محاصرون يحملون مرضاهم على الأبواب والسلالم بسطيف
عايش سكان منطقة أولاد حليمة ببلدية سرج الغول شمال ولاية سطيف الحصار في أسمى معانيه، وغطتهم الثلوج لمدة عشرة أيام كاملة فانقطعوا عن العالم وقاطعتهم الحياة.
السؤال عن حال سكان أولاد حليمة ومحاولة إنقاذهم كان بمبادرة من رجال الأمن بولاية سطيف، الذين نظموا قافلة لإمداد المعزولين بهذه المنطقة بالمؤونة والأغطية.
الرحلة كانت في البداية تبدو سهلة فتحركت المركبات رباعية الدفع باتجاه شمال الولاية لكن بعد المرور بعين الكبيرة اشتد البياض الذي غمر الآفاق ولم تعد الرؤية تفرق بين بساط الثلج والسحاب.
وبمجرد الاقتراب من منطقة أولاد حليمة انقطع المسار ونادى مناد أن التقدم إلى الأمام من المهام المستحيلة، لأن الجرافات استسلمت أمام أكوام الثلج وعملية الإزاحة تحتاج إلى أيام أخرى، وفي هذه الحال لا بديل عن المشي على الأقدام وهي حال سكان أولاد حليمة الذين صادفنا اثنين منهم فتبعناهم وكان علينا شق أمواج الثلج في المرتفعات والمنحدرات، ومع تزايد الخطى يزداد سمك الثلوج الذي تجاوز في مناطق المتر وكل واحد كان يترقب حدود الغوص… المشي وسط الثلوج كان على مسافة 5 كلم جمعت بين الانحدارات والانزلاقات في أحواض الثلج المفاجئة.
أحد السكان أرشدنا إلى بيت شيخ مريض بلغ من الكبر عتيا فتدخلت الفرقة الطبية لمعالجته وقدمت له ما يحتاج من أدوية، لكن الشيخ الذي تجاوز المائة بسنة عليه أن يصبر حتى تفتح الطريق ليعرض على العيادة.
وغير بعيد عن مسكن الشيخ عائلة أخرى طلبت النجدة لإسعاف ابنها الشاب الذي أجرى عملية جراحية على رجله ولم يتمكن من التنقل لتنظيف الجرح فهرعت إليه الفرقة الطبية وتولت المهمة، وعندما سألنا أهل المنطقة عن حالهم قالوا: أدركنا اليوم التاسع تحت الحصار مع انقطاع الكهرباء وانعدام الاتصال بالعالم الخارجي، فحتى الهواتف النقالة لا تشتغل وقارورات الغاز اقتربت من نهايتها ولا بديل عن الاستسلام وانتظار حكم الله.
وعن سؤالنا حول تصرف الأهالي مع مرضاهم يؤكد محدثونا أن هناك خيارين الأول هو باب إحدى الغرف ينبطح فوقه المريض ويتم نقله مشيا على الأقدام لمسافة 5 كلم أو أكثر للوصول إلى بلدية سرج الغول، وأما الخيار الثاني فلا يختلف كثيرا عن الأول ويتمثل في استعمال السُلَّم الذي يغطى بالأفرشة وينقل عليه المريض على نفس المسافة، وهم يفضلون السُلّم لأن فيه مقبضين في كل جهة وبالتالي مهمة الحمل تكون أسهل مقارنة بالباب.
وتلقى الناس هنا مساعدات رجال الأمن وأمنيتهم الوحيدة فتح الطريق لأنها مربط الأزمة التي عزلتهم لمدة عشرة أيام كاملة، وحتى شاحنة سونلغاز لم تتمكن من الوصول إليهم فحاصرهم الأبيض في النهار والأسود في الليل.. وبين الليل والنهار لا يملكون إلا الصلاة والدعاء.