مجانين الدين
عندما تصرّح زعيمة اليمين الفرنسي “لوبان” بأن الجزائر وفرنسا تطلقا في 62، وتكفّلت فرنسا بتربية الأطفال، فهذا يدل على شيئين إمّا أن الأم الفرنسية التي كانت متسلطة على الزوج الجزائري لم تحسن تربية الأطفال فحولتهم إلى “دواعش”، وإمّا أن نكون نحن من لم نرب ما تبقى من الأبناء في حضانة الأب! والاحتمال الأول أكبر من الاحتمال الثاني. فلا أحد ربى أبناءه الذين بقوا تحت حضانته أحسن تربية، لكن فرنسا التي أرادت أن “تقلش” بعضا ممن تكفلت بحضانتهم، لأسباب هي من تتحمل المسؤولية التاريخية والجغرافية عنها وتتحمل الوزر الأكبر في ما يحدث في العالم اليوم!، فكل ما يحدث هو نتيجة الاحتلال! التاريخ الذي عاث فيه الاحتلال الأوروبي ـ الإسرائيلي ـ الأمريكي فسادا في الأرض والعرض!
أحداث بروكسل الدامية العمياء قبل أسابيع، وقبلها أحداث باريس، هي امتداد لما يحدث في العالم العربي منذ أن ظهر هذا الوحش المخيف للمسلمين وللغرب وللعالم قاطبة، والذي لا تنطلي على أحد أسبابه ودوافعه ومحركه الأول، الذي فقد الاتصال بهذه القوة السرية التي خلفت القاعدة والتي هي الأخرى كانت “مايد إنْ أمريكا” كما هو معروف تاريخيا!، فهو رد على ما يحدث! رد لا تحتاج هذه الجماعات الإرهابية في الاحتفاظ به حتى بدون الحاجة إلى حكاية الرد هذه! ذلك أن ضرب التجمعات المدنية في المطارات وقطارات الأنفاق والمحافل والساحات، هو إرهاب جبان وأعمى! الأجدر بهذه الجماعات أن تبحث عن دولة محتلة لبلاد المسلمين لكي تجاهد فيها ضد الاحتلال، لا أن تضرب شعبا ولا تفرّق بين العدو والصديق فيه، ولا بين المسلم وغير المسلم، مع أن الله يحرم سفك دم الإنسان أينما كان وكيفما كان إلا إذا كان الأمر دفاعا عن النفس! فأية ثقافة دينية هذه وأية عقلية إسلامية، الإسلام منها براء ومتبرئ إلى يوم الدين!
نمت على أهوال ما يحدث في العالم الإسلامي ـ بلا إسلام، والعالم الديمقراطي بلا ديمقراطية، لأجد نفسي أفتي لمجموعة إرهابية شكلتها لغاية شخصية فقط، غطيتها برداء ديني جهادي:
أنا في الأصل، كنت لا أعرف لا أصولي التاريخية ولا العرقية ولا الدينية ولا الطائفية. ولدت في ملجأ وتربيت على أيدي النصارى ـ أعداء الله! ربوني حتى سن الرشد على دين المسيحية، مع أن أصولي التي تعرفت عليها فيما بعد، تعود إلى أب مسلم وأم مسيحية علمانية تزوجا في الشارع وتربيت في كرش حرام، في “لاكريش نتاع أولاد الحرام”! ثم انفصل أبي عن المرأة التي أنجبتني، والتي أكرهها وأكره معها أبي أيضا! هم في الأصل غير متزوجين! زواج على الطريقة الأوروبية: لقاء تعارف ثم معاشرة!! الزواج في أوروبا لم يعد موجودا ولا الأسرة ولا العائلة!! لما عرفت أني مسلم الأب، من جنسية أصلية جزائرية لأب سافر إلى فرنسا بعد الاستقلال “لتصوير” لقمة عيش “قبيلة” بأكملها تركها خلفه في ريف قرية مهجورة اليوم في الجزائر، صرت أتردد على المساجد لأتعرف على اللغة العربية أولا ثم الإسلام ثانيا. عشت لسنوات فترة ضياع بين المخامر والملاهي والمخدرات، قبل أن أجر إلى حلقة شبابية، هم الآخرون “دخلوا” الإسلام حديثا ومنهم من اعتنقه قادما من المسيحية. كلهم كانوا متحمسين لنشر الإسلام في العالم وأوروبا! كانوا لا يعرفون إلا الشهادة بلغة عربية مكسرة، وأنا تكفلت بتكسير الباقي منها. دخلت معهم في صداقة وأخوة متينة أوصلتني سريعا إلى مصاف “الإمارة” مع أني لا أتعدى سن الـ16 سنة، ولا أعرف شيئا في الدين والفقه والسيرة. حفظت بعض الآيات برطانتي الفرنسية لكي أصلي وبعض الأحاديث لأحكي، ولكني تمرنت على فن الكاراتي والكينغ بوكسينغ وتدربت لستة أشهر على استعمال كل الأسلحة، “اللي تصلح اليوم واللي ما تصلح لا اليوم ولا غدا”! بما في ذلك السيف والموس. كل هذا من أجل مشروع الجهاد والشهادة في سبيل فتح أوروبا وأمريكا.. تقربا لله!
قلت لجماعتي التي تضم 6 عناصر وأنا سابعهم! وأميرهم! لقد أعددنا العدة لفتح أوروبا وأمريكا فتحا مبينا! لقد رأيت في المنام أني أؤذن على رأس “لاتور إيفل” وفوق رأس صنم الحرية في أمريكا، فابشروا وجهزوا أنفسكم للفتح المبين!.
شربنا بعض الكؤوس من محلول يعطى لنا من قياداتنا العليا، لا نعرف مكوناته ولكنه يعطينا القوة والبأس والشجاعة والنجاعة والمهابة للخوض والدخول في قلب النار بصدور عارية وتفجير النفس بكل أريحية وكأننا ذاهبون لغزو مجرة درب التبانة في سوخوي!.
الجماعة كلهم تأهبوا: وما نصنع بالفجرة الطاغوت؟ نفجر الكيدورسي أو مبنى البيت الأبيض؟ نحن مستعدون الآن! لكن في الخارج لم يكن هناك أحد! كنا في عمارة يسكنها اليهود فقط، وصهاينة نعرفهم واحدا واحدا كلهم قادمون من إسرائيل، لكن الأمر لم يأتنا للقيام بعملية ضد اليهود، لا هنا ولا في فلسطين. لما نسأل يقولون لنا: مازال لم يحن بعد الوقت. اتركوا فلسطين للأخير. لا تمسوا يهوديا واحدا. لم أفهم، وأعطيت الأمر لتفجير الأحزمة الناسفة في الأماكن العمومية وفي المطارات والقطارات، لكن قبل أن نخرج، كانت قوات الأمن تداهمنا وتعتقلنا حتى قبل أن نفجر أنفسنا، لأن الأوامر كانت صارمة: لا تفجروا أنفسكم في تجمع للصهاينة واليهود!.
وأفيق وقد انفجرت غيظا وضحكا: والله جهاد!!؟ جهاد!.. هئهئهئ!