الجزائر
الكتاب شبه المدرسي‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮.. ‬لا حسيب ولا رقيب

مجازر لغوية وكوارث معرفية بين أيدي‮ ‬التلاميذ

الشروق أونلاين
  • 6348
  • 0
الشروق
من يعبث بالتلاميذ ؟

أقر قانون الكتاب الأخير،‮ ‬الذي‮ ‬صادق عليه البرلمان بغرفتيه‮ “‬إخضاع‮” ‬طبع ونشر واستيراد الكتاب شبه المدرسي‮ ‬وتسويقه إلى ترخيص من وزارة التربية،‮ ‬كما أقرت المادة‮ ‬16‮ ‬من نفس القانون فتح المجال أمام الخواص في‮ ‬مجال الكتاب المدرسي،‮ ‬بحيث‮ “‬تتكفل الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية بنشر الكتاب المدرسي‮ ‬وطبعه وتسويقه‮” ‬مع إمكانية‮ “‬فتح هذه النشاطات للأشخاص الطبيعيين والمعنويين‮”. ‬وقبل خروج القانون للتطبيق الميداني‮ ‬وإقرار النصوص التكميلية والتنظيمية التي‮ ‬تحدد طريقة تطبيق المواد المصادق عليها من طرف نواب الشعب‮ ‬يبقى سوق الكتاب المدرسي‮ ‬وشبه المدرسي‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮ ‬يعيش فوضى عارمة،‮ ‬بل وصار طريقا للثراء وتهريب الأموال وبث السموم في‮ ‬نفوس الأجيال الصاعدة‭.‬

القانون‮ ‬يفرض الشهادة على الطباخ ولا‮ ‬يفرضها على الناشر

قبل الحديث عن واقع الكتاب المدرسي‮ ‬تبدو مواد قانون الكتاب الأخير مبهمة في‮ ‬شقها المتعلق بتعريف الناشر،‮ ‬حيث‮ ‬يصبح كل من هب ودب من حقه أن‮ ‬يفتح دار نشر،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الصدد استغرب أهل الاختصاص من كون جميع القوانين التي‮ ‬يتكفل إنشاء الشركات وفتح الاستثمارات تفرض على صاحب الاستثمار أن‮ ‬يكون صاحب شهادة في‮ ‬التخصص،‮ ‬حيث‮ ‬يقول محمد بغدادي‮ ‬مدير منشورات بغدادي‮: “‬إن القانون‮ ‬يفرض على الحلاق والخباز أن‮ ‬يكون صاحب شهادة في‮ ‬اختصاصه بينما لا‮ ‬يلزم القانون الناشر أن تكون له أي‮ ‬شهادة وهذا‮ ‬غير معقول‮ ‬يقول بغدادي‮”. ‬فكيف بالناشر الذي‮ ‬يتعامل مع مواد علمية وثقافية ويتعاط مع مؤلفين ومثقفين وأصحاب فكر أن‮ ‬يكون أميا؟ حيث تسجل ساحة النشر في‮ ‬الجزائر ناشرين لا‮ ‬يملكون‮ ‬غير شهادة الميلاد‮”‬‭.‬

فوضى خلاقة

بخصوص الكتاب المستورد من الخارج،‮ ‬فقد أكد محمد بغدادي‮ ‬أنه موجه أساسا للمدارس الخاصة في‮ ‬طوريها الابتدائي‮ ‬والتحضيري،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬أغلبها مدارس تدرس المنهج الفرنسي،‮ ‬مع العلم أن هذا المنهج قد تمت إعادة النظر فيه بفرنسا بينما ما‮ ‬يزال الكتاب الفرنسي‮ ‬القديم هو الذي‮ ‬تعتمده المدارس الخاصة عندنا ولكن مهما كان،‮ ‬يوضح بغدادي‮ ‬أنها تبقى كمية محدودة وتقتصر فقط على المدارس الخاصة،

