يحملون المخدرات والسكاكين ويضربون الناس طلبا للسجن
محرومون يرتكبون جرائم “شكلية” من أجل قضاء رمضان داخل السجن
“أريد دخول السجن لتمضية شهر رمضان.. السجن يوفر لي الأكل والنوم الذي أفتقده خارجا.. أقفاص السجن أهون من حرية التشرد” هذه التصريحات الغريبة أصبحت واقعا تعيشه يوميا أقسام الشرطة والمحاكم عبر الوطن، حيث ظهرت مؤخرا فئة من الجزائريين من نساء ورجال يحبذون النوم خلف القضبان خاصة في الشهر الكريم وهم كثر، ولا يقتصر الأمر على المشردين فقط بل تعداه إلى الفقراء والمحتاجين، وهم يتبعون شتى السبل لتحقيق أمنيتهم في تقييد حريتهم ونيل حلم “السجن”.
-
في ظاهرة جديدة على المجتمع الجزائري، أصبح بعض الجزائريين يتنافسون لدخول السجون فيتعمدون ارتكاب أفعال يٌجرّمها القانون، لدرجة أن بعضهم يتوسل إلى رجال الشرطة والقضاة لزجهم خلف القضبان، وتكثر الظاهرة الغريبة مع اقتراب شهر رمضان.
-
-
حمل قطعة مخدرات وطلب من الشرطة إدخاله السجن
-
الأمثلة كثيرة، منها الطريف والغريب وأخرى وقائعها حزينة ومؤثرة، ففي ولاية غرب الوطن، قصد شاب مركز الشرطة ليلا وهو يحمل سكينا، وحاول استفزاز رجال الأمن فقط ليودعوه السجن وهو ما كان له، وآخرون يقصدون حواجز الشرطة المتواجدة عبر الطرق حاملين قطعا من المخدرات، ويبدون نيتهم الصريحة في دخول السجن، ومن هؤلاء شاب يبلغ 34 من عمره غير متزوج، قصد حاجزا أمنيا ببلدية الشراڤة بالعاصمة، وأخرج لهم قطعة من المخدرات متوسلا إلقاء القبض عليه، ولأن رجال الشرطة استغربوا تصرفه، فقد عرضوه على مختص عقلي للتأكد من سلامته العقلية، وكانت الدهشة أن الشاب سليم ويتمتع بكافة قواه العقليه، وهو الأمر الذي جعله يحال على المحاكمة بمحكمة الشراڤة. وقد أبكت تصريحات المعني جميع الحضور بالجلسة، حيث أنه استرسل في سرد وضعيته الاجتماعية المزرية للقاضية، فصرح بأنه وحيد ولا يملك مأوى يلجأ إليه، وليس له القدرة على الزواج رغم كبر سنه، لكن أمله في دخول السجن خاب بعد حصوله على حكم مخفف، شاب آخر في العشرينات من عمره استغربت قاضية بالمحكمة ذاتها من كثرة امتثاله أمامها وعن مختلف التهم، ولما سألته عن السبب، أجاب: “دارنا ما يحبونيش وما حبوش يداويوني، وعلابيها راني حاب ندخل الحبس باش أنريح” والشاب تعمّد ضرب آخر، وبدوره ضاعت أمنيته في زيارة السجن مجددا، لأن القاضية حكمت عليه بحكم موقوف النفاذ.
-
كما توجد فئة أخرى من المواطنين يفضلون ارتكاب الجرائم أياما قبل دخول الشهر الكريم، وغايتهم في ذلك هي تمضية أيام رمضان داخل السجن، ويرجع المحامي بهلولي إبراهيم محام بمجلس قضاء الجزائر سبب استفحال الظاهرة إلى الظروف الاجتماعية المزرية التي يعيشها بعض المواطنين، مؤكدا أن هذه الحالات تكثر في فصل الشتاء وشهر رمضان، فيفضل البعض تمضية هذه الأيام خلف القضبان، لأنه ليست لديهم المقدرة على توفير الدفء شتاء والأكل والشراب برمضان، ويضيف المحامي أن هذا النوع من المتهمين يختارون نوعية جرائمهم، فيفضلون ارتكاب أفعال لا تتعدى عقوبتها السنة أو الستة أشهر حبسا نافذا، ومنها حيازة واستهلاك المخدرات، حمل السكين، الضرب والشجار، ويرى المتحدث أن رجال الشرطة تعودوا على مثل هؤلاء الأشخاص ما يجعلهم يخلون سبيلهم، لكن عند وجود ضحايا لهم، ويتمسكون بشكواهم فإن المتهمين يحالون على المحاكم، وهناك يدانون على حسب خطورة الأفعال المرتكبة، وحسب المحامي فإن القاضي لا يلتفت إلى نيتهم في دخول السجن من عدمه بل يركز على الجريمة ونتيجتها.
-
ومن هؤلاء شاب في الثلاثين من عمره امتثل أياما قبل شهر رمضان للمحاكمة بمحكمة الحراش، بعد تورطه في حيازة قطعة صغيرة من المخدرات، والغريب أن القاضي تعرف عليه بسهولة، لأن المتهم كثير التردد على السجن لتورطه في جنح عديدة، فاستفسره القاضي عن سبب عدم توبته من جرائمه، فرد الشاب “أنا متشرد وأرتكب أفعالي دفاعا عن نفسي” لكن أحد رجال الشرطة بالمحكمة أخبرنا بأن هذا الشاب بالذات أخبرهم أنه يحب دخول السجن في رمضان، لأنه لا يحب تمضية رمضان بالشوارع، وأن السجن يضمن له الأكل والنوم ومشاهدة التلفاز وحتى الرياضة.
-
وفي قضية مشابهة، أدانت محكمة سيدي أمحمد في أحد الأيام الماضية امرأة بعامين حبسا نافذا بعد ضربها لمواطن بسكين، والغريب أن المتهمة لم يمض على خروجها من السجن سوى أسبوع فقط، وقد بررت سبب فعلتها “بأن السجن أحسن مأوى لها لغياب مكان تلجأ اليه، فيما حطم شاب آخر الرقم القياسي في العودة إلى السجن بعد الخروج منه، حيث أن المعني خرج صباحا من السجن، وفي طريق عودته قام بسرقة مواطن، فألقي القبض عليه وأعيد للسجن مجددا. ويعتبر هؤلاء أن جدران السجن أرحم بكثير من حرية التشرد خاصة في شهر رمضان.