، دعا عدد من الناشرين إلى إعادة إحياء مقترح 2004 الذي تقدمت به نقابة الناشرين إاى الوزارة والذي كان يرمي إلى فرض الرقابة على الكتاب المدرسي وتقنينه وتم فعلا تسجيل لجنة في هذا الإطار، لكن إسماعيل أمزيان مدير دار القبة الذي كان يومها على رأس النقابة أكد أن المقترح يومها طرح إشكالا قانونيا في كيفية توفير الموارد المالية للجنة التي ستشرف على العملية، وكذا تحديد إطارها القانوني، وعليه فإن إعادة طرح مثل هذا المقترح اليوم يعيد طرح نفس الإشكالات من يراقب من وكيف وفي أي إطار تتم؟ فحتى كتب الوزارة نفسها عادة ما تأتي بأخطاء يقول محمد نعماني، إطار سابق في التربية، أشرف طيلة 35 سنة على إعداد البرامج في اللغة الفرنسية، وهو حاليا متعاون مع بعض دور النشر في الإشراف على الكتب شبه المدرسية، وفي نفس الإطار، يقول حسان بن نعمان إن إعادة طرح مقترح 2004 لتقنين الكتاب المدرسي يتطلب الكثير من الجهود والاستعداد من طرف وزارة التربية لتبني المقترحات السابقة في هذا الاتجاه مع بقاء تقريبا نفس العوائق القانونية والمالية التي سبق أن أعاقت المقترح السابق، لكن يبقى تقنين ورقابة الكتاب شبه المدرسي يقول بن نعمان ضرورة ملحة لوضح حد للفوضى والسموم التي يستهلكها التلاميذ في ظل بقاء مهنة الناشر”غير مقننة” ولا يحددها القانون الحالي بوضوح.
من جهته، قال محمد مولودي إن دور النشر تقبل كثيرا على طباعة الكتاب شبه المدرسي لأن السوق تستوعب أكثر وهناك اليوم أزيد من 50 ناشرا يعملون في هذا التخصص ويضيف مولودي قائلا: “يجب أن نعيد تنظيم السوق وفق المعطيات الجديدة. الكتاب شبه المدرسي يوم كان السوق يستوعب أكبر عدد، اليوم هناك أكثر من 50 ناشرا على الأقل واللجان ممكن تعمل حسب المحاباة ويستحيل الإبقاء على تسيير السوق بنفس المنطق ويجب إعادة تنظيم السوق حسب المعطيات الموجودة، إذا حسبنا هناك 5 آلاف نسخة و50 ناشرا سنجد أن أزيد من 250 ألف نسخة، كتاب واحد مثلا الوجيز في التاريخ تصل إلى 5 ملايير للعنوان.
هل تكرر بن غبريط أخطاء بن بوزيد؟
بعد إقرار قانون الكتاب الأخير، صار بإمكان الخواص المساهمة في طباعة الكتاب المدرسي، ولكن هذه العملية التي سبق أن فتحها وزير التربية السابق أبو بكر بن بوزيد وأحدثت ضجة كبيرة وأسالت الكثير من الحبر أيضا، حيث انتقد الناشرون الطريقة التي تمت بها العملية، ويؤكد محمد بغدادي في هذا السياق، أن بن بوزيد ارتكب أخطاء بأن حصر العملية في مجموعة من الناشرين المحسوبين على الوزارة، حيث قال إن العملية التي بدأت في 2001 في شهر رمضان رسميا كانت في الحقيقية قد انطلقت تحت الطاولة سنتين قبل هذا، ويتهم بغدادي الوزير السابق بالتعامل بأفضلية مع ناشرين كانوا يسطرون على نقابة الناشرين واستغلوها للفوز بصفقات حيازة حصرية طباعة الكتاب المدرسي، ثم نظموا اجتماع فندق زيرالدة لذر الرماد في العيون، لأن إنجاز كتاب في ثلاثة أشهر غير ممكن يقول بغدادي الذي دعا بن غبريط إلى عدم الوقوع في أخطاء بن بوزيد، وفتح المجال أمام كل الناشرين على قدم المساواة وبكل شفافية، مؤكدا أن الخواص ليسوا أقل وطنية من الدور العمومية وخاصة ديوان المطبوعات المدرسية الذي يبقى مطبعة مثله مثل غيره.
يمثل الكتاب المدرسي سوقا ماليا كبيرا في الجزائر، بحيث إذا وضعناه في وعائه الطبيعي”8 ملايين تلميذ” مع احتساب عدد المواد المدرسية، “حوالي 7 مواد” فإننا نجد أنفسنا أمام أرقام فلكية، لهذا يتنافس الناشرون على الفوز بحصرية طباعة الكتاب المدرسي وتوزيعه، فحسب المعلومات التي يتداولها الناشرون فإن الوزارة ستعلن قريبا عن مناقصة وطنية لفتح المجال أمام الخواص لإعداد الكتاب المدرسي المتعلق بالمتوسط ويدعو الناشرون الوزيرة بن غبريط إلى عدم تكرار أخطاء بن بوزيد ومنح الفرصة أمام النشارين جميعا على قدم المساواة، مثلما يؤكده محمد بغدادي “نتمنى أن تتجاوز بن غبريط طريقة إدارة بن بوزيد لهذا الملف وتمنح الفرصة لجميع الناشرين على بالمساواة”.
إسماعيل امزيان، مدير دار القصة، التي تعمل في نشر وتوزيع الكتاب المدرسي، أكد لـ”الشروق” أن بن بوزيد بريء من اتهام كهذا لأن الكتاب المدرسي فتح لمساهمة الخواص في عهد الوزير نور الدين صالح.

وقد كانت المساهمة مفتوحة أمام الجميع على قدم المساواة، وأضاف مدير دار القصبة في حديث للشروق أن عملية فتح الكتاب المدرسي لمساهمة الخواص تمت بطريقة متسرعة، صحيح لكن لم يكن هناك أي إقصاء والحديث عن المحاباة كلام غير مسؤول، ويضيف أمزيان أن بعض مروجي هذه الاتهامات لم يكونوا أصلا موجودين كناشرين على الساحة.
فتح مجال المساهمة للخواص في الكتاب المدرسي جاء بعد قرار من وزارة التربية، التي رأت أن هذا الديوان لم يعد في مقدوره تغطية السوق الوطني، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية للديوان حوالي 60 مليون نسخة سنويا، غير أنه، وحسب مصادر مطلعة فإن الديوان لا ينتج سوى 20 مليونا بينما النسبة المتبقية يتم اقتسامها على الخواص، في حين السوق الوطني يحتاج إلى 70 مليون كتاب سنويا، وحسب ذات المصدر الذي تحفظ عن ذكر اسمه فإن الكتاب المدرسي صار يطبع في الخارج، “القاهرة، فرنسا، ايطاليا، بيروت..” ويوزع في الجزائر رغم أن القانون يمنع منعا باتا هذه العملية. لجوء الناشرين إلى الطباعة في الخارج مرده إلى التسهيلات المقدمة هناك، حيث تكون تكلفة الكتاب أقل بكثير من طباعته داخل الجزائر زيادة على تسجيل فرق في النوعية.