أما بخصوص الكتاب المحلي،‮ ‬فإنه لا‮ ‬يخضع لأي‮ ‬قانون ولا ضابط ولا أي‮ ‬رقابة،‮ ‬بحيث‮ ‬يمكن لكل من هب ودب أن‮ ‬ينشر ما شاء ويطرحه في‮ ‬الأسواق ويقدم للتلميذ والطالب كمادة علمية بينما هي‮ ‬في‮ ‬أغلبها كتب تحتوي‮ ‬أخطاء لغوية ومعرفية وفي‮ ‬أحسن الحالات هي‮ ‬تعلم التلميذ والطالب الكسل،‮ ‬بأن تقدم له الحلول جاهزة وينقلها بدون بذل أي‮ ‬مجهود وبالتالي‮ ‬ضياع الهدف الأساسي‮ ‬من أي‮ ‬تمرين وهو شحذ ذهن التلميذ وتعويده على بذل مجهود واكتساب مهارات التحليل والتركيب والاستنتاج‮. ‬ويؤكد الأستاذ رشيد شاشوة مفتش اللغة الفرنسية ورئيس الوفد المكلف بإعداد البرامج أنه منع أساتذة مقاطعته من استعمال الكتب شبه المدرسية التي‮ ‬تنتج في‮ ‬الأسواق،‮ ‬نظرا لما فيها من مجازر لغوية وأخطاء معرفية لا تفيد التلميذ بل بالعكس تحطم قدراته المعرفية‮. ‬ويضيف المتحدث،‮ ‬قائلا إن في‮ ‬الجزائر‮ “‬خلطا بين الناشر والمطبعي‮” ‬وأغلب دور النشر عندنا هي‮ ‬مطابع تقدم للتلميذ سموما وهي‮ ‬تساهم بشكل ما في‮ ‬رسوب التلاميذ لأنها تعلمهم الخمول‮.‬

مجازر لغوية وعلمية لا تحصى

أما محمد بغدادي،‮ ‬فيؤكد قائلا‮ “‬منذ‮ ‬22‮ ‬سنة ونحن ننادي‮ ‬بوجوب مراقبة الكتاب شبه المدرسي‮ ‬وتقنينه لأن أجيال كاملة من المدارس تتخرج بابتلاعها سموما لغوية ومعرفية،‮ ‬ولأن أغلب دور النشر إلا من رحم ربك لا‮ ‬يهمها إلا الربح المادي،‮ ‬نظرا لما‮ ‬يمثله هذا السوق‮”. “‬فإذا عرفنا مثلا أن المدارس الجزائرية بها أزيد من‮ ‬7‮ ‬ملايين تلميذ وهناك أكثر من سبع مواد مثلا‮ ‬يمتحن فيها تلاميذ الطورين الثاني‮ ‬والثالث،‮ ‬وإذا كان الكتاب مثلا‮ ‬يقدر ثمنه بـ200‮ ‬دينار فبإمكاننا تخيل حجم الأرباح التي‮ ‬يحققها الناشر‮”‬،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الصدد‮ ‬يضيف بغدادي‮ ‬قائلا‮: “‬أي‮ ‬ناشر بإمكانه أي‮ ‬يطبع ما شاء ويحصل على رقم الإيداع القانوني‮ ‬بدون أي‮ ‬مشكل ويسوق كتابه بدون أي‮ ‬رقابة على ما‮ ‬يحتويه وقلة قليلة جدا من دور النشر تلك التي‮ ‬تسند المهمة إلى مختصين ومفتشين،‮ ‬حيث‮ ‬يقول مثلا الأستاذ شاشوة إن في‮ ‬مادة اللغة الفرنسية حدث أن طبع حتى المنهج الذي‮ ‬لا‮ ‬يكون عادة إلا عند المفتش والأستاذ‮.‬

وخلص بغدادي‮ ‬إلى القول إن الوزارة اليوم مدعوة إلى فرض رقابتها أو على الأقل إشرافها على الكتاب شبه المدرسي،‮ ‬مع العلم أن الكتاب المستورد في‮ ‬هذا الإطار‮ ‬يخضع تقنيا لوزارة الثقافة التي‮ ‬تمنح رخصة الاستيراد،‮ ‬لكن‮ ‬يبقى المضمون خاضعا لهوى الشارع وصاحب المشروع‮. ‬وفي‮ ‬هذا الإطار،‮ ‬دعا عدد من الناشرين إلى إعادة إحياء مقترح‮ ‬2004‮ ‬الذي‮ ‬تقدمت به نقابة الناشرين إاى الوزارة والذي‮ ‬كان‮ ‬يرمي‮ ‬إلى فرض الرقابة على الكتاب المدرسي‮ ‬وتقنينه وتم فعلا تسجيل لجنة في‮ ‬هذا الإطار،‮ ‬لكن إسماعيل أمزيان مدير دار القبة الذي‮ ‬كان‮ ‬يومها على رأس النقابة أكد أن المقترح‮ ‬يومها طرح إشكالا قانونيا في‮ ‬كيفية توفير الموارد المالية للجنة التي‮ ‬ستشرف على العملية،‮ ‬وكذا تحديد إطارها القانوني،‮ ‬وعليه فإن إعادة طرح مثل هذا المقترح اليوم‮ ‬يعيد طرح نفس الإشكالات من‮ ‬يراقب من وكيف وفي‮ ‬أي‮ ‬إطار تتم؟ فحتى كتب الوزارة نفسها عادة ما تأتي‮ ‬بأخطاء‮ ‬يقول محمد نعماني،‮ ‬إطار سابق في‮ ‬التربية،‮ ‬أشرف طيلة‮ ‬35‮ ‬سنة على إعداد البرامج في‮ ‬اللغة الفرنسية،‮ ‬وهو حاليا متعاون مع بعض دور النشر في‮ ‬الإشراف على الكتب شبه المدرسية،‮ ‬وفي‮ ‬نفس الإطار،‮ ‬يقول حسان بن نعمان إن إعادة طرح مقترح‮ ‬2004‮ ‬لتقنين الكتاب المدرسي‮ ‬يتطلب الكثير من الجهود والاستعداد من طرف وزارة التربية لتبني‮ ‬المقترحات السابقة في‮ ‬هذا الاتجاه مع بقاء تقريبا نفس العوائق القانونية والمالية التي‮ ‬سبق أن أعاقت المقترح السابق،‮ ‬لكن‮ ‬يبقى تقنين ورقابة الكتاب شبه المدرسي‮ ‬يقول بن نعمان ضرورة ملحة لوضح حد للفوضى والسموم التي‮ ‬يستهلكها التلاميذ في‮ ‬ظل بقاء مهنة‮  ‬الناشر‮”‬غير مقننة‮” ‬ولا‮ ‬يحددها القانون الحالي‮ ‬بوضوح‮.‬

من جهته،‮ ‬قال محمد مولودي‮ ‬إن دور النشر تقبل كثيرا على طباعة الكتاب شبه المدرسي‮ ‬لأن السوق تستوعب أكثر وهناك اليوم أزيد من‮ ‬50‮ ‬ناشرا‮ ‬يعملون في‮ ‬هذا التخصص ويضيف مولودي‮ ‬قائلا‮: “‬يجب أن نعيد تنظيم السوق وفق المعطيات الجديدة‮. ‬الكتاب شبه المدرسي‮ ‬يوم كان السوق‮ ‬يستوعب أكبر عدد،‮ ‬اليوم هناك أكثر من‮ ‬50‮ ‬ناشرا على الأقل واللجان ممكن تعمل حسب المحاباة ويستحيل الإبقاء على تسيير السوق بنفس المنطق ويجب إعادة تنظيم السوق حسب المعطيات الموجودة،‮ ‬إذا حسبنا هناك‮ ‬5‮ ‬آلاف نسخة و50‭ ‬ناشرا سنجد أن أزيد من‮ ‬250‮ ‬ألف نسخة،‮ ‬كتاب واحد مثلا الوجيز في‮ ‬التاريخ تصل إلى‮ ‬5‮ ‬ملايير للعنوان‮.‬

هل تكرر بن‮ ‬غبريط أخطاء بن بوزيد؟

بعد إقرار قانون الكتاب الأخير،‮ ‬صار بإمكان الخواص المساهمة في‮ ‬طباعة الكتاب المدرسي،‮ ‬ولكن هذه العملية التي‮ ‬سبق أن فتحها وزير التربية السابق أبو بكر بن بوزيد وأحدثت ضجة كبيرة وأسالت الكثير من الحبر أيضا،‮ ‬حيث انتقد الناشرون الطريقة التي‮ ‬تمت بها العملية،‮ ‬ويؤكد محمد بغدادي‮ ‬في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬أن بن بوزيد ارتكب أخطاء بأن حصر العملية في‮ ‬مجموعة من الناشرين المحسوبين على الوزارة،‮ ‬حيث قال إن العملية التي‮ ‬بدأت في‮ ‬2001‮ ‬في‮ ‬شهر رمضان رسميا كانت في‮ ‬الحقيقية قد انطلقت تحت الطاولة سنتين قبل هذا،‮ ‬ويتهم بغدادي‮ ‬الوزير السابق بالتعامل بأفضلية مع ناشرين كانوا‮ ‬يسطرون على نقابة الناشرين واستغلوها للفوز بصفقات حيازة حصرية طباعة الكتاب المدرسي،‮ ‬ثم نظموا اجتماع فندق زيرالدة لذر الرماد في‮ ‬العيون،‮ ‬لأن إنجاز كتاب في‮ ‬ثلاثة أشهر‮ ‬غير ممكن‮ ‬يقول بغدادي‮ ‬الذي‮ ‬دعا بن‮ ‬غبريط إلى عدم الوقوع في‮ ‬أخطاء بن بوزيد،‮ ‬وفتح المجال أمام كل الناشرين على قدم المساواة وبكل شفافية،‮ ‬مؤكدا أن الخواص ليسوا أقل وطنية من الدور العمومية وخاصة ديوان المطبوعات المدرسية الذي‮ ‬يبقى مطبعة مثله مثل‮ ‬غيره‮.‬

يمثل الكتاب المدرسي‮ ‬سوقا ماليا كبيرا في‮ ‬الجزائر،‮  ‬بحيث إذا وضعناه في‮ ‬وعائه الطبيعي‮”‬8‮ ‬ملايين تلميذ‮” ‬مع احتساب عدد المواد المدرسية،‮ “‬حوالي‮ ‬7‮ ‬مواد‮” ‬فإننا نجد أنفسنا أمام أرقام فلكية،‮ ‬لهذا‮ ‬يتنافس الناشرون على الفوز بحصرية طباعة الكتاب المدرسي‮ ‬وتوزيعه،‮ ‬فحسب المعلومات التي‮ ‬يتداولها الناشرون فإن الوزارة ستعلن قريبا عن مناقصة وطنية لفتح المجال أمام الخواص لإعداد الكتاب المدرسي‮ ‬المتعلق بالمتوسط ويدعو الناشرون الوزيرة بن‮ ‬غبريط إلى عدم تكرار أخطاء بن بوزيد ومنح الفرصة أمام النشارين جميعا على قدم المساواة،‮ ‬مثلما‮ ‬يؤكده محمد بغدادي‮ “‬نتمنى أن تتجاوز بن‮ ‬غبريط طريقة إدارة بن بوزيد لهذا الملف وتمنح الفرصة لجميع الناشرين على بالمساواة‮”.‬

إسماعيل امزيان،‮ ‬مدير دار القصة،‮ ‬التي‮ ‬تعمل في‮ ‬نشر وتوزيع الكتاب المدرسي،‮ ‬أكد لـ”الشروق‮” ‬أن بن بوزيد بريء من اتهام كهذا لأن الكتاب المدرسي‮ ‬فتح لمساهمة الخواص في‮ ‬عهد الوزير نور الدين صالح‭.‬‮ ‬

وقد كانت المساهمة مفتوحة أمام الجميع على قدم المساواة،‮ ‬وأضاف مدير دار القصبة في‮ ‬حديث للشروق أن عملية فتح الكتاب المدرسي‮ ‬لمساهمة الخواص تمت بطريقة متسرعة،‮ ‬صحيح لكن لم‮ ‬يكن هناك أي‮ ‬إقصاء والحديث عن المحاباة كلام‮ ‬غير مسؤول،‮ ‬ويضيف أمزيان أن بعض مروجي‮ ‬هذه الاتهامات لم‮ ‬يكونوا أصلا موجودين كناشرين على الساحة‮.‬

فتح مجال المساهمة للخواص في‮ ‬الكتاب المدرسي‮ ‬جاء بعد قرار من وزارة التربية،‮ ‬التي‮ ‬رأت أن هذا الديوان لم‮ ‬يعد في‮ ‬مقدوره تغطية السوق الوطني،‮ ‬حيث تبلغ‮ ‬الطاقة الإنتاجية للديوان حوالي‮ ‬60‮ ‬مليون نسخة سنويا،‮ ‬غير أنه،‮ ‬وحسب مصادر مطلعة فإن الديوان لا‮ ‬ينتج سوى‮ ‬20‮ ‬مليونا بينما النسبة المتبقية‮ ‬يتم اقتسامها على الخواص،‮ ‬في‮ ‬حين السوق الوطني‮ ‬يحتاج إلى‮ ‬70‮ ‬مليون كتاب سنويا،‮ ‬وحسب ذات المصدر الذي‮ ‬تحفظ عن ذكر اسمه فإن الكتاب المدرسي‮ ‬صار‮ ‬يطبع في‮ ‬الخارج،‮ “‬القاهرة،‮ ‬فرنسا،‮ ‬ايطاليا،‮ ‬بيروت‮..” ‬ويوزع في‮ ‬الجزائر رغم أن القانون‮ ‬يمنع منعا باتا هذه العملية‮. ‬لجوء الناشرين إلى الطباعة في‮ ‬الخارج مرده إلى التسهيلات المقدمة هناك،‮ ‬حيث تكون تكلفة الكتاب أقل بكثير من طباعته داخل الجزائر زيادة على تسجيل فرق في‮ ‬النوعية‮.‬

مقالات ذات صلة